هذه النسخة من موقع مؤسسة ومتحف محمود درويش هي نسخة تجريبية ويجري العمل على تطويرها

محمود درويش مقالات وحوارات "1961- 1970"

 

 

محمود درويش مقالات وحوارات "1961- 1970"

 


صدر عن دار الهدى للطباعة والنشر كريم2001، كتاب " محمود درويش- مقالات وحوارات 1961- 1970" جمعه وقدم له الدكتور محمد خليل من بلدة طرعان.
جاء في 273 صفحة من القطع الكبير، وضم خمسة وثلاثين مقالا وحوارا، يقول خليل إن بعضها قد لا يكون معروفا لبعض القراء، وان درويش كان نشرها مع بدئه في انطلاقته الشعرية في مجلات:" الجديد" حيفا،" زو هديرخ" تل أبيب، و" الآداب" بيروت، حينما كان يعمل في مجلة الجديد كاتبا أو رئيسا لتحريرها، أي قبل هجرته قسرا(!!) من الوطن عام 1970.
تبرز بين هذه المقالات مقالة درويش المشهورة" انقذونا من هذا الحب القاسي"، التي طالب فيها درويش النقاد العرب في الخارج، بالتعامل مع ما أنتجه شعراؤنا وكتابنا في تلك الفترة، بموضوعية وبدون مشاعر من الحب القاسي، أي ذاك الحب الذي يعمل وفق القول الشعري المعروف" وعين الرضا عن كل عيب كليلة".
في الكتاب إضافة إلى اثنين وثلاثين مقالة كتبها درويش في الفترة المشار إليها في عنوان الكتاب، ثلاثة حوارات صحفية أجراها أصحابها، وبينهم الكاتب اللبناني محمود دكروب، مع درويش، ونشروها في مجلات " الجديد" الحيفاوية، وفي مجلتي "الآداب" و "لطريق"اللبنانيتين.

يقول عن هذه الحوارات انه ارتأى ضمها إلى مجموعة المقالات، للعلاقة ذاتها التي تجمعها معها وتربطها بها، وبالأخص لما فيها من تجانس يتوافق مع سائر المقالات التي يضمها الكتاب.
يقول صاحب الكتاب في تقديمه له، انه ارتأى ان يسير في كتابه على نهج الأستاذ يوسف بكار وهدي خطاه، في مؤلفه الموسوم "حوارات إحسان عباس"، ويهديه إلى روح فقيد أسرته الغالي "عنان ياسر خليل 1989- 2009".
هذا هو الكتاب العاشر لصاحبه. كتبه السابقة دارت حول النقد الادبي والتاريخ لبلدته طرعان والكتابة للأطفال.
محمود درويش
مقالات وحوارات (1961-1970)

 

إعداد وتقديم
دكتور محمد خليل


 

الفهـرس

الموضوع.................................................الصفحة
* المقدمة : هذا الكتاب 4
* القسم الأول : المقالات 17
* المقال الأول : رأي في شعرنا-1 18
* المقال الثاني : رأي في شعرنا-2 25
* المقال الثالث : ثلاثة دواوين من الشعر الحديث 31
* المقال الرابع : القلم هذا السلاح 52
* المقال الخامس : سيوف من خشب 56
* المقال السادس : صوت الجزائر في مؤتمر أدباء آسيا
وأفريقيا أو الجرح الخامس والأربعون 68
* المقال السابع : خرافة ماتت 74
* المقال الثامن : مات مارون عبود 80
* المقال التاسع : في الشعر 83
* المقال العاشر : عشر سنين 91
* المقال الحادي عشر : العرب والمسرح الإسرائيلي 95
* المقال الثاني عشر : ناظم حكمت النشيد الخالد 102
* المقال الثالث عشر : إلى الذين لا يموتون 113
* المقال الرابع عشر : قضايا الشعر المعاصر 119
* المقال الخامس عشر : الشعر والمجتمع ونازك الملائكة 127
* المقال السادس عشر : بدر شاكر السياب 131
* المقال السابع عشر : صداقة بلا مكياج 143
* المقال الثامن عشر : الضغط والانفجار 149
* المقال التاسع عشر : نحن وأنتغوني 158
* المقال العشرون : على هامش أغاني الدروب 165
* المقال الحادي والعشرون : مهر الكلمة 171
* المقال الثاني والعشرون : كي تكبر الكلمة..كي تعلو 176
* المقال الثالث والعشرون : القاتل حبيبنا 179
* المقال الرابع والعشرون : الأطلال المحنطة 185
* المقال الخامس والعشرون : هذا الاهتمام يهمنا 190
* المقال السادس والعشرون : أنقذونا من هذا الحب القاسي 194
* المقال السابع والعشرون : المسيح الهارب من الصليب
الشيوعي وأسئلة للتفكير 199
* المقال الثامن والعشرون : الحصار 203
* المقال التاسع والعشرون : شيء عن الوطن 207
* المقال الثلاثون : من المونولوج إلى الديالوج 211
* المقال الحادي والثلاثون : ثلاث كلمات على إيقاع واحد 217
* المقال الثاني والثلاثون : واقع الكاتب العربي في إسرائيل 223
* القسم الآخِر : الحوارات 227
* الحوار الأول : حياتي وقضيتي وشعري 228
* الحوار الثاني : حديث صحفي مع محمود درويش 244
* الحوار الثالث : مقابلة أدبية مع محمود درويش 257


المـقـدمـة
هـذا الكتـاب

1

تشكل مقالات الكتاب وحواراته ، وجهاً إبداعياً ناصعاً من وجوه إبداعات الراحل محمود درويش (13/3/1941-9/8/2008) النثرية ، قد لا يكون أكثرها معروفاً عند بعضهم . كان المرحوم قد كتبها ونشرها ، مع بدء انطلاقته الشعرية الأولى في مجلات : الجديد (حيفا) و زو هديرخ ( ) (تل أبيب) والآداب (بيروت) ، حين كان يعمل في مجلة الجديد كاتباً أو رئيساً للتحرير ، أي قبل هجرته القسرية من الوطن في العام 1970 ، في حقبة كانت تعج بالتحولات والصراعات والتفاعلات إيذاناً بحراك أو نهوض أدبي ثقافي عام . من هذا المنظور ، فإن هذه المقالات والحوارات يُمكن أن تعد وثائق أدبية وفكرية ثقافية بامتياز ، فضلاً عن كونها مرآة حقيقية تعكس ، بصدق ، حرارة تجربة الشاعر وقد امتزجت بحياته الشخصية .
يُذكر أنه بعد أن أمعنت سلطات الحكم العسكري الجائر ، في تشديد الخناق على الشاعر ، وما تفننت به من صنوف التضييق والملاحقة وتقييد حريته في الكتابة والحركة ، بما في ذلك السجن التعسفي إلى فرض الإقامة الجبرية ، ما يعني منعه من مغادرة منزله من غروب الشمس إلى شروقها ، وأن يثبت وجوده في مركز الشرطة في الساعة الرابعة من بعد ظهر كل يوم . وفي هذا يقول الراحل : ((الكثيرون من أصدقائي يتألمون من أجلي . هذه الملاحقات.. الاعتقالات وأوامر الإقامة الجبرية التي تحدد حرية تجولي في وطني ، أصبحت جزءاً من حياتي اليومية ولكنني أنظر إليها باستهتار يكاد يكون خبيثاً . لست متوتراً ولست مندهشاً . أجلس في غرفتي كل مساء ، ويطربني أن أرتبط بالشمس ، لأني أُمنع من مغادرة البيت بعد غروب الشمس . منحوني شرفاً كبيراً عندما ربطوا خطواتي بالشمس . أجلس في الغرفة أقرأ ، أسمع موسيقى ، وأنتظر البوليس . وفي الساعة الرابعة بعد كل يوم أثبت وجودي في محطة الشرطة بابتسامة حقيقية غير لئيمة دائماً)) ! مرة أخرى ، يقول درويش عن سجنه ((وما يسمى هنا بالمساواة بين السجناء يقنعك بإمكانية فقدان بعض التعابير معانيها الأصيلة.. هنا ينام في غرفة واحدة وعلى سرير واحد.. ويربط بسلسلة حديدية واحدة : القاتل والسارق واللوطي والسياسي والشاعر)) !
آنذاك قرر درويش ، نهائياً ، بعد أن استقر في روعه استحالة استمراره على تلك الحال ، أن يغادر البلاد ، مفضّلاً الابتعاد عن وطنه وأهله ومحبيه ، على تلك الحياة التي لم تعد تطاق ( ) !

2

عديد هذه المقالات والحوارات خمسة وثلاثون ، أول المقالات ((رأي.. في شعرنا)) (آب/أغسطس ، 1961) ، وآخرها ((واقع الكاتب العربي في إسرائيل)) (كانون أول/ ديسمبر ، 1970) . أما الحوارات الصحفية التي أجريت مع درويش فثلاثة ارتأيت من الأهمية والضرورة ضمها إلى المجموعة ، للعلاقة ذاتها التي تجمعها معها وتربطها بها ، وبالأخص لما فيها من تجانس يتوافق مع سائر المقالات ، ولتحقيق أكبر قدر ممكن من الفائدة المرجوة . الأول ((مع الشاعر محمود درويش : حياتي وقضيتي وشعري)) (الجديد ، العدد 3 ، 1969) كان أجراه معه الأديب اللبناني محمد دكروب ونشره في المجلة اللبنانية (الطريق ، كانون أول ، 1968) والثاني ((حديث صحفي مع محمود درويش)) (الجديد ، العدد 11 ، 1969) والأخير ((مقابلة أدبية مع محمود درويش)) (الآداب ، العدد 9 ، 1970) . ومما فيها ، تسليط مزيد من الأضواء على بعض القضايا والإشكاليات التي كان المرحوم عرض لها في مناسبات سابقة .
لقد جمعتها جميعاً من مظانها الأصلية ، وأبقيت على ترتيبها الزمني كما ورد في الأصل . وقد يكون ثمة مقالات أخرى لم أتمكن من الحصول عليها أو الاهتداء إليها وهو ما يدفعني إلى مناشدة كل من لديه مقال أو حوار من تلك المرحلة تحديداً ، أن يتفضل ، مشكوراً ، فيزودني به ، أو يدلني عليه لكي يكتمل عِقد هذه المقالات وتكون فائدتها أشمل وأكمل .
لقد كان في موت الراحل مفاجأة كبرى وفاجعة أكبر لنا جميعاً ، لما تركه من خسارة وفقد وفراغ ، لاسيما في كرسي الأدب والشعر منه تحديداً . ومن هذا المنطلق كان الدافع الرئيس والمباشر ، إلى جمع هذه المقالات والحوارات وإصدارها في كتاب مستقل يليق بقامة الفقيد الإنسان أولاً والمبدع ثانياً ، وهو أقل ما يمكن أن يُقدم لذكرى روحه الخالدة . وفي الوقت ذاته ، لجعلها في متناول يد كل مهتم بهذه الظاهرة الدرويشية .
وإذا كان الشاعر برحيله عنا قد فاجأنا جميعاً ، فإنه لم يكن مفاجئاً بالنسبة له هو ! فيبدو أنه كان على موعد مع الموت وفي انتظاره ، وهو ما يستوقفنا ويثير فينا الدهشة حقاً ! يقول في قصيدته الأخيرة ((لاعب النرد)) قبيل رحيله :
((في الساحة المنشدون
يشدُّون أوتار آلاتهم
لنشيد الوداع)) !
وقد تكرر المشهد ذاته مع الفقيد من قبل أيضاً ، حين بدأ يستشعر في أعماقه أن داعي الرحيل مقبل نحوه ، أو أنه يحث الخطى تجاهه ويناديه ! ها هو ينشد في المقطع الأخير من قصيدته ((جدارية)) :
((أما أنا - وقد
امتلأتُ بكل أسباب الرحيل -
فلست لي .
أنا لست لي
أنا لست لي ؟))


3

المقالات مهمة وثريّة ، كتبها محمود على مدار عقد زمني تقريباً ، قبل مغادرته أرض الوطن العام 1970 ، في مرحلة من أهم وأدق المراحل التي مر بها في حياته ، هو وسائر أبناء الشعب العربي الفلسطيني ، وبضمنهم البقية الباقية في أرض الوطن . مرحلة ، كانت تعد فيها القضية الفلسطينية قضية العرب المركزية . لهذا ، تُشكل هذه المقالات والحوارات جميعاً مصدراً ثرّاً ، ومنهلاً عذباً ومرجعاً مهماً ، يصعب على كل قارئ ودارس ، باحث أو مهتم بالفقيد أن يتجاوزه ، لاسيما من ينوي إعداد دراسة ضافية وافية ، عن حياة الشاعر ، بشقيها الأدبي والإنساني من تلك المرحلة المبكرة لسيرة حياته الشخصية والإبداعية .
يُلمح الشاعر ، في المقالات والحوارات ، إلى طفولته المعذبة ، وقد كانت مأساة مثناة كما يصفها في قوله ((إن طفولتي هي بداية مأساتي الخاصة التي ولدت مع بداية مأساة شعب كامل . لقد وُضعت هذه الطفولة في النار ، في الخيمة ، في المنفى ، مرة واحدة وبلا مبرر تتمكن من استيعابه)) ! وفي قوله ((ومن هنا أيضاً أستطيع أن أحدّد منبع حساسيتي الشديدة تُجاه العدوان ، فإن طفولتي كانت ضحية عدوان . وأجد الآن ، خلال هذه المراجعة ، أن الطفولة لم تكن تعني مرحلة من مراحل حياتي وإنما كانت وطني . وفي وطن الطفولة كنت أشعر بالمراحل : الحرمان ، الخوف طرح الأسئلة ، العزلة ، التأمل ، ثم الغضب على شيئين : على الواقع الجديد وعلى الذين احتلوا طفولتي – وطني ، وقادوني إلى هذا الواقع)) !
كما تتضمن المقالات والحوارات موضوعات وظواهر ودراسات ، وفيها آراء ومواقف للشاعر تنم على نقد أدبي تقدمي متقدم ، وكشف لرؤاه وأسلوبه وفكره بشأن بعض القضايا الأدبية والثقافية والاجتماعية ؛ التي تلامس همومه الفردية والجمعية على حد سواء . لقد حمل على عاتقه حزنه وحزن أبناء شعبه معاً . يقول ((فعندما يشكو الشاعر لا توجع شكواه قلبه فقط ، لأنها ليست ألم قلبه هو إلا لأن قلبه مرصد أحزاننا جميعاً..)) !
يتجلّى من المقالات والحوارات أن محموداً كان رائداً في ما كتب ، وصريحاً جريئاً في مواقفه وآرائه . كان سبّاقاً في التنبّه ، منذ وقت مبكر ، على قضايا وإشكاليات متعددة ، وهو مدرك بوعيه الثاقب وبصيرته الحادة ، ما لها من الأهمية والحيوية . لا غرو ، إذاً ، أنها ما زالت كتابات مفصلية راسخة يعوّل عليها في كل كتابة بحثية أو دراسة للأدب الفلسطيني ، لاسيما في الشعر والنقد الأدبي . ولا بد من التأكيد أن أهميتها لا تكمن في قيمتها الأدبية فحسب ، إنما في قيمتها المعنوية أيضاً ناهيك بسياقها الزمكاني الذي أفرزها وظللها .
وهي تلقي ، كذلك ، أضواء ساطعة على بعض القضايا الأدبية المهمة ، كما المقال الأول ((رأي في شعرنا-1)) ، والمقال الثاني ((رأي في شعرنا-2)) ، والمقال الثامن ((في الشعر)) ، والمقال الخامس والعشرون ((محاولة لوضع حركتنا الشعرية في مكانها الصحيح : أنقذونا من هذا الحب القاسي)) !
ومن الإشكاليات التي تعرض لها الحوارات ، وهو ما يُمكن أن يستوقف القارئ بنحو خاص ، العلاقة بين الشاعر والقرّاء ، كما يشير درويش في كلامه إلى مُحاوره ((إنها تعكس حاجة القرّاء إلى الإحساس بأنهم مسؤولون عن شعرائهم وبأن هؤلاء الشعراء خاضعون لمراقبتهم الصارمة . دعنا نعتبر الأمر – في آخر المطاف – علامة عافية ودليلاً على العروة الوثقى بين مبدع الكلمة ومتلقيها)) .
وحين بالغ بعض المراقبين أو النقاد العرب في مدح الشعر الصادر عن شعراء فلسطين-48 ، كانت له وقفة جريئة إذ أطلق صرخته المدوية في ((محاولة لوضع حركتنا الشعرية في مكانها الصحيح : أنقذونا من هذا الحب القاسي)) ! التي ما زالت أصداؤها تتردد إلى الآن ، بغية تطوير كل ما هو أصيل وجميل وقمين بالحياة !
أما عن علاقته بناشري كتبه دون استئذان فيقول ((لست متحمساً للطريقة التي تنشر فيها كتبي في بيروت . إني أسمع عن صدور كتب لم أصدرها . لماذا ؟ لم أمت بعد عندما أموت افعلوا بي ما تشاؤون ! ولكن الآن دعوني أعمل على مهلي ! دعوني أكتب في الظل ، واتركوا لي أن أقرر متى أخرج إلى الضوء..! ومع ذلك أريد أن أشكر الناشرين الذين يهتمون بأعمالي ولكنه شكر مشوب بالعتاب الودي)) ! ثمة مقالات فيها مراجعات أدبية لبعض الكتب ، من مثل ((ثلاثة دواوين من الشعر الحديث)) توقف فيها عند دواوين لكل من سلمى الخضراء الجيوسي ، وأحمد عبد المعطي حجازي ، وفدوى طوقان ، ومن مثل ((كتاب من بيروت : قضايا الشعر المعاصر)) للشاعرة العراقية نازك الملائكة . وهنالك وقفات أخرى عند بعض الشعراء وأشعارهم من عرب وفلسطينيين وأجانب ، مثل ((حبر على ورق : بدر شاكر السياب)) ، وسميح القاسم في ((حبر على ورق : على هامش أغاني الدروب)) و ((ناظم حكمت النشيد الخالد)) .
وفي كلامه على السياب ، يقول ((بدر شاكر السياب ، الشاعر العراقي الموهوب التقيت بشعره منذ فتحت عيني على الشعر ، فماذا رأيت ؟
رأيت العراق الغاضب.. العراق الحاقد.. العراق الذي يتربص ليكسر القمقم.. وينطلق ! ورأيت كيف يتزحزح هذا المارد السجين ، فيجرح في الطرقات ويلون دمه دجلة والفرات)) !
ويقول عن الطريق الذي سلكه أو ما مدى تأثره بشعراء آخرين : ((وأنا أعتبر نفسي امتداداً نحيلاً ، بملامح فلسطينية ، لتراث شعراء الاحتجاج والمقاومة ، الذين هضمت تجاربهم في الشعر والحياة ، وأمدوني بوقود معنوي ضخم)) . ويقول : ((ولكن هذا الشعر الجديد الذي كنا نقرأه في الاتحاد والجديد للشرقاوي ، والبياتي والبغدادي ، وبسيسو ، والسياب وغيرهم ، يشعرنا بعلاقة أقرب ويلهبنا بالحرارة لصلته المباشرة بالواقع ، فأخذني هذا الشعر إلى أول الطريق)) .
وكانت له وقفات مع أدباء عالميين وسياسيين مشهورين ، من مثل : سوفوكليس وغوركي ، ولينين وآخرين .
ويرى درويش أن كل أدب إنما هو مرآة تعكس الواقع الاجتماعي الذي أنتجه ((كل مجتمع موزع نهب تناقضات طبقية ، أو راسف تحت الظلم الاجتماعي والسياسي لا بد من أن ينتج فيه نوعان من الأدب.. أدب يصون واقع وأماني الطبقة الشعبية التي تبني الحياة ولا تنال جزاء ، وأدب يصون واقع الطبقة الأخرى وما يتفرع منها
من ذيول وأطراف مباشرة وغير مباشرة..)) .
وفي المقالات والحوارات إشارات جميلة ، إلى من يكنّ لهم مودة ووفاء وعرفاناً بالجميل ، كقوله ((ولا أزال حتى اليوم مديناً لبعضهم – ومن بينهم معلم شيوعي هو نمر مرقس – قاموا بتوجيهي وساعدوا خطواتي الأولى في الشعر)) .
وبسمو يستحق التقدير ، لا يفوته أن يسجّل محبته لمعلمته التي احتضنته ورعته أثناء دراسته في مدرسة كفر ياسيف الثانوية لقوله ((هناك التقيت بشخصية يهودية أخرى تختلف تمام الاختلاف ، هي المعلمة شوشنة التي لا أملُّ الحديث عنها . لم تكن معلمة ، كانت أُماً . لقد أنقذتني من جحيم الكراهية . كانت – بالنسبة لي – رمزاً للخدمة المخلصة التي يقدمها يهودي طيب لشعبه . لقد علمتني شوشنة أن أفهم التوراة كعمل أدبي ، وعلمتني دراسة بياليك ، بعيداً عن التحمس لانتمائه السياسي وإنما لحرارته الشعرية)) .
أليست هذه المقالات والحوارات جديرة بالقراءة والتوقف عندها ، بغية دراستها وفهمها بشكل معمق ، وأن يطّلع عليها أبناء شعبنا وأمتنا والقرّاء كافة في مختلف الأقطار العربية والعالمية على حد سواء ؟

4

وقد يكون في النماذج المختارة الآتية ، على الرغم من صعوبة التحديد والاختيار مما أورده الشاعر الراحل في المقالات والحوارات ، ما يؤكد أهميتها الخاصة وحيويتها :
• ((...فالفنان الأصيل يقاس بمقياسين – حسب رأيي – أولاً.. مدى تعرّفه على
ذاته.. واستقلاله بها.. وثانياً.. بمدى معرفته للحياة.. ولكن الخطر ناجم من الذات الأنانية التي لا تخرج من إطارها المحدود الضيق.. ولا تلتقي مع الذوات الإنسانية الأخرى المحيطة بها.. وناظم حكمت.. الشاعر الكبير.. قال : الشاعر الأصيل هو الذي تمتزج تجربته الشعرية بحياته ذاتها..)) (المقال الأول) .
• ((ولكن الواقع المؤسف كان .. أن سلكنا أسهل الطرق .. وهبطنا بحماس فاق
حماسه لنرضيه.. ولنشتري تصفيقه على حساب الفن الذي ضاع من أكثر شعرنا.. وقد وجد هذا الخطر تربة خصبة في المهرجانات الشعرية الكثيرة.. والتي بقدر ما نعترف بفائدتها بإيقاظ الوعي السياسي عند شعبنا.. وتذكيره دائماً بواقعه المر.. وفتح عيونه على جراحه وقيوده.. وشد خطواته من جديد على درب الكفاح.. بقدر هذا نخاف على القيمة الفنية في الشعر.. نحن لا ننكر اعتزازنا بالتمازج والتقارب الأخوي الكبير بين الشعراء وشعبهم.. ولكننا نأسف لتحول شعره إلى شعارات لا فارق بينها وبين الخطب السياسية إلا الأوزان..)) (المقال الأول) .
• ((وحين نتحدث عن الأدب وخاصة عن الشعر ، لا نستطيع بسهولة أن نفصل بين ما يسمى مضموناً وما يسمى شكلاً مع أن هذا الأمر ليس مستحيلاً. ولكن هذا
لا يعني أن القصيدة تستطيع أن تنجح وتؤدي رسالتها الإنسانية والفنية إذا اغتنى مضمونها ، وحمل أفكاراَ رائعة هذا لا يكفي ، لأن الشعر ، كما قلنا ونقول دائماً رسالة وفن.. الرسالة في المضمون ، والفن يكمن في الشكل.. وبمقدار ما يكون الشكل ملتحماً مع المضمون تدنو القصيدة من المعنى الصادق القريب للشعر الرائع..)) (المقال الثاني) .
• ((الفرق بين الشعر القديم والحديث هو باختصار.. أن الشعر القديم فكرة.. والشعر الحديث صورة وإحساس.. هذا في الشكل.. وفي المضمون ، أصبح الشاعر إنساناً بعد أن كان مغنياً أو واعظاً أو فارساً..)) (المقال الثالث) .
• ((إن طريقاً واحداً مفتوحاً أمام الحكومة لإسكات هذا الشعر الصادق المخلص لآلام الجماهير وأمانيها ، الذي تعتبره خطراً عليها !
الطريق هو منح العرب كل حقوقهم بدون تمييز وتجزئة ! ومعاملتهم كمواطنين.. لا رعايا ! أما أن تخاطبهم بلغة السيف ، فلن يزيدهم هذا إلا شحذ أسلحتهم – ومنها الأدب–دروعاً يتحطم عليها هذا السيف الخشبي المصنوع من الأكاذيب والافتراءات الفاشلة !)) (المقال الخامس) .
• ((نود أن نعلم شبيرا وكل زمرته ، أننا نؤمن بالتعاون والتقارب ، بين شعبي
البلاد وكل الشعوب ، ولكن ، ليس بالطريقة التي يفهمها هو .. ليس بالتنكر لحق شعب ، وبناء مصير شعب على أطلال الآخر..
وأخيراً.. عليك رحمتنا ونقمتنا !)) (المقال الخامس) .
• ((والسلاح الثاني... اسمه الإرهاب ، وهو موجه إلى المعلمين ، لكي لا يتسرب النور منهم إلى طلابهم.. ووضع المعلمين تحت ميكروسكوب يرصده ثلاثة خبراء.. اسم الخبير الأول : إدارة المعارف ، والثاني : الحكم العسكري والثالث : جهاز الشين بيت)) (المقال السابع) .
• ((إن الموسيقى التي تصدر عن الوزن والألفاظ والقوافي ، هي العمود الفقري
للشعر.. فلا حياة ووجود له بدونها . تماماً كجدول الضرب في الرياضيات وكالنوتة في الموسيقى ، وكل قطع صلة بالقديم باسم التجديد هو خيانة للشعر لأن الشعر الحديث هو الابن الشرعي للشعر القديم . ولذلك فقطع كل الشرايين التي تربط الابن بالأب ليس من التجديد في شيء ، فالتجديد يعني فهم الضرورة له ، وهذه الضرورة لا يمكن فهمها ما لم نفهم القديم الذي يثور عليه البعض . وهذا هو الواقع الحزين لكثيرين من الشعراء المعاصرين..)) (المقال التاسع) .
• ((ومن هنا ، إنا ما جئنا لنبكي ! لأن كل نواحات العرب لن تروي غليلاً ولن تطفئ أوار ما اشتعل في أرض الرافدين الخالدين !
في العراق ثلاثة :
دجلة والفرات.. والرفاق .
فهل تقضي على هذه الحقائق الباقية هذه الثيران البرية المنفلتة من عقالها في غفلة من الشعب ؟!
أنهار العراق.. صارت ثلاثة يا رفاق :
دجلة ، والفرات ، والدم .
وكما خلد دجلة ، والفرات ، سيخلد نهر الدم !
وكما اكتسح دجلة والفرات – توأما الزمان والأبد – كل الطغاة الذين مروا على العراق ، سيكتسح نهر الدم هذا الطراز ((العربي)) من الفاشستية يا رفاقي !)) (المقال
الثالث عشر) .
• ((وبدر شاكر السياب ، من الشعراء الرواد الأوائل الذين استعانوا بالأسطورة
استعانة كبيرة ، فجلبت له من الخير الفني التعبيري الناجح أكثر مما جلبت لسواه من الذين أغرقتهم حين أغراهم التقليد . واستند ، بالأساس ، إلى الأسطورة اليونانية والبابلية ، وصليب المسيح ، وكل أسطورة ترمز إلى الحزن الذي كان زاده الشعري الدائم . لقد كان كالمسافر الضائع الذي يلهيه الغناء عن وعثاء السفر)) (المقال السادس عشر) .
• ((إن الحقوق الفريدة التي تتمتع بها الأقلية العربية في إسرائيل كذبة فظة لا تستساغ . يكفي أن نذكر الحكم العسكري في النصف الثاني من القرن العشرين . وسرقة الأرض العربية ، والتمييز القومي..!)) (المقال السادس عشر) .
• ((ولكن ، عندما لا تتوقع علاقة أخرى ممن لا يؤمن بإمكانية بقائه إلا على انتهاء وجودك.. وعندما لا تتوقع من الذئب إلا الافتراس.. وعندما تدرك أن عدوك هو قبل كل شيء عدو نفسه.. لأنه عدو الحياة ، عندئذٍ ينقلب أمل انتصاره عليك إلى خيبة ، ويتحول سجنك إلى ((دير)) تصلي فيه للحرية صلاة لا كلفة فيها ولا تحفظ ولا مواربة وكأنك تحترفها . ويتحول حبك للوطن إلى نوع جديد من الصوفية لأن فيها الخضوع والقوة والتواضع والكبرياء)) (المقال الحادي والعشرون) .
• ((أستطيع الآن أن أسجل أن محبتي للقمر ولدت في يوم واضح في الذاكرة.. وساعة واضحة . عندما فتح السجان باب زنزانتي.. كان أول ما رأيت.. القمر يرسل لي بسمات مشاركة في الوحدة أكثر من بسمات الغباء . كان كمن يزف إليَّ بشرى بقاء الجمال جميلاً ، لم يحدث شيء ، نحن في انتظارك ! هكذا قالت لي حروفه الفضية !)) (المقال الحادي والعشرون) .
• ((إن أهمية شعرنا الموضوعية تكمن في التحام هذا الشعر بكل ذرة من تراب
أرضنا الغالية.. بصخورها ووديانها وجبالها وأطلالها.. وإنسانها الذي يظل مرفوع الرأس رغم ما ينوء به كتفاه من أعباء ، وما يشدّ يديه وإرادته من قيود..
إنسانها الذي قاوم ، ولا يزال يقاوم الظلم ، والاضطهاد ، ومحاولات طمس الكيان
والكرامة القومية والإنسانية وكأني به يقول : ((اللهم لا أسألك حملاً خفيفاً.. بل أسألك ظهراً قوياً)) . ثقيلة هي الأحمال.. ، وقوية هي الظهور)) (المقال الخامس والعشرون ) .
• ((وإذا كان من الجائز تسجيل ملاحظة هامشية في مجرى حديثنا عن ميزة الصدق في حركتنا الشعرية ، فإننا لا نظلم أحداً إذا لاحظنا أن المبالغة في تقدير شعرنا ، قد أدت إلى أن يقوم بعض شعرائنا الناشئين بعملية تصميم قصائدهم وفقاً لمقاييس غريبة عن الصدق ، وكأنهم يستوحون قصائدهم من تصورهم لكيفية استقبال تلك الإذاعة لها)) ! (المقال السادس والعشرون) .
• ((نحن لم نبحث عنه.. عن هذا الوطن في حلم أسطوري وخيال بعيد ، ولا في صفحة جميلة من كتاب قديم . نحن لم نصنع هذا الوطن كما تصنع المؤسسات والمنشآت . هو الذي صنعنا . هو أبونا وأمنا . ونحن لم نقف أمام الاختيار . لم نشترِ هذا الوطن في حانوت أو وكالة ؛ ونحن لا نتباهى ، ولم يقنعنا أحد بحبه . لقد وجدنا أنفسنا نبضاً في دمه ولحمه ونخاعاً في عظمه . وهو ، لهذا ، لنا ونحن
له)) (المقال التاسع والعشرون) !.
• ((إننا نؤمن بإمكانية أن يعيش العرب واليهود معاً ، فالتاريخ العربي لم يعرف العداء لليهود . ولكن لماذا لم تتحقق هذه الإمكانية ؟ لأن الصهيونية – بمساندة الإمبريالية – هي التي تريد فلسطين بدون عرب ؛ وهي لا تعترف ، حتى
مجرد اعتراف شكلي بوجود الشعب العربي الفلسطيني)) (المقال الثاني والثلاثون) .
• ((ولكنّ ((آخر الليل)) الذي أعتبره أفضل ما كتبت ، استقبل بفتور علني من أغلبية القراء في بلادنا . قال لي عشرات من المثقفين : ((يا محمود ! عد إلى الوراء . إذا كان هذا هو التقدم الفني فليتك لم تتقدم)) . وقيل لي ، بشفقة : ليتك لم ترحل عن القرية.. هذا الشعر غير مفهوم !. ومجمل رأي القطاع الأوسع من القراء هو أن هذا الديوان يمثّل بداية سقوطي)) (الحوار الأول) .
• ((بودي القول : إن مهرجانات الشعر العربي في إسرائيل ، قد تحولت ، ذات
مرة ، إلى احتفالات شعبية ينتظر الناس مواسمها . وأنا أذكر تلك الفترة بفرح حقيقي . كانت ساحة القرية أو المدينة أو دار السينما تزدحم بالناس من جميع الفئات والأعمار للاستماع إلى الشعر بحيوية وتجاوب واضح ، حتى ضاقت السلطات ذرعاً بهذه الظاهرة ((الخطرة)) وقاومتها بمختلف الوسائل . ولجأت أخيراً
إلى منع الشعراء من الانتقال من أمكنة سكناهم)) (الحوار الأول) .
• ((عندما بلغت السابعة ، توقفت ألعاب الطفولة . وإني أذكر كيف حدث ذلك.. أذكر ذلك تماماً : في إحدى ليالي الصيف ، التي اعتاد فيها القرويون أن يناموا على سطوح المنازل ، أيقظتني أمي من نومي فجأة ، فوجدت نفسي مع مئات سكان القرية أعدو في الغابة . كان الرصاص يتطاير من على رؤوسنا ، ولم أفهم شيئاً مما يجري . بعد ليلة من التشرد والهروب وصلت مع أحد أقاربي الضائعين في كل الجهات ، إلى قرية غريبة ذات أطفال آخرين . تساءلت بسذاجة : أين أنا ؟ وسمعت للمرة الأولى كلمة لبنان)) (الحوار الثاني) .
• ((من هنا ، نخلص إلى التقدير بأن شعر الفترة الأولى بدلاً من أن يكون إنقاذاً للأمل الذي تعرض للاغتيال ، كان شعر يأس . وبدلاً من أن يكون شعر مقاومة.. مقاومة للهزيمة وأسبابها وقواها كان شعر هزيمة ، وبدلاً من أن يكون شعر صمود وإصرار على التمسك بأسباب التحدي التي دفعت الإمبريالية إلى التحرك لضرب آفاق تطور حركة التحرر العربية كان شعر استسلام ، ولم يسهم في تفجير قوى المقاومة والطاقات القادرة على الصمود)) (الحوار الثالث) .
• ((إن الرمز هو الذي يخلق مثل هذا الانطباع الأوليّ ، فالقصيدة الحديثة لا تستسلم للقارئ من أول لقاء . كان القاموس قادراً – إلى حدٍّ بعيد – على فكّ أسرار وأزرار القصيدة القديمة ، أما القصيدة الحديثة فهي أكثر تعقيداً وتركيباً وتشكيلاً نتيجة تعقد الحياة نفسها . الحياة المعاصرة لا تسمح لنا بأخذ أي مظهر من مظاهرها بكل بساطة وسذاجة . والتناقضات صارت أكثر انفجاراً وتداخلاً)) (الحوار الثالث) .
• ((ومن أين يبدأ العالم ؟ ! إنه يبدأ من بيتي . وكانت علاقتي الأولى ، بالعالم
عدائية ، لأني أنتمي إلى بيت يحوي أهلاً . لا بيت الآن ولا أهل ! شعب كامل يعيش بلا وطن في هذا العالم الذي يجعل القمر وطناً آخر ! كيف أحاور الحقيقة.. وما هي الحقيقة ؟ العالم يطلب من الضحية البرهنة على أنها ليست القاتل، والقاتل الحقيقي يتظاهر بالبكاء . والقضاة ؟ من هم القضاة المخوّلون بإصدار الحكم ؟. دم على كل الطرقات وفي كل الحدائق.. وعلى مرايا العالم ، والحقيقة تأخذ شكل المذبحة ، والضحية مطالبة بإثبات براءتها ولا قاضٍ إلا الموت)) (الحوار الثالث).

5

ولا بد من الإشارة : إلى أنني ، في هذا الكتاب ، اخترت أن أسير على نهج الأستاذ الدكتور يوسف بكار وهدي خطاه ، في مؤلفه الموسوم ((حوارات إحسان عباس)) ( ) مستذكراً ، في الوقت نفسه ، الحريري (446-516هـ) صاحب المقامات المعروف ، وقوله المأثور في قدوته بديع الزمان الهمذاني (358-398هـ) وهو يقتفي إثره في ما اشتهر به من جنس أدبي هو المقامات : ((لم يدرك الظالع شأو الضليع)) ! فجزاه الله عني خير الجزاء .
أخيراً ، سلام على روح الفقيد الطاهرة ، رحمه الله رحمة واسعة ، وتغمده في رضوانه ، وأسكنه فسيح جناته ، وألهم شعبه وأهله ومحبيه جميل الصبر ، وحسن العزاء ، وإلى الله مرجعنا جميعاً .

 

 

 

 


القسم الأول - المقالات

المقال الأول

رأي.. في شعرنا

حنين الغريب وراء الأسلاك الشائكة.. إلى حبة تراب من أرضه المسلوبة.. الشهداء الذين يسقطون على الطرقات البعيدة كالذباب..
الأبرياء الذين يقتلون.. ولا ذنب لهم إلا أنهم بقية شعب مشرّد..
الأطفال الذين ينظرون إلى الغد بلا عيون.. ويبكون بلا آباء وأمهات...
والشيوخ الذين زرعوا.. ولم يأكل أحفادهم.. والأرض التي يحرّم عبيرها على فلاحها..
والقيد الذي يشد على زنودنا.. وأفواهنا..
والموت المعلق على سطور ورقة صفراء..
والكوفية البيضاء.. أروع ما خلّفه لنا التاريخ في متاحفه.. الكوفية التي تهان.. والشعور بالغربة والعزلة في أرض الوطن..
والبيوت التي أصبحت أطلالاً.. ترتمي في جنباتها قطع صغيرة من خوابي عتيقة.. وسناج داخون.. وبقايا رسوم صنعت من الطين على الجدران.. وسياج عتيق يقف كالقدر..
وأخبار الكفاح التي ينقلها إلينا المذياع ووجوه التاريخ التي تتغير..
كل هذه الأشياء.. الكبيرة والصغيرة.. ثروة خالدة لا تنضب.. يستمد منها الشعر أروع تجاربه وصوره وألوانه.. ويؤلف منها أبدع الملاحم إذا أتيح لها شاعر عبقري وفنان ماهر..
وهذه هي المؤثرات الخارجية والداخلية التي ترسم ملامح وجه شعرنا الجديد.. شعرنا الذي لم تكتمل شخصيته ولم تتبلور.. لا لسبب الآن إلا لقصر عمره وحداثته .. لأنه لا يزال طفلاً وفي أول الطريق..
_______________
* الجديد ، العدد 8 ، حيفا ، آب 1961 .
من الصعب حقاً أن نتحدث عن شعرنا.. في هذه الأيام.. لأن هذا الحديث سابق لأوانه.. فهذه قضية تحتاج إلى زمن.. ولكن ما دمنا قد كتبنا شيئاً.. فلماذا لا نعطي فيه رأينا ؟ أرجو أن يكون شاملاً وصادقاً.. وأرجو أن يتسنى لزملائي وللقراء فرص للنقاش..
في البداية ذكرت المؤثرات التي تمتاز بالدراما العنيفة.. التي تؤثّر على شعرنا وتطبعه بطابعها.. ولا شك أنها أشكال من الحياة الواقعية.. والتي يستمد منها الشعر الجديد.. ويمزجها بوجدانه الذاتي.. ثم يعطي للحياة ما أخذ منها.. إن أبرز ظاهرة في شعرنا.. الواقعية.. الواقعية بمعناها الهادف.. وهنا أجد نفسي مضطراً لشرح موقفنا من النقاش الحاد حول الأدب للحياة أم للأدب ؟ وقبل هذا يترتب علينا أن نسأل السؤال التقليدي الخالد :
ما هو الأدب ؟
نقول باختصار : إنه الكلام الذي يصور علاقة الإنسان بالإنسان.. بصور منغمة عاطفية.. وعلاقته بعالمه الخارجي والداخلي..
وهذه العلاقات التي ترتبط مع بعضها.. بامتدادها وانقباضها.. بسلبيتها وإيجابيتها.. هي التي تشكّل بمجموعها صورة الحياة الإنسانية..
من هنا.. يتبين لنا بجلاء أن المعركة.. والضجة الكبيرة القائمة اليوم.. حول حكاية لمن الفن ؟ ليست في حقيقتها مشكلة كما نتصور.. إذ ليس هناك أدب بلا هدف.. حتى عندما نتغزّل.. ونشكو ظلمة الليل.. والبرد والألم والوحشة.. نكون في حقيقة نفسيتنا هادفين.. فنحن بذلك ندعو حبيباتنا مسامرتنا .
وحين نصف جمال الطبيعة.. ونصور روعة غناء العصافير.. وإشراق الورد.. وسكون النسيم والطبيعة.. ماذا نريد في الواقع ؟.. إننا نهيئ الجو الملائم للحب.. ونغري بهذا الوصف..
وبعد هذا ماذا يكون ؟ أو ماذا يجب أن يكون ؟ أو ماذا ينقص هذه الأوركسترا ؟ فما دامت الطبيعة متهيئة..وفاتحة ذراعيها ؟ طبعاً..لا ينقصها إلا عاشقان.. وبهذا نكون
قد هدفنا..
وهنا.. نحن أمام نقطة دقيقة.. الذات.. صحيح أن الذات الانطوائية والأنانية لا تنتج أدباً اجتماعياً إنسانياً.. ولكن الواقع أن الذات الانطوائية في الشعر عبارة عن محلّل عاطفي.. في الشاعر.. فتطبع قصائده بطابع خاص.. ونغم مستقل.. أما أولئك الذين يدعون بنكران الذات والانصهار كلياً في المجموع.. باسم الإخلاص الشعبي.. هم في حقيقتهم ليسوا فنانين.. فالفنان الأصيل يقاس بمقياسين – حسب رأيي – أولاً.. مدى تعرّفه على ذاته.. واستقلاله بها.. وثانياً.. بمدى معرفته للحياة..
ولكن الخطر ناجم من الذات الأنانية التي لا تخرج من إطارها المحدود الضيق.. ولا تلتقي مع الذوات الإنسانية الأخرى المحيطة بها.. وناظم حكمت.. الشاعر الكبير.. قال : الشاعر الأصيل هو الذي تمتزج تجربته الشعرية بحياته ذاتها..
* * * *
وكذلك الأدب الاجتماعي الملتزم الذي يرسم الطريق نحو غد أفضل.. وينادي بالمساواة والسلام والمحبة.. والاعتراف بحق الإنسان.. والحرية.. والتي هي هدف شعرنا الأول.. إذن.. ما دمنا نفهم الشاعر.. ونفهم غايته.. وما دمنا نعيش تجربته التي هي تجربتنا.. وما دام يصور أشخاصه بوضوح.. وما دام يصور علاقة الإنسان بالإنسان.. فهو يكتب شعراً واقعياً..
فالمسألة.. ليست مسألة الفن للفن.. أو الفن للحياة.. ليس هناك ، على الإطلاق فن يدعى فناً للفن.. وإذا وجد فإننا لا نعترف بفنيته.. إذ ما قيمة الفن الذي لا يخدم الإنسان وقضاياه.. فما دام من الحياة.. ويستمد تجاربه من الحياة.. فكيف لا يكون للحياة ؟
* * * *
في بلادنا.. تتخذ الواقعية صفة خاصة.. فإن هدف شعرنا الأول – كما قلت – هو الحرية.. وفي مجال الكفاح من أجل الحرية.. على الأدب أن يمشي في طريق الثورة..
ولهذا ، كان الطابع الخاص على شعرنا هو الثورية.. وقد خطا شعرنا في سبيل هذه
الغاية خطوة نستطيع أن نعتز بأمانتها.. فمنذ ولد شعرنا.. بدأ يعرف بالفطرة والإحساس أنه لن يكبر.. ولن يقف على قدميه ما لم يسر مع الشعب.. وما لم ينصهر بدمه ولحمه مع الشعب.. لأنه وليد المأساة التي أصابت هذا الشعب.. فكان عليه أن يكون رد فعل.. ونتيجة حتمية لما أصابتنا من نكسات واعتداءات على كرامتنا وحريتنا.. ودمنا.. فكان الشعر الصوت الأول في الأدب الذي ارتفع في بلادنا معبّراً عن مأساتنا.. لأنه فن العاطفة.. ولا يحتاج إلى ثقافة واسعة.. وممارسة طويلة..
ولكن هذه الواقعية الثورية تركت شعرنا لوثات فنية كبيرة.. لأنها بدائية وغير واعية.. من أسبابها المفهوم الخاطئ الذي فهمه بعض شعرائنا للواقعية.. ومهما حاولنا أن نرد القضية إلى أسباب.. فعلينا دائماً ألا ننسى مسألة العمر.. لأنه ما من أدب في العالم.. وفي عصور التاريخ كلها.. كوّن شخصية مستقلة.. وشق طريقاً جديداً.. في عشر سنين أو عشرين سنة.. فالمسألة تحتاج إلى زمن ليغربل التجارب.. مهما كان التطور الفكري سريعاً..
* * * *
الواقعية في حقيقتها تنمي الإحساس العميق بحياة الشعب عند الشاعر.. وتقوده في نهاية الأمر إلى التفاؤل.. وتفتح أمامه أفاقاً جديدة من الخلق والابتكار.. ولكن عدم فهمها بهذا المفهوم يؤدي إلى الاعتقاد بأنها تدعو إلى (التقريرية).. وهذا شيء طبيعي بالنسبة للمبتدئين.. التقريرية بما فيها اللهجة الخطابية والتحريض المجرد من كل قيمة فنية.. إذ يكتفي الشاعر بوصف الحدث وصفاً جامداً خارجياً.. ومن بعيد.. بدون أن يخلطه بنفسيته.. وبدون أن نعرف من أي زاوية ينظر هو إلى هذا الحدث .. وما مقدار تفاعله معه.. ولماذا تأثر به وكتب شعراً..
إن حادثة معينة.. أو أسطورة معينة.. يكتب عنها عشرات أو مئات الشعراء.. وكل شاعر يأخذ جانباً غير الجانب الذي أخذه الشاعر الآخر.. وبهذا ينتجون لوحات مستقلة ذات قيمة خاصة .
وهذا النقص في شعرنا بارز بوضوح..إننا نكتفي بأخذ الحدث بكليته..فتكون النتيجة
عدداً ضخماً من القصائد بلا روح.. تزول بسرعة.. وهذا سببته الاستجابة السريعة للأحداث السياسية المتوترة والمتناقضة.. ((والتجربة الساخنة)) التي يعيشها شعبنا.. وهنا.. نريد أن نؤكد أن الإحساس بأزمة حياتنا.. لا يكفي لأن نتعرف على ذواتنا.. من المهم أن نفهم الأزمة وحقائق ظروفها.. لنستطيع على هدي هذه المعرفة أن نرسم في أذهاننا الخيوط الأولى لأملنا..
هذه الحقيقة.. كنا.. أو كان كثير من شعرائنا في بداية الرحلة الكفاحية لا يفهمونها فهماً واعياً.. خاصة.. نحن الذين ولدنا في قلب المأساة.. وتجسمت هذه الظاهرة في بعض القصائد التي تبكي وتبكي بلا وعي وهدف.. فهي مجرد رصف كلمات.. كلمات بلا مدلول من ناحية.. ومن ناحية أخرى.. كلمات تتحمس وتهدد وتتوعد وتقرر النصر !..
وكلتا الناحيتين كانتا مفقودتين من العناصر الفنية.. فلم يدرك شعراؤنا أن الشعر الحديث يعتمد اعتماداً جوهرياً على الصور التي تصنع بمجموعها وارتباطها الفني لوحات تترك للأيام المقبلة آثاراً عن أيامنا الحاضرة..
وهذا الشعر يلاقي استحساناً سطحياً حماسياً من الجمهور..
وهنا.. نلتقي بنقطة.. أعتقد أنها من أزمات شعرنا المعاصر.. وهي مشكلة الجمهور.. هل نكتفي بحكم الجمهور ومدى تجاوبه مع شعرنا ؟.. وهل نثق بتذوقه الجمالي للشعر ؟
فالجمهور لا يهزه إلا الشعر الحماسي الجزل.. الذي يصف الحادث بأكمله ومعمماً.. لطول ما تعودت أذانه هذا النغم..
من الممكن أن نُسكت هذا السؤال بأن نجيب بألا نعتمد كل الاعتماد على رضاء الجمهور.. بل نترك الأمر معلقاً بيننا وبينه.. أو نحاول نحن من رفع مستوى إحساسه الجمالي بالفن..
ولكن الواقع المؤسف كان.. أن سلكنا أسهل الطرق.. وهبطنا بحماس فاق حماسه لنرضيه.. ولنشتري تصفيقه على حساب الفن الذي ضاع من أكثر شعرنا.. وقد وجد هذا الخطر تربة خصبة في المهرجانات الشعرية الكثيرة.. والتي بقدر ما نعترف بفائدتها بإيقاظ الوعي السياسي عند شعبنا.. وتذكيره دائماً بواقعه المر.. وفتح عيونه على جراحه وقيوده.. وشد خطواته من جديد على درب الكفاح.. بقدر هذا نخاف على القيمة الفنية في الشعر..
نحن لا ننكر اعتزازنا بالتمازج والتقارب الأخوي الكبير بين الشعراء وشعبهم.. ولكننا نأسف لتحول شعره إلى شعارات لا فارق بينها وبين الخطب السياسية إلا الأوزان..
وهذه التقريرية التي شلّت شعرنا.. أو أوقفته عن الاختراق إلى الحس والانفعال بالحدث.. لم تصبغ بالطبع كل شعرنا.. ومن المؤكد زوالها بالتدرج كلما ازدادت التجربة والممارسة.. ومعرفة المسؤولية الكبيرة التي يلقيها علينا هذا الفن.. ثم.. ثقافتنا العميقة التي تشكل دور الملقح للطاقة الشعورية الخام في نفوسنا.. والتي تفتح أمامنا آفاقاً رحبة.. خاصة لكثرة غنى التجارب النادرة التي مارسها شعبنا في هذه البلاد .
وفي السنوات القليلة الأخيرة.. ظهر اتجاه جديد في شعر السياسة.. شعر الثورة عندنا.. فبدأت محاولات لرسم خطوط أولية للصورة الشعرية الكاملة.. وأخذ بعض شعرائنا يكتفون بالتقاط جانب صغير من الحدث ليرسموا منه لوحة.. والحق يقال إن كثيراً من القصائد نجحت.. أو وقفت على قدميها خاصة حين بدأت تتخلص من مفهوم الواقعية الجافة.. وبدأت تجمع بين الواقعية والرومانسية..
قال غوركي الكبير ((كل أديب كبير..لا بد أن يجمع بين الواقعية والرومانسية)).. وحين تمتزج الرومانسية بالواقعية تصبح من عناصرها.. وتكسبها لوناً حياً مندفعاً.. وتساعد على خلق ألوان فنية جديدة.. وتخلق موسيقى جديدة.. وتفتح آفاقاً جديدة.. وإذا كان لا بد من استخراج ميزات أو ملامح خاصة لهذه القصائد.. نستطيع أن نحس بحرارة عاطفتها المشبوبة.. وشدة انفعالها الذي يجعلها تضطرب وتشرد أحياناً.. ولا تجد طريقاً للخلاص.. فتنتهي بالقلق.. والقلق يكسب الشعر جمالاً.. ما لم يتورط ويضيع أو يصبح يأساً..
والقلق.. في الواقع.. من أبرز ملامح بلادنا.. وعصرنا بأكمله .. قلق الإنسان على
وجوده.. وعلى بيته.. وعلى ذاته.. هذا القلق الذي ينعكس على مرايا كل الآداب في
العالم..
ثم.. أخذت هذه القصائد تتخلص من الإفراط في الأمل الكاذب أحياناً..
صحيح.. إن الأمل هو منطق الحياة.. ولكنه كثيراً ما يُزيَّف.. كما زيف كثير من الحقائق المؤكدة.. وليس هذا غريباً..
ويجب علينا – على الأقل – أن نعترف بصعوبة الكفاح.. ومشقة الطريق.. وشعورنا بالغربة والعزلة..
وقد مر علينا زمن كدنا ننفلق فيه من قصائد كثيرة.. تبدأ بشرح المتاعب.. وتنتهي بدون إقناع أو عرض صور شعورية تضطرنا لا مباشرة وبدون مواجهة أن نبصر بإحساسنا الأمل..
كلنا يعرف أن ((الصبر جميل)).. ولكن هذا الشعار القديم لم يعد يقنع إحساس أحد.. وثمة ميزات أخرى لهذه القصائد هو ضعف الرموز.. أو حتى انعدامها.. وتفكك خطوط الصورة.. وعدم ارتباطها أحياناً كثيرة بسلك واحد.. ووصفها الحسي الدقيق لمشاعرنا أحياناً.. ومعرفة الشاعر خطورة مهنته.. وهذا يفسر لنا قلة الإنتاج حديثاً.. كثير من الناس قلقون من هذه الظاهرة.. ولكنني متفائل.. إذ لا حاجة بنا إلى السرعة بهذا الشكل.. ليس من الضروري أن ننتج كثيراً.. ليموت هذا الإنتاج بسرعة.. ولكن المهم أن ننجح في التعبير عن الحياة.. التعبير الواقعي مع الفن..
ومن أبرز الصفات الإيجابية لشعرنا في المدة الأخيرة.. هو المحاولات القصصية.. القصة الشعرية بمعناها الصحيح.. وليس السرد.. فقد أخذنا ننتقل من وصف اللحظة إلى وصف الموقف فإلى الفترة أو المدة.. وأصبحنا نحاول خلق شخصيات أو أبطالاً منتزعين من إحساسنا الداخلي الدقيق.. وهذه الظاهرة تبرز بوضوح في شعرنا عن اللاجئين..



المقال الثاني
رأي.. في شعرنا

مرة أخرى أعود للحديث عن شعرنا..
قد يكون هذا الحديث تتمة للحديث السابق ، أو لا يكون ، وقد يسمى نقداً ، أو لا يسمى ، وقد يكون خواطر أو لا يكون ، المهم أنها آراء في هذه الحركة الشعرية التي تتقدم ببطء وتقف بذعر ، وتضطرب أغلب الأحيان . مرة تكون في جزر وأخرى في مد ، وهذا طبيعي في كل حركة تريد أن تنطلق وتبلور شخصيتها .
قد تذكر ، يا صديقي القارئ ، أني تحدثت في الحديث السابق عن الواقعية في شعرنا ، وقد تذكر أني تحدثت عن مضمون شعرنا الإنساني الثائر الذي يأخذ عن الحقيقة.. ويخدم الجماهير في قضاياها الإنسانية.. وحين نتحدث عن الأدب وخاصة عن الشعر ، لا نستطيع بسهولة أن نفصل بين ما يسمى مضموناً ، وما يسمى شكلاً مع أن هذا الأمر ليس مستحيلاً ، ولكن هذا لا يعني أن القصيدة تستطيع أن تنجح وتؤدي رسالتها الإنسانية والفنية إذا اغتنى مضمونها ، وحمل أفكاراً رائعة هذا لا يكفي ، لأن الشعر ، كما قلنا ونقول دائماً ، رسالة وفن.. الرسالة في المضمون ، والفن يكمن في الشكل.. وبمقدار ما يكون الشكل ملتحماً مع المضمون تدنو القصيدة من المعنى الصادق القريب للشعر الرائع.. وهنا أراني معجباً بما قاله الشاعر الكبير ناظم حكمت : يجب أن يكون القالب كالجلد فوق الجسم وليس كالثوب الفضفاض..
ومن هنا ، تبدأ ضرورة البحث عن قوالب جديدة لتلتف حول المفهوم الجديد للشعر الواقعي الذي يفتح آفاقاً جديدة رحبة أمام الإنسان ، قوالب وتعابير لتسع الأفكار الجديدة التي تولدها الحياة كل يوم..
فالفن.. أي فن ، لا يمكن أن يقف عند حد ، لأن الوقوف يعني الجمود ، والجمود

_______________
* الجديد ، العدد 9 ، أيلول 1961 .
يصل في نهاية الأمر إلى الموت.. فمضمون الفن دائم التجدد.. وهذا المضمون يتطلب بطبيعة الحال قوالب جديدة.. فالمسألة ليست مسألة هواية وزخرف.. إنها ضرورة واقعية يفرضها تطور الحياة والتاريخ . وهنا تكمن خطورة مهمة الفنان ومسؤوليته أمام المسائل الكثيرة التي تطرحها الحياة كل ساعة..
وفي شعرنا ، هل يتلاءم الشكل مع المحتوى ؟ هذا السؤال دقيق ، وقد يراه البعض متطفلاً ، ولكنني أريد أن ألفت النظر إلى ظاهرة أعتقد أنها خطرة ، فأكثر شعرائنا يصوغون قصائدهم بالشكل الجديد للشعر ، في حين يكون المحتوى بدائياً ساذجاً ، قاله الشعراء من قبل ألف سنة ولا يزالون يقولونه ، وفي هذه القصائد لا ترى إلا الشكل جديداً . قد يقول البعض.. يكفي أن يكون الشكل جديداً.. وقد أوافق على هذا الجواب ولكن الواقع عندنا لا يرضى ، لأنني أستطيع أن أؤكد أن لجوء أكثر شعرائنا إلى هذا الشكل ، ليس وسيلة ضرورية ، أو ليس لجوء الشاعر القادر الذي يريد أن يلوّن ، ولكنه لجوء العاجزين.. وإلا فما معنى أن الشاعر عندنا ما يكاد يفتح عينيه على الشعر ، ولا يكاد يمسك القلم ، فتراه يكتب على الطريقة الجديدة ؟ ثم.. ماذا تكون النتيجة في نهاية الأمر ؟ ضعف لغوي مسرف.. وتفكك وتضعضع في لغة الشاعر ، فلا تتمالك القصيدة من الوقوف على قدميها إلا وتسقط.. حتى لو كانت أفكارها في غاية الإبداع ، فإنها تكون أشبه بحبات السبحة التي يربطها خيط مهلهل لا تصمد أمام أية لمسة..
أنا شخصياً أقف موقف الحياد من هذه القضية ، ولكن مطلبي الوحيد هو أن تقنعني القصيدة بشكلها ، أن أحس بأن القصيدة وحدة كاملة وغير منقسمة على نفسها.. ولا يمكن أن تكتب إلا بهذا الشكل .
* * *
ظاهرة واحدة تطبع أكثر الشعر عندنا ، ظاهرة ضعف التركيب اللغوي والبناء للقصيدة ، أكثر قصائدنا مصابة بالعصبي أحياناً والكساح أحياناً أخرى ، وإذا بحثنا عن سر هذا لوجدنا ببساطة أنه عائد إلى عدم تعمقنا في دراسة الأدب القديم والتراث الوطني لشعبنا ، إن الشاعر الحق : ليس فقط الذي يصور واقع شعبه ونفسيته ، ولكنه الذي يربط هذا الواقع بتاريخه الماضي وتراثه القديم ، الشاعر كما يصور المستقبل ، يأخذ من الماضي ، يجب أن تكون للشاعر جذور عميقة وأرض يابسة يقف عليها ، ويأخذ من أساطير شعبه وحكاياته ، مادة رائعة يمزجها مع واقعه ..
أستطيع أن أتهم شعراءنا أنهم بلا جذور ، بلا ماض ، وهذا يعود إلى عدم اهتمامهم بدراسة تاريخ أمتهم وتراثها الخالد ، إن ضعف وضحالة الثقافة الوطنية عندنا من الظواهر الخطرة في أدبنا ، قد يعود هذا السبب إلى صغر سننا وحداثتنا ولكنه ليس مبرراً في أي شكل من الأشكال ، يجب علينا أن نعود إلى تاريخنا ونأخذ منه ، ونشعر بعقلنا وإحساسنا بالجذور العميقة التي تشدنا إلى التاريخ.. ليس هذا فحسب ، بل إن إهمال دراسة أدبنا وتاريخنا القديم يسبب كل ظواهر الضعف في صنع الشعر عندنا .
وإلى جانب ضعف ثقافتنا العربية ، يقف ضعف ثقافتنا الأجنبية . قليلون منا هم الذين يجيدون لغة غير اللغة العربية ، وعدم إجادة لغة أخرى يقطعنا قطعاً مؤلماً عن العالم والآفاق الأدبية ، هذا إذا ما عرفنا أيضاً أننا منقطعون عن موارد الثقافة العربية الحديثة ، والأدب العربي ، بسبب الحصار الأدبي الذي فرضته علينا الحالة السياسية . فإلى أين نذهب إذن ؟ ولمن نعمد ؟ إذا كنا مخلصين حقاً لمهمتنا ومقدرين لخطورة القضية الإنسانية التي نعمل لها ، فعلينا أن نبحث أولاً عن الثقافة الثقافة في كل شيء ، لنلقح الموهبة والطاقة الأدبية في نفوسنا . ولكن من أي طريق نصل إلى هذه الثقافة ، ليس أمامنا إلا اللغة الأجنبية . إنني متأكد من صعوبة القضية وجدتها ، ولكن الأدب ليس عملاً سهلاً وهيناً .

الشعراء المتفرجون

وبجانب المشاكل والعراقيل الأساسية التي تقف أمام حركتنا الشعرية ، تأتي يد من أعلى لتقضي عليها..
السلطة التي يزعجها الأدب الواقعي الثائر ، لأنه يضع سلاحاً بيد الشعب ضد
السياسة التي تفرض عليه هذا الواقع المؤلم ، ويفتح العيون عليه ، تقف دائماً أمام التيار لتحوله.. شأنها في كل بلاد وفي كل منطقة من مناطق التاريخ ، وإذا دققنا النظر في الأدب ، أي أدب في العالم فلا نقسمه إلا إلى قسمين : أدب يخدم الشعب وأدب يخدم أعداء الشعب والسلطة الحاكمة ، أما باقي الأسماء الملونة من تجريدية وسريالية وغيرهما من هذه الأسماء التي يطلقونها على أنواع معينة من الأدب فليست إلا ستاراً زائفاً تخدع أبصار الناس . كل هذه الأنواع من الأدب تخدم السلطة بما تبثه في الشعب من انحلال وغيبية ولا مبالاة ، وتبعده عن مشاكله وأزماته وقضاياه الملحة .
هذا التفسير الواقعي للأدب تدعمه كل الدلائل والبراهين..
وفي بلادنا ، كأكثر بلاد العالم التي تعيش في تناقضات طبقية ، نقسم أدبنا إلى قسمين أيضاً ، أكثر ما يكتب في ((الهدف)) و ((اليوم)) هو كلام يخدم السلطة أو يرضي السلطة ، ولكنه لا يرضي الشعب لأنه مخدرات مؤقتة زائلة ، والسلطة تدفع للكتّاب كل ثمن شرط أن يبعدوا عن شعبهم ويرتموا في أحضانها .
جمال قعوار مثلاً كتب بعض قصائد جميلة عن الشعب ، قابلها الشعب باستحسان وتقدير ، وتأمل أن يظل جمال معه ، ولكن جمال لم يستمر ، لأن السلطة قد اشترته ليخدمها ولتقضي على سلاح كان يمكن أن يكون في يد الشعب.. نحن لا نتهم هؤلاء بالخيانة الآن . فهذا اتهام مقدّم ، ولكننا نتهمهم بالخنوع والتفرّج . والمتفرج لا يقول للظالم : اضرب ! ولا يحب للمظلوم أن يضرب ! ولكنه يتفرج ، والتفرج معناه السكوت ، والسكوت معناه الرضوخ للأمر الواقع ، والرضوخ معناه الموافقة.. والموافقة على الأمر الواقع ليست من مبادئ الأديب . الأديب الحق لا يستطيع أن يتحمل الأمر الواقع . الأديب ثائر دائم الثورة ، والثورة من أهم صفات الأدب الواقعي .
فما معنى أن يجلس جمال قعوار إذن في مكتب تزينه شعارات مباي الذي لا ينفك عن اضطهاد الشعب العربي بكل وسيلة ؟ معناه خدمة للسلطة أولاً بأول.. وينتهي به الأمر إلى العمى واللامبالاة.. وليثبت عدم خنوعه ، يلجأ إلى وسائل التعبير الغيبية التي يسميها شعراً.. يكتب كلمات مقسمة إلى أجزاء ، يحشد فيها قصة العطر والسمراء والأزهار في كل مرة ، ويجيئنا قائلاً : هذا شعر!.. وفي النهاية يقضي على كل عاطفة شعبية فيه ويتخدر ويصبح الأمر عنده طبيعياً..
وهناك شكل آخر من أشكال الأدب المتفرج . والاسم الثاني ينطبق أكثر على راشد حسين .
فراشد مهما صال وجال وسبّ وشتم المباي كل أسبوع في المرصاد.. زميلة المباي في الصهيونية.. فإنه لن يعوّض عن موقفه كمتفرج . إن المسؤول عن مآسي شعبنا والسوط الذي يقع على ظهره لا يجد له المباي فقط بل الصهيونية بمجموعها .. وتنكر المبام وسائر الأحزاب الصهيونية لحق المليون المقدس ، لا يمكن لأديب واقعي أن يسكت عنه ويتعاون مع أصحابه .
إن مهاجمة راشد للمباي وانتقاده الشديد له حق.. وكل كلمة تقدم ضد المباي حق وتخدم قضية العرب هنا . ولكن السكوت عن أشياء كثيرة وخاصة عن المبام ذنب كبير يدفع ثمنه نزع الثقة بينه وبين القراء الذين لا يخدعون .
هذا الكلام سياسي أكثر مما هو أدبي ، ولكن ما العمل والسياسة تفرض طابعها على كل حركة من حركات حياتنا ؟ وهذا الكلام أسوقه لأصل إلى الشعر الذي ابتدأنا في الحديث عنه..
القارئ عرف راشد شاعراً كان يمكن أن يقدم لشعبه شيئاً . وأحبه الشعب وصفق له ، ثم انصرف..
انصرف راشد إلى الصحافة . وهنا لا نستطيع أن نلومه فكثير من الشعراء كانوا صحافيين ، ولكن راشد أخذ يعمل في الصحافة على حساب شعره.. وأخذ يتأخر في مجال الشعر حتى اعتقد بعض الناس أنه انتهى ، في الواقع لم ينته راشد ولكنه مصاب بمرض حب الشهرة السريعة ، ولهذا هجر الشعر وركض وراء الصحافة وبذلك نضيف شاعراً آخر ممن خسرهم الشعب والشعر ..
وهناك شكل ثالث من أشكال (التفرج).. لقد عمد بعض شعرائنا إلى الصمت هؤلاء لا يستطيعون أن يهاجموا السلطة بسبب الوظيفة ، ولا يستطيعون أن يرتموا في أحضانها خوف الشعب أو بسبب وخزات الضمير ، من هؤلاء شكيب جهشان وشكيب ابتدأ شاعراً يجمع في شعره الواقعية مع الفن ، وكان يمكن أن يقدم قصائد تصور بعض نواحي واقعنا تصويراً جميلاً ، ولكن الأمر انتهى به إلى الصمت لأن شكيب أدرك أن الشاعر الحق إما أن يكون صريحاً واضحاً على طول وإما أن يسكت ، أما أن يخدع ويتلون ويلبس كل يوم ثوباً جديداً فليس صحيحاً..
وهكذا وقفت قضية الخبز أمام شعرائنا . أنت حر أن تقول ما تشاء شرط أن تدفع الثمن ، والثمن هو الاستغناء على الوظيفة . والعدو وراء الخبز ، خاصة وأكثر شعرائنا يعملون في سلك التعليم.. ولذلك نرى الحركة الشعرية في بلادنا متقلبة غير مستقلة تتخذ كل يوم طريقاً آخر ، وترتفع تارة لتنخفض طوراً .
ولكن ، كان هناك جانب آخر من الشعراء.. شعراء آمنوا بالشعب إلى أبعد حدود الإيمان.. شعراء آمنوا بعقيدة معينة ومبدأ معين . وصاحب العقيدة والمبدأ مستعد أن يضحي في كل وقت ، مستعد أن يدفع ثمن الكفاح كل شيء ، هو مستعد أن يتنازل عن كل شيء إلا العقيدة والكفاح ، هؤلاء الشعراء هم الشعراء الشيوعيون واليساريون.. الذين واكبوا كفاح الجماهير العربية في كل مراحله ، وقدموا قصائد في سجل أمين لتاريخ كفاحنا في هذه البلاد ، فمضمون هؤلاء الشعراء مضمون واقعي ثائر.. تحس وأنت تقرؤهم أنهم لا يتصنعون ولا يتكلفون ولا يخدعون فشعرهم يخرج من القلب إلى القلب لاهباً حار العاطفة ، ولكن الثورية عندهم أو عند بعضهم تمزق أحياناً الإطار الفني فيجيء الشعر خطابياً .
وبعد.. أرجو أن تكون هذه السطور قد حملت بعض الملاحظات والخواطر والنقد لشعرنا ، مع أنها ليست وافية وكاملة ، ولكنها مجرد آراء معرضة للنقاش.. وإلى اللقاء....


المقال الثالث
3 دواوين من الشعر الحديث

• العودة من النبع الحالم ..
• مدينة بلا قلب ..
• أعطنا حُبَّا
..


1
العودة من النبع الحالم !
للشاعرة سلمى الخضراء الجيوسي رأي في النقد ، يعطي الناقد حق اختيار الزاوية التي ينظر منها إلى العمل الأدبي ، وهي لا تحاسب الناقد إذا هو شرح ناحية معينة من العمل ولم يتعرض للناحية الأخرى.. ثم هي لا يعنيها إذا اختار الناقد المنهج الذي يعنى بنقد النصوص مستقلاً عن علاقته بظرف الأديب وحياته وتاريخه.. لأنه يكون بذلك قد اختار منهجاً معروفاً له مؤيدون ومدافعون عنه ، أما إذا اختار منهجاً تحليلياً يستمد مقدماته من دراسات علم النفس والزمن والبيئة.. فهذا أيضاً منهج معروف له أنصاره..
ولا يعنيها ثالثاً أن يتعرض الناقد للناحية اللغوية والعروضية ، مهملاً كل ما عدا ذلك.. فهي تفصل بين نقد اللغة والنقد الفني ألتقييمي.. وهذا أيضاً لون من النقد مستقل خاص له أصحابه .
ولذلك.. بناء على هذه التسهيلات والحقوق التي تمنحنا إياها الشاعرة المثقفة في شعرها ونقدها ودراساتها ، فإننا نبيح لنفسنا حق اختيار الزاوية التي سنطل منها على (العودة من النبع الحالم) ، مع أننا لا نوافقها على كل ما جاء في مناهجها من النقد..
أول قراءة للديوان تقول لك : إن الشاعرة تغرف فنها وشعرها من نبعين..
_______________
* الجديد ، العدد 10 ، تشرين أول 1961 .

الأول.. داخلي وهو تجربتها الذاتية .
والثاني.. خارجي.. وهو تجربة الشعب ممتزجة مع تجربتها الذاتية..
سأهمل هنا الناحية الأولى لسببين :
الأول.. ضيق المجال..
والثاني.. تجاوبي الأكثر عمقاً وحاسية مع قصائد سلمى المستمدة من تجربة الشعب المحللة بذاتها.. لأنها تخلو من حشد الصور الضبابية الكثيرة الازدحام والتوتر لدرجة الضياع.. والمليئة بالأسف والشكوى.. وتضايقي من فلسفة الذات المكررة.. والتي لا تنفك تشكو من متاعب الحياة وعدم جدواها.. ومن عجز الإنسان أمام ما يعترضه من مشاكل الزمن والطبيعة.. وغيرها من الشكوى والفلسفة في الحياة التي لا تزيدها إلا غموضاً وطلاسم..
مع أن قصائد كثيرة عند سلمى من هذا اللون لا تخلو من الزخم الموسيقي والانفعال الحار المتوتر مثل قصيدة (الرحيل).. والرقة والعذوبة مثل قصيدتي (يا قمر) و (انبعاث).. والدفء والعمق مثل (عطاء)..
هذا بالإضافة إلى أن شعرنا العربي أكثر ما يكون بحاجة إلى الواقعية التي تستمد من تجارب الشعب.. بعدما أتلف آلاف السنين من عمره شارداً تحت القمر يغني لذاته على موعد مع الضياع..
والحركة الواقعية في الشعر العربي الحديث هي من أبرز ظواهر التفاؤل في مستقبله وبقائه..
وسلمى الخضراء الجيوسي.. واحدة من شواعر ثلاث يحملن راية الشعر الحديث.. نازك الملائكة.. فدوى طوقان.. وسلمى الجيوسي..
وسلمى.. حين تتحدث عن تجربة الشعب لا تستطيع الانفلات من تجربتها.. لأنها ابنة هذا الشعب الذي أصيب بأعمق جرح عرفته الإنسانية.. فهي شاعرة فلسطينية شُرّد أهلها وأقاربها وأعمامها . فجمعت صور هذا التشرد والجوع والأمل الضائع لترسمها في لوحات من رائع الشعر المعاصر.. وسلمى تعتمد في شعرها اعتماداً ملحوظاً – وإن لم يكن دقيقاً – على التشخيص.. والتشخيص من أهم العناصر التي تضمن للشعر البقاء والعمق..
والشعر العربي الحديث يحاول بكل جدية وإخلاص أن يتخلص من التقريرية والخطابية اللتين رافقتاه طوال رحلته البعيدة من الصحراء حتى أبواب هذا القرن.. ويحاول أن يقدم موضوعه بلوحات وصور تعتمد على رسم الظلال والرموز بطريق الموسيقى.. ويعبئ الكلمة بشحنة ثقافية أو شعورية تؤدي حاجة ملحة للتعبير..
وسلمى الجيوسي.. تمكنت من وصول الذروة في قصيدة واحدة اعتمدت فيها اعتماداً باهراً على القصة الشعرية والتشخيص.. فكانت مزيجاً من الحكاية والمذكرات والخواطر.. والتقريرية.. كيف ؟
يظن بعض القراء أو حتى بعض النقاد أن التقريرية أو الخطابية عنصر خطر على الفن الشعري .
هذا الظن صحيح إلى حد تبدأ منه روعة الخطابية إذا أحسن استعمالها والتغلب على استعبادها بحيث تصبح وسيلة.. ففي قصيدة سلمى الرائعة (بلا جذور) تروي ذكرياتها مع ابن عمها حسيب.. الذي شردت معه في ((الذرى الخضراء)).. و ((جزعا لانفلات الشمس خلف المنحنى)) وبضميرها ((عبق من ورق التين الذي ظللهما)) ثم تسأله عن أخباره بعد أن أصبح لاجئاً.. تقول :
ولقد عشنا معاً في أرضنا
ولقد كان ابن عمي
زينة الشبان في قريتنا
ما الذي جمّده
لم يكن ميتاً.. أنا أعرفه
فلقد شدنا أمانينا معاً..
وتظاهرنا مع الجمع الغفير
وهتفنا ملء إيمان الضمير
ملء أصداء الرحاب :
(يا بريطانيا لا تغالي
لا تقولي : الفتح طاب
سوف تأتيك الليالي
نورها لمع الحراب!)
هذه الأبيات الخطابية الأخيرة اكتسبت روعة عندما أوردتها الشاعرة في سياق التجربة.. أوردتها وسيلة للتعبير ولم تكن غاية تقصد لذاتها.. لا تريد أن تؤدي بها معنى بل تعبيراً عن شيء أهم..
* * *
والقصيدة في الواقع لوحة قصصية إنسانية حشدت فيها سلمى زخماً عاطفياً وموسيقياً بقالب فني كامل ..
وموضوع اللاجئين ، يمتاز ببراعة ووصف الحزن والبؤس والتمزق الذي يعيشه اللاجئون.. كل هذا يعتمد على وصف الذكريات.. ويعتبر بعض الشعراء المعاصرين.. يعتبر الشعر (فن الذكريات) .
وسلمى في هذه القصيدة استطاعت أن تبكيني بكلمات صغيرة بسيطة لا تسرف ولا تبالغ :
أرسلي غولك شرقا
كل أعمامك أمسوا لاجئين
فتنهدت مليا.. وتحرقتُ عليهم
ثم أرسلت لأعمامي ثيابا
كنت قد جمعتها للسائلين
*
وقروشاً لزجة ، لا وهج فيها أو رنين
ودموعاً ودموعاً ودموعاً وأنين..
وزبيباً كان عندي.. لم نكن نأكله
*
منذ ذاك اليوم لم أمنح قروشي سائلا
فبنو عمي أمسوا لاجئين..
أرأيت ؟ إنها لم تعط السائلين ثيابها.. لأن أبناء عمها أحق السائلين بهذه الثياب.. أو لعلهم مضطرون أو محتاجون أكثر من السائلين لهذه الثياب.. فهم لاجئون.. وأقسى تعبير من الجوع هو هذا الزبيب الذي كانوا لا يأكلونه.. لا يأكلونه لماذا ؟ لأنه لا يصلح للأكل.. فلمن يصلح إذن ؟ للسائلين.. وأبناء عمها اليوم أصبحوا أكثر حاجة لهذا الزبيب الذي لم تكن تأكله..
وتقول سلمى إن شخصيات العم وابن العم والجد شخصيات خيالية أدخلت لتصوير التمزق والحيرة واللاإنتماء الذي يشعر به اللاجئون.. فالعم جاع ثم أشبعوه شهراً من قراهم ! ثم (أسلموه للكون الكبير)..
وابن العم أصبح عازف النظرات.. فارغ الصبر ، كلما ساءلته الشاعرة ليحدثها عن ذكرياته معها قال : ((أنا غريب)) !
والجد.. يبدد شعوره بالتمزق والحيرة بظاهرتين :
الأولى.. كان شعوره يتلخص في حب الشاعرة الطفلة ويغني لها يوم كانت طفلة ويعلمها الشعر القديم ويحميها من غيظ أبيها ، والثاني.. الإيحاء الديني.. فقد كان يعلمها بالإضافة إلى الغناء والشعر القديم ((أصول الدين والذكر الحكيم)) . هذان الشعوران.. الديني والدنيوي.. استبدلا.. فعلاقة الجد بالشاعرة قد تغيرت..
قلت : يا جدي.. سلاما وهدى .
قلت : يا جدي.. نشدناك الرضى .
قلت : يا جدي.. أما تعرف صوتي
أو لم يبعث بذكراكم صدى..
قال لي جدي : ((قومي واتركينا !))
وُقرت أسماعنا
والصدى جرح بأعماق الضمير..
كنت رددت لك الرجع المرير
لو تمكنت على النطق ، فقومي ودعينا
أنت لا تدرين معنى الصمت في قلب كسير .
بالطبع.. لم تتصور الشاعرة من جدها الذي تسند على صدره رأسها.. لم تتصور هذه الصدمة.. فلم تقل كلمة.. بل دفعت دفعاً لاستعادة أغنية قديمة كان يغنيها لها لما كانت طفلة.. وبهذا الهروب استطاعت سلمى أن تجيب أروع جواب على الصدمة . وكذلك الشعور أو الإيمان الديني فتر في قلب الجد أيضاً.. فحين :
علا صوت المنادي للصلاة
قلب جدي غافل لن يسمعه
* * *
وفي اللوحة يبدو الأطفال الذين كانوا أزهار المأساة.. الأطفال الذين ((وُلدوا دون جذور ، أو غد)) .
وبكى طفل وغالى في بكاه
لم يجد من رشفت بالشفتين أدمعه
صاح عمي : أخرسوا الطفل العليل
واسألوا جارتنا أن ترضعه
أمه غالته والطفل هزيل
أنا لن أحرق أيامي معه..
وروعة القصيدة لا تقف عند حد التصوير والموسيقى والعاطفة الساخنة دائماً فحسب ، فالشاعرة أدخلت إلى القصة أغنية شعبية باللغة العامية.. اتخذتها ملجأ تهرب إليه كلما عجزت عن الصمود أمام الأزمة النفسية :
بلدتي يا عالية.. وبرأس تلة
طفلتي يا غالية.. يا زر فلة..
فتكررها أربع مرات متتالية بانفعال عاطفي مؤثر..
* * *
ولكن ليس كل ما جاء في الديوان رائعاً مثل هذه القصيدة.. وليس هذا يعني أن شعر سلمى يخلو من الثغرات الفنية..
فالشاعرة سلمى مغرمة غرماً مسرفاً بالشرود والضبابية في أكثر قصائد الديوان وخاصة الذاتية غامضة ومغلقة عن عمد بستار ضبابي كثيف.. وهذا ما لا أحبه عند سلمى.. صحيح أن الرمز من العناصر الهامة التي يرتكز عليها بناء الشعر الحديث.. فالرمز وسيلة فنية راقية تعمّق الشعر.. وصحيح أن الغموض الذي يخلقه الرمز يتيح للنفس فرصة للتأمل.. وتمنح الشعر جمالاً وحلاوة .
ولكن ليس كل غموض جميلاً ، خاصة عندما يكون ضحلاً لم يخلقه إلا العجز.. أو عندما يكون ظلاماً وتشويشاً على النفس كما يحدث كثيراً في شعر سلمى.. إذ يصبح أقرب ما يكون إلى الغيبية.
وبعد ليس هذا كل ما جاء في ديوان سلمى الأنيق.. ولكنها لمسات سريعة نرجو أن تكون قد أعطت فكرة عن شعر سلمى..

2

مدينة بلا قلب..!


الشاعر الانجليزي المعروف ت. س. إليوت قال عن المدينة إنها ((وحش ضرير أو هوة للموت تبتلع من فيها ، وتحيل الفرد إلى قزم)) .
ومن هذا التعريف الصارخ للمدينة الحديثة التي يضيع فيها الإنسان.. نستطيع أن نعثر على طرف الخيط الذي يمسك قصائد أحمد حجازي في ديوانه الرائع (مدينة بلا قلب).. والديوان أولاً.. وقبل أن نبدأ في استخلاص ملامحه ومميزاته أو قبل أن نعرض لمأساته.. لأنه في الواقع مأساة إنسانية تخلقها المدينة.. نود أن نشير إلى ظاهرة جديدة في الشعر الجديد.. ظاهرة نشير إليها ونتركها بدون تعليق..
فهذا الشعر بعد أن تخلص من التجزئة الفكرية للقصيدة واعتمادها على البيت .. أصبحت القصيدة وحدة كاملة.. لا تجزئة فيها ولا انقسام.. ليس هذا ما أريد قوله.. ولكني أريد أن أمضي إلى أن الشاعر تجاوز حد وحدة القصيدة إلى وحدة الديوان..
فقبل ديوان أحمد حجازي الموحد ، طلعت علينا دواوين تحمل هذه الظاهرة.. قصائد
الديوان كلها مستمدة من المدينة..
والمدينة بما تتسم به من قسوة وضياع وقلق وازدحام ، هي المصادر التي يحس منها حجازي بالقسوة والضياع والقلق.. فهذا الشاعر الذي عاش في القرية.. قرية محدودة يعرف الناس فيها طعام بعضهم.. ويحسون بمشاكل بعضهم.. ويفهمون كل شيء بالفطرة والبدائية.. هذا الشاعر دفعه طموحه إلى الرحيل عن هذا العالم المحدود..
وأحس نفسه في القاهرة.. مدينة الأنوار حوله فإذا به ضائع هناك.. لا صديق ولا رفيق.. وهنا يقف الشاعر الغريب مصوراً فطرة القروي الذي يصحو على نفسه فجأة في دوامة الضوء والضوضاء..
كل شيء غريب هنا.. كل شيء مغاير لعالمه الصغير الآمن هناك.. ويلتقي بمشاكله الصغيرة.. المشاكل المادية.. التي تكون فيما بعد سر أزمته المأساوية.. فماذا يعمل هذا المهاجر الذي لا يملك إلا الشعر ؟ فأصبح هذا الشعر عنده وسيلة من وسائل التعبير عن شعوره الغريب.. ويبدأ بتصوير ما يخيفه.. ما يخيف الإنسان الخام الذي يرى القطار لأول مرة.. والناس العجيبين الذين يختلفون عمن يألفهم :
الناس يمضون سراعا
لا يحفلون
أشباحهم تمضي تباعا
لا ينظرون
حتى إذا مر الترام
بين الزحام
لا يفزعون
لكنني أخشى الترام
كل غريب ههنا يخشى الترام..
ثم.. ما هي خصائص المدينة.. ؟ وما هي الأزمات الخارجية التي يصطدم بها
فتتولد أزماته وجراحه الصغيرة..؟
أشد ما يدهشه.. ما يدهش هذا القادم من الريف ، هو الغربة التي يشاهدها بين الناس.. فلا أحد يكلم الآخر ولا يحييه..
الناس حولي ساهمون
لا يعرفون بعضهم.. هذا الكئيب
لعله مثلي غريب
أليس يعرف الكلام
يقول لي.. حتى.. سلام..
وفي قصيدة (مقتل صبي) تتأزم هذه المأساة بصورة مفجعة أكثر.. صبي تدوسه عربة.. فلا يلتفت إليه أحد.. ولا أحد يعنيه أمره.. لأن الناس في المدينة غرباء لا يعرفون بعضهم.. ولأن السرعة تحدد حتى إنسانيتهم.. فالسرعة من أهم ما يزعج أحمد حجازي ويرد إليه الأزمات :
العجلات صفرت.. توقفت
قالوا : ابن من ؟
ولم يجب أحد
فليس يعرف اسمه هنا سواه
فالناس في المدائن الكبرى عدد
جاء ولد.. مات ولد !
ومن خلال كل هذا.. لا ينسى الشاعر الريف الذي عبأ منه قلبه حباً وروائح خصب.. فكلما شعر بالمأساة.. تذكر حالاً قريته.. التي لا تزال تحتفظ بنقاوتها وهدوئها وعذريتها.. ففي (مقتل صبي) لا يترك القتيل وحيداً بلا حنان.. بل يستورد صورة للحنان.. صورة انتزعها أو استقرضها من القرية النائية.. ذبابة خضراء تحوم على مكان الجثة..
وعندما ألقوه في سيارة بيضاء
حامت على مكانه المخضوب بالدماء
ذبابة خضراء..
جاءت من المقابر الريفية الحزينة..
والصور الجزئية والكاملة التي يصور لنا بها حجازي سرعة المدينة الحمقاء صور كثيرة يطفح بها الديوان.. خذ هذه الصورة :
أقدام لا تتوقف.. سيارات
تمشي بحريق البنزين..
وفي قصيدة نادرة أخرى يجمع الشاعر كل أسباب تألمه من المدينة .. إنه يلخص المدينة بهذه الكلمات التي يخاطب بها أباه الذي سافر ولم يودعه.. إلى مدينة مجهولة :
وكان أن عبرت في الصبا البحور
رسوت في مدينة من الزجاج والحجر
الصيف فيها خالد.. ما بعده فصول
بحثت فيها عن حديقة.. فلم أجد لها أثر
وأهلها تحت اللهيب والغبار صامتون
ودائماً على سفر..
لو كلموك يسألون : كم تكون ساعتك
رأيتهم يحترقون وحدهم في الشارع الطويل
حتى إذا صاروا رماداً في نهايته
نما سواهم في بدايته
وجدفت ساق الوليد فوق جثة الفقيد
كان من مات قضى ولم يلد
ومن أتى ، أتى بغير أب..
* * *
ويشتد شعور أحمد حجازي بالوحدة والوحشة والضياع.. فها هو يجوب شوارع المدينة.. يدوس على شعاع مصباح فضولي ممل.. ثم يسأله الحارس :
- من أنت يا.. من أنت ؟
الحارس الغبي لا يعي حكايتي
لقد طردت اليوم من غرفتي
وصرت ضائعاً بدون اسم..
وفي وسط هذه الأزمات النفسية يبحث الشاعر عن ملجأ.. عن امرأة.. بعد أن لم يجد صديقاً.. يريد أن يبحث عن الحب.. عن المنبع الذي يحمل إليه عطش عشرين عاماً لم يذق قطرة حب واحدة.. عطش ألهبه أنه يرى هذه الصورة أمامه :
العاشقون في الدجى الصافي ذراع في ذراع
وكلمة لكلمة.. وبسمة بلا انقطاع
إلا ذراعي لم يزل يهتز في ليل الضياع
وكلمتي أخاف أن يمضي الصبا.. ولا تذاع
ولكن الشاعر الحزين يلتقي بصخرة هائلة.. فالشاعر يفشل في حبه.. يفشل فشلاً واقعياً.. صارخاً ، كان من أبرز أسبابه التناقض الطبقي في المجتمع الذي يعيشه.. هو وأبناء جيله ، فالثورة لم تقض بعد قضاء تاماً على الفوارق الطبقية في المجتمع المصري خاصة في القاهرة..وهي المدينة التي يصطدم فيها أحمد حجازي بمأساته. هذا لا يقوله الشاعر بشكل صريح مباشر.. ومن قريب.. ولكنه يلمح إلى ذلك بالرمز من بعيد.. ويعتمد على القصة الشعرية اعتماداً كبيراً..
في قصيدة (الأميرة والفتى الذي يكلم المساء) قصة الفتى وهو الشاعر الذي لا يملك في الدنيا إلا القلب والشعر.. يلتقي بواحدة من المجتمع الأرستقراطي التي تتظاهر بحب الناس والفقراء.. هذا الإدعاء بهذا الحب الاشتراكي يرمز إليه حجازي بهذه الأغنية التي تغنيها :
قلبي على طفل بجانب الجدار
لا يملك الرغيف..
فيعتقد الشاعر أنه نجح في الحب.. وأن هذه الأميرة قد رضيت به رغم أنه (لا يملك الماس ولا الحريرا) :
ثم تسأله ما الذي تعطيه لي لو أننا عشنا معاً..
فيقول لها : ((سيدتي أنا فتى.. فقير
لا أملك الماس ولا الحريرا
وأنت في غنى عما تضم أشهر البحار من لآل
فقلبك الكبير جوهرة
وجدتها لما سمعت لحنك المنساب كالخرير
يبكي لطفل نام جائعا))
فابتسمت قائلة : لا أنت شاعر كبير
يا سيدي أنا بحاجة إلى أمير
إلى أمير..
وهكذا ينتهي هذا الحب الذي لم يبدأ.. أو هذا الأمل في الحب.. لتبدأ مأساة طويلة طويلة..
* * *
إلى هنا.. كانت هذه بعض خطوط ملامح أزمة أحمد حجازي الذاتية.. أزمته الخاصة.. ولكن حجازي شاعر إنساني ذو قلب كبير حساس ما في ذلك شك.. يأخذ التجربة العامة لمجتمعه ويصهرها في ذاته.. ويقدمها إلى الناس قصائد رائعة حقاً.. وهو شاعر ثائر واضح الثورة.. ثورة في مضمون الشعر.. وثورة في طريقة أداء هذا المضمون..
الفرق بين الشعر القديم والحديث هو باختصار.. أن الشعر القديم فكرة.. والشعر الحديث صورة وإحساس.. هذا في الشكل.. وفي المضمون ، أصبح الشاعر إنساناً بعد أن كان مغنياً أو واعظاً أو فارساً..
وكون الشاعر إنساناً.. ألقى عليه مهمات كثيرة.. مهمة حياة مجتمعه وإنسانيته.. فالشاعر مسؤول عن معرفة ما يدور في مجتمعه وعالمه والانفعال معه.. حيث انتهت كلمة : لا يعنيني !
وأحمد حجازي ، واحد من هؤلاء الشعراء الذين يخلصون لقضيتهم.. ، يخلصون
للكلمة لأنهم يرون فيها وسيلة هائلة من وسائل التعبير عن الذات والمجتمع من جهة.. ووسيلة من وسائل الخلاص في الأزمة النفسية من جهة ثانية.. ولهذا فقد تطلع حجازي إلى مجتمعه وأحس بقضاياه وأزماته.. ولكنه اختار من هذه الأزمات الشخصيات التي تشبه آلامها آلامه.. وقلقها قلقه.. ولهذا أصبحت جزءاً لا ينفصل عنه..
لماذا اختار الشاعر صورة جميلة بو حيرد في (القديسة) ؟
لماذا اختار صورة صلاح الدين الصباح في (بغداد والموت) ؟
لماذا اختار (الصبي) من بيروت ؟
لأنهم جميعاً من هؤلاء الذين يشاركونه الأزمة من أبناء جيله الراغبين أشد الرغبة في الحياة والعاجزين في نفس الوقت عن تحقيق تلك الحياة..
ويمضي الأستاذ الناقد رجاء النقاش إلى أن هؤلاء يمثلون في جانب من جوانب حياتهم أسطورة (سيزيف) اليونانية.. فسيزيف يريد أن يرفع الصخرة إلى القمة.. ويسعى إلى الوصول إلى قمة الجبل ، فإذا بالصخرة تتدحرج ، ويعود سيزيف إلى محاولته القاسية من جديد.. ولكن الأستاذ رجاء النقاش يسارع للقول إن هذه الأسطورة لا تنطبق على أبناء هذا الجيل من بعض الجوانب.. فالأسطورة تصور العجز عن البلوغ إلى غاية معينة ، وعدم جدوى الكفاح في سبيل تحقيق تلك الغاية ولكن الجيل الذي يعبّر عنه أحمد حجازي يعرف لنفسه غاية ، ولكن لا يعرف الطريق إلى تلك الغايات ، فالاضطراب والقلق والحزن تنبع كلها من التفكير في الوسائل.. إن جيل أحمد حجازي ، كما يبيّن النقاش – يعرف أنه يريد وضع الحجر على قمة الجبل ، ويعرف قيمة هذا الأمر تماماً ، ولكن الغاية السليمة ينبغي أن تتوفر لها الوسيلة السليمة أيضاً ، حتى لا يتدحرج الحجر كلما شارف بلوغ القمة.. هذا هو مصدر القلق إذن..
وأحمد حجازي حقاً شاعر فنان.. ينتبه انتباهاً عجيباً لكل الدقائق التي تبدو في الحياة تافهة لأول وهلة.. ويخلو من التعقيد والغموض المبهم خلواً باهراً.. وشعره أقرب ما يكون إلى النثر.. لا يعتمد على صخب الألفاظ وضجيجها ، عندما تجف عنده الصورة وتمحل ، كما يفعل كثير من الشعراء المعاصرين عندما تشل تجربتهم وتجمد.. بل يظل شعره هامساً منساباً .
وبعد.. فأهمية هذا الديوان المبدع تكمن في كونه نصراً كبيراً للشعر الحديث الذي أمن له في هذا الديوان عناصر هامة من عناصر البقاء..

3

" أعطنا حُبّاً.. ! "


.. وفي الوقت الذي ننادي فيه بواقعية الأدب والشعر.. وندعوه للنزول إلى واقع الحياة.. لا نتنكر بأي شكل من الأشكال لحقيقة هامة تبدأ من عندها حرية الشاعر وفتحة آفاقه التي ينطلق منها.. والحقيقة هي أن الشاعر حر في التغني بعاطفته ومشكلته الذاتية.. ونعترف كل الاعتراف أننا إذا ما حاولنا خنقها باعتدائنا على حق مقدس يتيح له حرية عمل مقدسة.. نكون قد فرضنا على الشاعر القيد الذي لا يرضاه.. والذي يشل كل إمكانياته وطاقاته الكامنة.. ولكننا في الوقت ذاته ، لا نستطيع إلا أن نحذّر من التورط.. وعدم استعمال هذه الحرية في المجال الذي خلق له.. المجال الذي يُحد بالواجبات والمسؤوليات الإنسانية ، والمشاعر الجماعية العامة.. التي يُشكل الابتعاد عنها عزلة ليست من واجبات الأديب وصفاته في شيء .. أي أنه يبعد في الخطأ من يظن أنّا حين ننادي بواقعية الأدب ، لا نعترف بحق الأديب بالتغني بمشاكله الذاتية الخاصة ، خاصة في مجال الشعر الذي خُلق للغناء أولاً.. فالشاعر مغني عواطف وحب قبل أن يكون حكيماً.. ولكننا نستطيع أن نطالب بواقعية هذا الغناء.. ولا نستطيع أن نمنحه حق الانعتاق الأعمى الذي ينطلق من حدود الإنسانية.. ولا يعترف بالمجتمع الإنساني على الإطلاق.. وشعاره أمام وقائع الحياة ونداءاتها : لا يعنيني !
فالواقعية في الأدب يمكنها أن تشمل كل ألوانه حتى في الغزل.. دون أن تخدش فنيته.. فالتغني بمشاعر الحب الإنسانية التي لا تدعو إلى السوداوية ، والانطوائية واليأس الشرس ، الذي يشوّه واقع ومصير الإنسان.. ، ولا تنادي بالغيبية السوداء
المتلبسة بلباس الفن العميق !
فهذا الغناء.. الذي يمنح الإنسان راحة نفسية ، ويصوّر له حب ، وجمال ، ووفاء الحياة ، واقعي بدليل أنه يخدم الإنسان ويؤدي وظيفة تقترب من وظيفة الموسيقى.. ولهذا.. فإن تخوّف (الحالمين) من الواقعية.. واتهامهم إياها بأنها تقضي على مشاعر الحب والعاطفة وتنادي بانصهار الفرد انصهاراً تاماً في المجموع.. هو ادعاء باطل..
لماذا أسوق هذا الكلام ؟
إنه مقدمة لرأي نقدمه بديوان ((أعطنا حباً)) للشاعرة فدوى طوقان.. و((أعطنا حباً)) هو من هذا النوع من الشعر الذي وهب نفسه للغناء.. للذات ومشاكل الحب والعاطفة.. والقلق والضياع ، والبحث وراء شيء من وراء الأفق البعيد .
والقصيدة الغنائية.. في كل لغة ، وعند أي شعب.. تعتمد على عنصرين هما من أهم العناصر التي تمنحها الحياة والبقاء..
العنصران هما.. الموسيقى.. والعاطفة.. وللموسيقى أكثر من مصدر واحد في القصيدة . فموسيقى الألفاظ متحدة مع بعضها في البيت.. وموسيقى الألفاظ التي تتحد في حرف أو حرفين عندما يشكلان ما ندعوه بالقافية..
وموسيقى حروف الكلمة ذاتها.. أو الموسيقى الخفية النابعة من احتكاك الحروف واتحادها..
هذه المصادر الموسيقية لا غنى للشعر الغنائي عنها.. كما لا يستطيع الاستغناء عن العاطفة أو حرارة الشعور الذي يهز القارئ.. ويدفعه أن يعيش الجو الخاص للقصيدة..
القصيدة الأولى
شعر فدوى طوقان
((.. وسألها : تحبينني ؟
ورنت إليه ولم تجب))
لا ، لا تسلني ، لن أبوح به
سيظل حبك سر أغواري
أعطيه من ذاتي ، وأمنحه
ما عشت عاطفتي وإيثاري
أسقيه من عطري ، أوسده
صدري ، أناغيه بأسفاري
* * *
لهواك كل مواسمي امتلأت
وسخت يفيض جنى وأزهار
لهواك آفاقي مرصعة
يزهو السنا في صدرها العاري
لهواك هذا الليل أسهره
نشوى ، أبيح الليل أسراري
أمضي مع الذكرى فتحملني
بجناحها للدرب ، للدار
وأضم أجفاني على حلم
متوهج الأنفاس ، معطار
* * *
ها أنت ، في عينيك عاصفة
تجتاحني ، وهبوب إعصار
ها أنت ، بحر راح يأخذني
في موجتيه أخذ جبّار
ها أنت ، ها أنا
قصة بدأت
مكتوبة في سفر أقداري
* * *
لا ، لا تسلني ، لن أبوح به
سيظل حبك سر أسراري !
وديوان فدوى – كما قلنا – هو مجموعة قصائد غنائية.. والديوان بمجموعه يمثّل قصة حب.. قصة حب رومانسية بدليل أنه حب فاشل.. فمن أهم ميزات الشعر الرومانسي هو بدايته بطريقة غامضة.. وانتهاؤه – بالطبع – إلى مصير غامض.. إلى مصير فاشل.. وفي هذا الطريق الممتد من نقطة الغموض حتى المصير الفاشل.. كان لا بد من رحلة غامضة.. رحلة وراء القلق والضياع ، والبحث عن أشياء غامضة تخلقها المشكلة النفسية لتتسلى بها عن مشكلتها.. أو لتزيدها غموضاً وتأزماً.. ثم لجوء الشاعر إلى أحضان الطبيعة في مواقف متعددة.. لجوؤها بطريق مباشر.. أو بطريق ملتو يتمثّل في حبه ومناجاته لأشياء منتزعة من الطبيعة..
ولكن الشاعرة فدوى طوقان.. تتخلص من الرومانسية بمعناها الضائع (الميت).. الذي كان سائداً في أوج انتصارها قبل نصف قرن تقريباً.. فإن فدوى تجمع إلى جانب الرومانسية لمحات باهرة من الواقعية ممتزجة بمواقف فلسفية تأملية..
وهذا هو المنفذ الوحيد الذي تتسرب منه فدوى من الرومانسية التي لا تجد لها مكاناً محترماً في الشعر الحديث.. فحب فدوى غامض إلى حد غير خطير.. غامض إلى حد يمنحه نعومة وحلاوة.. فأنت تفهم هذا الحب ، ولا تفهم مسبباته وجزئياته.. وفي الواقع ، ليس من حقنا أن نتدخل في دقائق أي حب.. تكفينا صورة منتزعة من عاطفة معينة يحس بها الشاعر ويشرك القارئ بهذا الإحساس.. والعاطفة التي ترويها لك فدوى بهدوء واطمئنان ونعومة وليونة ظاهرة بوضوح ، ليست عاطفة أنانية انطوائية ، صحيح ، إنها عاطفة فدوى ذاتها.. ولكنك تقرؤها وكأنها عاطفتك الخاصة.. لا تشعر أبداً أن فدوى طوقان أنانية في رواية قصة حبها.. بل أم ذات قلب طيب توزع الحب لكل إنسان بخجل لطيف..
اقرأ هذه الأغنية الحلوة حيث (تلعثم) اسم حبيبها.. ألا تشعر يا عزيزي أن هذا أيضاً هو اسم حبيبك الذي تخجل أن تقوله بصراحة :
اسمك ؟ يا تنهيدة الورد
تعبق في نداوة الحرف
اسمك ؟ يا طلة فجر على
تعثري في عتمة الدرب
يا نغماً أصحو وأغفو على
رنينه المحبب العذب..
أقول ؟ لا أقول ، لي وحدي
اسمك لي.. يا كلمة ما تني
تجاور اسم الله في قلبي
وتمضي قصة الحب على هذا النحو من الهدوء والقلق الناعم مروياً بصور جزئية.. لأن هذا الشعر غناء.. والغناء في الشعر يقدّم بالصور الجزئية.. والموسيقى..
اقرأ هذه الأغنية الثانية التي اكتملت فيها كل مقومات الشعر الغنائي..
الحبيب وعد بزيارة ، فأي جو جديد خلق بهذا الوعد ! وأي دنيا جديدة ، تعيش فيها الشاعرة.. دعها تروي لك :
يزورنا في الجمعة المقبلة
وددت لو أفرش عيني له
وددت.. كم وددت لو في يدي
مملكة الضياء.. لو في يدي
أشيد من نجومها سلما
لدارنا..
أشيده من أجله حينما
يزورنا..
وتنتهي الأغنية عند هذا الموقف القلق ، الذي يكسب الشعر كثيراً من الجمال .
وددت ، كم وددت ، لكنما
هذي أنا
ما في يدي من أجله إلا
قصيدة جذلى..
وأخيراً.. تنتهي قصة الحب الناعمة العاثرة.. هذا الحب الواضح الذي لا التباس فيه ولا غيبية.. سوى لمحات خفيفة من الغموض والقلق والخوف..
ولكن فدوى تفسر هذا الحب.. فهو ليس مجرداً مطلقاً أعمى.. ولكنه حاجة نفسية داخلية :
الهوى كان ملاذاً وهروب
من ضياعي وضياعك
كان لاستقرار نفس لقيت نفساً وروح
عانقت روحاً ، لإرساء قلوب
عند بر آمن يمنحها دفء الحياة
والهوى.. كان ليعطينا الرضى والبسمات
ولينسينا جراحات الليالي الموحشات
لا ليرمينا على صحراء تيه
وفراغ وموات..
الهوى كان لنبني ولنعطي
خير ما فينا
ليفنينا..
وحيل النور والخصب ظلاماً ورماد
في أغانينا..
وهنا.. تفترق الشاعرة فدوى طوقان افتراقاً باهراً وبعيداً عن الرومانسيين.. فهي شاعرة حب ولكنه حب واقعي له خطوطه وملامحه وحدوده الواضحة.. ثم.. هو بناء وليس فناء.. وملاذ من الضياع.. وليس طرقاً إليه.. كما يلذ للرومانسيين أن يفسروه.. وهو ليعطي الهوى والبسمات والنور.. لا ليفتح الجروح.. وليعصر الظلام في الكلمات والنفس.. ويشق طريقاً إلى الصحراء والفراغ والموت.. ولهذا فالشاعرة تبعد عن الشعراء الرومانسيين الذين آلوا على شعرهم أن يكره الحياة.. وأن يعبس.. ويضيع.. ويرمد النور..
ولا تقف فدوى عند هذا الحاجز.. بل تمضي إلى أبعد فأبعد في تفسير مواقف حبها وأسبابه ونتائجه :
انتهينا يا رفيقي
حبنا كان استغاثات غريق بغريق
لم تكن تملك لي شيئاً.. ولا كان لدي
لك شيء..
أنت تدري.. لا تسل عن حبنا
نحن حاولنا.. ولكنا فشلنا..
* * *
وأخيراً.. لن يفلت الديوان من دون ملاحظات..
أولاً.. أحب أن أسأل لماذا تحررت الشاعرة هذا التحرر الذي جاوز حدوداً كثيرة لبناء الشعر الغنائي ؟ مع أن كثيراً من شعرنا الغنائي.. والذي كتب على العمود الكلاسيكي للشعر لم يستطع غبار العصور أن يطمس معالمه.. وظل تراثاً خالداً في مكتبة التاريخ.. قد نجيز للشاعر أن يفلت من قيود القافية الواحدة ، والتفعيلات المتساوية للقصيدة ، إذا حتمت التجربة الجديدة ذلك والتي لن ترتاح إلا في هذا القالب..
وتحرر فدوى طوقان المتطرف في هذا الديوان أوقعها في أزمة الشعر العربي المعاصر.. فلم تستطع الشاعرة أن تحافظ على موسيقية شعرها في بعض القصائد التي انفلتت انفلاتاً بعيداً من القوافي والتفعيلات.. فجاء بعضها مشوشاً جافاً.. وبشكل مفضوح عندما تندفع وراء التأمل الفلسفي مهملة ما عدا ذلك.. أي عندما تبحث عن الفكرة على حساب الصورة.. والشعر والعاطفة.. كل هذا يبرز في القصيدة الفلسفية (لا مفر).. فالشاعرة تريد أن تبرهن نظرية حول الجبرية.. فهي لا تؤمن بجبرية تأتينا من الخارج.. وإنما الجبرية تكمن في داخل الذات ، هي جزء لا
ينفصل عن النفس ، ومن هنا مأساة وجودنا الإنساني..
كان بإمكان الشاعرة ، أن تثبت نظريتها بطريق غير مباشر ، يرسم صورة للذات القلقة التي لا تعرف سر هذا القلق الداخلي الذي لا يلمس . ولكن فدوى قدمت كلاماً عادياً مباشراً يخلو من العاطفة والحرارة والشعر :
لو أني رجعت صغيرة
لحولت مجرى حياتي
لغير خط اتجاهي
وحررت ذاتي..
وما كنت أسلك نفس الدروب
دروبي الوعرة..
والملاحظة الثانية أن فدوى تتجاوز أحياناً منطقة الرقة والعذوبة حتى تصل إلى الركاكة في التعبير.. وتعزز هذه التهمة وتزيدها وضوحاً القصائد المكتوبة على الطريقة الحديثة.. بحيث تبدو خالية من كل شيء ينتسب إلى الغناء .
والملاحظة الثالثة هي أخطر ما يواجه شاعرنا المعاصر.. وهي التكرار.. إن فدوى تكرر بشكل خطير.. وأكاد أتطرف وأدعي ، لولا قصائد قليلة – أن ليس في ديوانها شيء جديد.. فما قالته في ديوانها الأول ((وحدي مع الأيام)).. وفي ديوانها الثاني (وجدتها) ترجمته هذه المرة.. وصاغته بالشكل الجديد للشعر ، وقدمته في ديوان جديد الاسم وهو ((أعطنا حبّا)) !


المقال الرابع

القلم.. هذا السلاح

لو تركنا القلم يكتب ما يشاء ، في هذا الأسبوع الأخير الذي تودع فيه الإنسانية هذا العام ، عن الأحداث الكبيرة التي سيسجلها التاريخ على حساب عام 1961 ، لما توقف عند نهاية ! ولظل طوال رحلته التي ستخترق كل القارات التي مرت بها الأحداث يبكي تارة ويتألم تارة ، ويثور تارة ثم يقف عند المؤتمر الثاني والعشرين للحزب الشيوعي السوفياتي يملأ زاده بالنور الأمل ، موزعاً على العالم الذي لا يزال يلتمس الطريق إلى غده.. ثم يرسو على شواطئ كوبا التي فتحت طاقة للصباح في ليل أمريكا ، وزلزلت دعائم الاستعمار في قعر داره ، ثم يمر بالجزائر التي من دمها تشرب شمس أفريقيا.. ثم يمر بغيرها وغيرها.. وتطول الرحلة..
ولكنني هنا ، لست في هذا المجال ، إنما هي وقفة وداع نقف فيها لنصفي حسابنا كما يقال ، ولنرى ماذا عملنا بالقلم ، وأية قصيدة كتبناها في وطن العذاب ، لنعيد مراجعة أبياتها ، وننقلها إلى بعض القلوب التي كادت تعزف مرثية اليأس ، وتنام ! وحتى نعلّم قصيدة الأمل والغد لكل شبابنا الطالع على الدرب ، والذي أريد له أن يضيع وما ضاع ، ولا نزال نرعاه كما نرعى بؤبؤ العين ، وأكثر !
وحتى ننقل قصيدة الأمل لكل أطفالنا الذين زرع أجدادهم لهم نصبات الزيتون وما أكلوا !
حتى ذلك الحين سنظل نحدب – قدر استطاعتنا – على هذا القلم الثائر عساه يحمل الضوء إلى كل قرنة انكمش فيها يائس منهزم يحلم بالقمر والصبابة !..
إن البعض من الطيبين لا يرى نفعاً كبيراً من هذه المعركة القلمية ، ونحن نقول لهم هذا سلاح هام من أسلحتنا فهل نرميه أو نعطيه لهم حتى يقضوا على أنفاسنا ؟ فبالكلمة ندل على الدرب ، وبالكلمة نرسم الدرب ، وبالكلمة نملك عنان الغد !
_______________
* الجديد ، العدد 12 ، حيفا ، كانون أول 1961 .
قالوا : والحرية ؟ هل تتكلم الكلمة بحرية ؟
نقول : إنها هي التي تعمل من أجل الحرية ، إن الطبيعة علمتنا ، ونحن نصدق هذا الأستاذ المجرب قانوناً بسيطاً في شكله ، عميقاً في معناه :
لكل فعل رد فعل... مساو له في المقدار ، معاكس له في الاتجاه.. وبقدر ما يضغطون على هذا القلم ، يكتسب القوة والمناعة والتجربة.. وبقدر ما يتحدون القلم.. يتحداهم !.. وبقدر ما يضربون.. يصرخ ويحذر ! وبقدر ما يصرخ ويحذر يستيقظ النائمون.. وبقدر ما يستيقظ النائمون نقترب من النصر !
قالوا : والسجون ؟
نقول : السجون للرجال ، وبقدر ما ندخل السجن ، نمنح شهادات الشرف والكفاح الصادق.. وبقدر ما تكبر سجونهم ، يكبر درس الحرية في نفوسنا .
وبعد ، فإلى أين يصل بي هذا الحديث ؟ وليس لدي مجال إلا أن أودع العام المنصرم ، وأنظر إلى القافلة الزمنية المؤلفة من اثني عشر شهراً كنا نحدو بها لشعبنا أرجوزة الكفاح والأمل بلا انقطاع.. ونواكب كفاحه الرائع !
أقصد : ماذا عملنا خلال هذه المدة ! كفانا أننا وحدنا ، ولا مكان هنا للتواضع حملنا لواء الأدب الواقعي الحر ، الذي يصور واقع حياتنا بقدر ما تتيح لنا إمكانياتنا الأدبية والسياسية ، والذي يفرك عيون النائمين الحالمين على وسائد من أخيلة وصور ، إننا قلنا ونقول لهؤلاء الذين لا يريدون أن يعرفوا هذه البديهية في الأدب والذين ينادون بالحياد : كل مجتمع موزع نهب تناقضات طبقية ، أو راسف تحت الظلم الاجتماعي والسياسي ، لا بد من أن ينتج فيه نوعان من الأدب.. أدب يصون واقع وأماني الطبقة الشعبية التي تبني الحياة ولا تنال جزاء ، وأدب يصون واقع الطبقة الأخرى وما يتفرع منها من ذيول وأطراف مباشرة وغير مباشرة..
وهنا ، إزاء هذين الموقفين ، في هذه المعركة الاجتماعية والسياسية ، لا بد من اتخاذ موقف ، ولا معنى للمناداة بأدب على الحياد ، فالحياد في هذا الوضع معناه خدمة الطبقة المتسلطة التي تسير إلى الهاوية بدافع حتمية التطور التاريخي .
وهؤلاء الحياديون الذي يتعامون عن كل ما يلحق بشعبهم من العذاب ، ولا تهمهم
إلا أنانيتهم المغلقة ، ينزوون وراء شعار الأدب للأدب ، الذي يتسكع وراء الحياة.. ثم يدعون أن أدبهم منتزع من الحياة ، أليس يصور مشاعرهم ؟ هذا صحيح ، ولكن السؤال هو : أي حياة ؟ بالطبع حياة الطبقة التي تتدهور مع تدهور النظام الرأسمالي ، وما الغيبية والغموض واليأس والهروب من المعركة إلا مظهر مفضوح من مظاهر هذا التدهور ، بعكس الازدهار والنمو اللذين يصحبان الأدب الواقعي ، لأنه يصور الازدهار والنمو اللذين تسير إليهما الطبقة الشعبية صاحبة الغد ، ولأنه يرى الجوانب المضيئة التي يتطلع منها إلى مستقبله المحتوم .
وشيء آخر ينساه هؤلاء الحياديون.. ينسون أن الذي يدفعهم لاتخاذ هذا الموقف هو السياسة نفسها التي ترمي إلى شراء صمتهم ، وإسقاط سلاح من يد الشعب فأين كانت ((الجديد)) من هذه القضية ؟ مرة أخرى أقول : إنها الوحيدة التي حملت هذا اللواء الواقعي المخلص بجدية ومثابرة ودأب.. وإلا ، فما معنى أنها أصبحت المصب الذي تندفع إليه الروافد الكبيرة والصغيرة لتقدم قسطها من المعركة ؟ والتي كانت تبحث عن طريقها فوجدته...
وما معنى أن الشاعر أو الأديب لا يكاد يكتب أدباً وطنياً مكافحاً ، إلا ويعرف أن مكانه في الجديد ، والجديد فقط ؟
وما معنى أن أولئك الذين ابتعدوا عنها ، ابتعدوا عن الشعب ، ولا مكان للإنكار ! مرة ثالثة ، أقول هذا ، وأعرف أن لا مكان للاعتزاز والفخر ، فما نفعله نؤمن بضرورته ، ونعتقد أنه جزء من واجبنا..
وسؤال آخر : ماذا يكتب أولئك المرتمون على أعتاب تلك الصحافة ؟ لا يزالون يبكون على مجدهم الغابر في معركة الحب والغزل.. حرام على شبابكم أن يذوب وراء حبيباتكم أيها الشعراء !
حرام على شبابكم من السهر والبرد انتظاراً لموعد مع النجوم !
قال برنارد شو عن هذا اللون من الشعر الفارغ من كل فكرة أو قيمة جمالية ويرتدي الكلام الجميل ، ومجرد رصف كلمات جاهزة بأنه ((تابوت من خشب الورد
مبطن بالحرير الفاخر ، أعدته سيدة غنية لتدفن فيه كلبها..)) !
فلماذا لا تشحذون أدبكم ، حتى يصلب عوده ، وتصنعوا منه تابوتاً لهذا الواقع الذي تتمرغون فيه ، وتدفنون فيه أعداء مصيركم ؟! أي قبر تحفرون بأيديكم لكم ولمستقبلكم ولمستقبل شعبكم ؟
إن الطريق وعرة أيها الزملاء ! ولكن الأدب القوي بإيمانه وإيمان جماهيره يفتت الصخر ! ولا يرهبكم الاعتداء على الحريات ، والسياط التي يلوح بها أصحاب ((اللامستقبل)) !
فكلما قطعوا غصناً من دوحة شعبنا ، أعطتهم الجذور الضاربة في التاريخ ألف قضيب من شوك.. جذورنا عميقة عمق تاريخنا الطيب ، فماذا يضير غصناً لو التوى في ريح عابرة..؟!
عودوا إلى ماضيكم.. إلى الطريق التي مشيتم عليها يوم كتبتم أدبكم الجيد ، وأنتم مع الفلاحين الذين يفلقون الصخر ولا ينفلقون.. إن الذنب ليس ذنب قرائحكم وربات شياطينكم ! ولكن الوحي ليس في مكاتب الصهيونية يجلس ، وليس بين سيقان العاهرات يمشي.. الوحي هنا في العرق الذي تحلبه الشمس من جباه العمال كحبات الضوء الذي يطلع على أفريقيا من وراء أغصان الغابات المتشابكة كسواعد العبيد الملتحمة لكسر الأطواق !
الوحي هناك في ثياب الحداد التي تلبسها أمهاتنا على شهدائنا ، وأقربائنا الغائبين وراء الحدود كالدخان المتصاعد من أكواخ الثوار في ليل الأوراس الذي ما انهد !..
هل يصح أن تهربوا من المعركة في عزها ؟..
ماذا نقول ، والحديث طويل طول حكاية العذاب الممتدة أربعة عشر عاماً على جبال الجليل الذي يريدون لزيتونه أن يذبل ، فيخضر كالأمل.. حتى المثلث الذي تشوي الشمس جباه فلاحيه.. وتلتف سواعدهم بالقوة مشرعة إلى الغد القريب ؟
ماذا نقول.. ونحن نودع عاماً من عمر كفاحنا الأدبي ؟ هل بلغنا الغاية ، وحصدنا سنابل الصباح التي زرعنا بذورها منذ سنين ؟
حسبنا أننا نحاول ، ولا نيأس ، ولكننا مقبلون على الشتاء ، فلنتعهد الزرع ، وإلى اللقاء !



المقال الخامس
سيوف من خشب

إلى الذين يرفضون قرابة الشعر والسياسة ، أحمل خبر موت نظريتهم !
وإلى الشعراء ، أحمل بشرى غير سارة !
وإلى نقاد الشعر ، أحمل خبر مولد زملاء لهم !
كل هذه الأشياء أحملها مع اعتذاري . ذلك ، لأني مضطر لتدنيس كلمة الشعر بمناقشة يابسة مع هذا الأستاذ.. اسمه شمعون بيرس.. اسم لامع في ميادين السياسة البنغريونية..
وكانت عصيه تنكسر ألف كسر في كل غزوة من غزواته الملعونة.. وما ارتد !
وكانت الضجة الكبيرة التي يثيرها في فضائحه أكبر منه وأقوى !
لست هنا في مجال استعادة كل الأعمال الضخمة - بعفونتها - التي قام بها هذا السيد غير المحترم - مع الأسف - عندنا !
ولست هنا في مجال استعراض حكايات (عوزيه) المذلة !
ولست هنا في مجال العودة إلى مقالاته وتصريحاته المعادية لنا !
ولكن الجديد في القصة هو أن السيد بيرس أصبح يقرأ الشعر العربي ! ومن الطبيعي أن يرى خطورة هذا الشعر الواقعي على دولة إسرائيل ، لأنه يعتبر نفسه وحكومته ! وزعيمه الأوحد بن غوريون هم دولة إسرائيل .
أما إذا أدرك باقتناع السيد بيرس ، أن حكومة بن غوريون شيء ، ودولة إسرائيل شيء آخر ، فيفقد بذلك سيفاً (صارماً) من سيوف التحريض الخشبية ، التي يجردها لمبارزة العرب العزل إلا من الحق !..
ومن هذه الحقيقة التي لا يفهمها ، أبدأ بمناقشة مقاله الذي كتبه أخيراً في صحيفة (دافار) عن الحكم العسكري، واهتدى فيه ليثبت ضرورة خلود هذا الحكم القراقوشي

_______________
* الجديد ، العدد 2 ، شباط 1962 .
إلى دليل مضحك ، وهو أبيات من الشعر كتبها شعراؤنا تحمل النقمة على الظلم والظالمين .
ومن هنا أيضاً ، نفهم مصدر الوحي الذي أوحى السيد بيرس أن يكتب ما كتبه في هذا الوقت بالذات ، وهو المعركة الجدية لإلغاء الحكم العسكري..
وأطلق بيرس على هذا الشعر النابع من جراح شعبنا وأمانيها في التخلص من قيوده الخشنة ، اسماً شاعرياً هو شعر (الخناجر).
وهذا الشعر هو أبيات لحنا أبو حنا كتبها منذ أشهر ، ويضع فيها الخونة من أبناء شعبنا ، الذين باعوا أنفسهم ، ويحاولون بيع شعبهم بأبخس الأسعار أو أغلاها.. وضعهم في مكانهم اللائق.. في مستنقعهم الذي وقعوا فيه حيث يتعاونون مع جلادي شعبهم الفقير ، وأنذرهم بسواد العاقبة والمصير!..
والأبيات الأخرى لعصام العباسي ، استوحاها من الجريمة القذرة التي خلفتها أياد قذرة على حدود غزة ، وراح ضحيتها خمسة براعم من حديقة شعبنا ، وشوهت جثثهم كأبشع ما يكون التشويه ! ما هو الدافع الذي دفع هذين الشاعرين وغيرهما لكتابة هذه القصائد الناقمة على الطغيان والجرائم !
هل هي خيالية لا أساس لها من الصدق ؟
أليست سياسة الحكومة المسؤولة عن هذه الجرائم الفاحشة ؟
وما هو موقف الشعر من هذه الجرائم؟ هل يمكن ان يكون شعرا ناعما ، يبارك أيادي المجرمين ويقبلها !
إن الجرائم الوحشية هي التي تفرض على الشعر في هذه الحالات طابعه وشكله ولهجته..
والوجه الذي يعرض أمام المرآة هو الذي تعكسه المرآة !
* * *
وقول السيد بيرس بأن هذا شعر تحريض هو قول صحيح.. ولكن إلى حد..
صحيح أنه تحريض على هذه السياسة الغابوية التي تنهجها الحكومة ضد العرب ولكنه ليس تحريضاً على الدولة ، هذا إذا كان بيرس لا يعتبر نفسه هو الدولة ثانية!
إن طريقاً واحداً مفتوحاً أمام الحكومة لإسكات هذا الشعر الصادق المخلص لآلام الجماهير وأمانيها ، الذي تعتبره خطراً عليها !
الطريق هو منح العرب كل حقوقهم بدون تمييز وتجزئة ! ومعاملتهم كمواطنين.. لا رعايا ! أما أن تخاطبهم بلغة السيف ، فلن يزيدهم هذا إلا شحذ أسلحتهم – ومنها الأدب – دروعاً يتحطم عليها هذا السيف الخشبي المصنوع من الأكاذيب والافتراءات الفاشلة !
إن التاريخ علّم كل الشعوب أن سياسة السيف لن تولّد إلا النقمة والتحريض على حاملي هذا السيف !
* * *
ثم ، لماذا يجهل بيرس وزمرته تاريخهم اليهودي ؟ ألم يصوّر شعراؤهم بحماس وإثارة وضعهم الممزق ؟ ألم يعبّر شعراؤهم وأدباؤهم ؛ وعلى رأسهم شاعرهم القومي الكبير (بياليك) المآسي التي أكلت شعبهم ؟ ألم يكتب أدباؤهم أدباً (يحرّض) على أوضاعهم غير الإنسانية ؟ وهل اعتبر هؤلاء الأدباء أعداء للشعوب ؟ أم أن ما يحق للصهيوني لا يحق لغيره ؟!
أليس هذا اعتقاداً بأن الصهيونية فوق الجميع ؟
إنني أكاد أضحك ، ولكن هل أضحك ؟
أضحك لبساطة هذه الأسئلة البديهية الأجوبة..
ولا أضحك ، لأن الأمر يحتاج إلى العبوس والجدية أكثر من حاجته للضحك !
ولا أضحك ، لأن بيرس وزمرته يتجاهلون هذه الحقائق !
ولا أضحك لأني أكاد أرى خطورة الطريق الوعر الذي يغامر به هؤلاء الحكام !
* * *
ولماذا يدافع حكامنا عن الخونة من أبناء شعبنا العاقين ، بهذا الحماس الذي يدعو إلى الاستغراب ؟
ألم يوجد من اليهود أيام النازية خونة خدموا النازيين ، ومهدوا الطرق أمام قافلة موت أبناء شعبهم ؟
فكيف ينظر إليهم اليهود والإنسانية كلها اليوم ؟
أليسوا خونة يستحقون كل احتقار ؟
أليسوا يشبهون إلى حد – خونة شعبنا الذين يستحقون – بالطبع – كل احتقار ؟
أم أن ما يحق للصهيونية ، لا يحق لغيرها ، والصهيونية فوق الجميع ؟؟!

* * *

شيئاً آخر لا ننساه حين نقرأ مقال السيد بيرس . وهو أن هذه الحملة ليست الحملة الأولى من حملات المباي للتحريض على الشعراء والكتّاب العرب .
فنحن لا نزال نذكر قرع طبول المباي ، وتخوفهم من الأوهام إثر مهرجان كفر ياسيف الشعري !
ولا نزال نذكر حملة التحريض على فرج نور سلمان وأحمد ريناوي.. ولا نزال نذكر وننتظر محاكمة كاتب هذه الكلمات على قصيدة ((غزة))..
وحملات أخرى تبعتها على بعض شعرائنا وكتابنا الذين ما باعوا القلم ! وهدف هذه الحملات هو دفن كل الأوجاع والجراح ، التي نتألم منها نحن العرب والأدب الذي يحمل أصوات هذه الآلام والجراح للعالم !
فالسياسة البنغريونية الذكية جداً تعرف – بلا شك – أهمية الدور الذي يقدمه القلم في معركة شعبنا العادلة ، ولهذا ، ترمي بكل ما تملك من جهود وإمكانيات الإغراء والتهديد والإرهاب لكسر كل أقلام أدبائنا الذين يغمسونها في دموع الجماهير..

* * *
هذا ما قاله بيرس . وهذا هو منطقه البائس الذي لا يملك من الحقيقة والصدق لا صاعاً ولا حبة ! فكلمة ((الخطر على الأمن والدولة)) تحولت إلى شعار أرعن ! وفي قوله هذا أيضاً ضربة صارمة لكل أكاذيب المباي التي تنشد بلا انقطاع ((سيمفونية الديمقراطية)) !

* * *

... وجحش التحريض !...

ولم يكن السيد بيرس الناقد الأدبي الوحيد في هذه الأيام..
هناك ناقد آخر في جريدة جروزلم بوست ، يسير على الطريقة نفسها.. اسمه.. شبيرا..
وشبيرا هذا كاتب سياسي في جريدة ((بوست)) دفعته معركة الحكم العسكري ليتحول إلى الأدب والشعر العربي لعله ينتزع صورة جديدة أدبية تبرّر – في مفهومه – بقاء الحكم العسكري .
هكذا اعتقد..
وأنا على حق .
وقبل أن نستعرض مقاله الذي ظهر أخيراً في (جروزلم بوست) نود أن نفرّق بين بيرس وشبيرا .
شبيرا تعمّق في دراسة الشعر أكثر من زميله .
ولهذا ، كرّس كل مقاله لهذا الموضوع .
والقاسم المشترك بينهما هو أنهما وقعا في الوحل نفسه حين ركبا جحش التحريض الضعيف..
أقول جحش التحريض ، لأن الوقت الذي كانت ترى فيه الجماهير اليهودية كلمة الأمن ((حصاناً)) يخيل في الميدان ، عرفت بعد الفضائح المتتالية أن هذا الحصان لم يحصل شيئاً ، وليس إلا جحشاً صغيراً يركبه فرسان المباي ، ومن حسن السعد أن الكثيرين في الأوساط اليهودية تفهم الحقيقة ، ولم تعد تنطلي عليها أكاذيب بيرس وزملائه ، والمعركة الحادة الأخيرة من أجل إلغاء الحكم العسكري تقلب الحذاء في وجوه المحرّضين الذين لا يعرفون حياتهم إلا على قبور غيرهم !
حتى هذا الجحش – جحش التحريض – لم يعد يستطيع قطع الرحلة التي عليه قطعها ، بل غاص في الوحل حتى رقبة فارسه .. وخاب !
نعود الآن إلى مقاله !
يستشهد الكاتب بأكثر من شعر شاعر واحد..
يبدأ أولاً بكاتب هذه السطور ، ويقدّم مقطوعة من مقال افتتاحي كتبه في (الجديد) تقول إن واجب شعرنا هو أن يكرّس ويجند لتخليص حرية شعبنا من القيود التي تذبحها..
فيدعي الكاتب بأني وطني – أرأيت أكبر من هذا العار - ؟! وما الخطر في هذا ؟ يقول الكاتب : إن الوطني لا يريد إلا القضاء على خصمه !!
أرأيت ؟ أسمعت ؟ أتفرجت ؟
إن هذا القول يوقع صاحبه في شبكة التهمة لأنه لا يستطيع إخفاء مفهومه الشوفيني للوطنية ، ومن هنا إنه يحرّض علينا ، وأؤكد أنه عندما كتب صوّر مشاعره هو ، فهذا هو موقفه ، وهذه هي نظرته الصهيونية المتطرفة إلى العرب أوضحها بشكل مفضوح.. مخجل .
وشيء آخر ، فنحن نلمس من خلال هذه النظرة الضيقة عدم إيمانه بالتعاون الذي ينادي به ، إذ كيف يفسر أن الوطني لا يرضى إلا بالقضاء على خصمه ؟
ثم ينتقل إلى زملائي الآخرين ، وينزع أضلاعاً من أشعارهم ، يفسّرها كيف شاء.. وعلى كيفه !
حنا أبو حنا يقول :
سأعلم الطغيان أن كرامتي لن تستباح لخائن مأجور
فيترجم شبيرا كلمة الطغيان – أو هكذا ترجمها له الشين بيت – بالشيطان ويعتبر هذا تحريضاً على إسرائيل..
لا.. يا راجل !
هل تريد أن تستباح كرامتنا ؟
أليس غضبك يعني أنك تتحمس لدوس كرامتنا ؟
ثم ، لماذا تخاف كرامتنا ؟
لا أستطيع أن أتصور أية إنسانية هذه التي تتمتع بها ، والتي لا تريد إلا القضاء على كرامة الآخرين..
وتجيء بعدها للتحدث عن التفاهم ؟ مرة أخرى : لا.. يا عم ! اخجل !

* * *

ويستشهد الكاتب بشعر عصام العباسي عن مقتل الشبان الخمسة ، وبشعر توفيق زياد حين حيا انتصار شعب العراق على الليل ، وبشعر لعيسى لوباني ، وغيرهم . يقطع منه أبياتاً ويقدمها – بعد تحريف – إلى القارئ على أنها ثمار من ثمار الكراهية التي يكنها الشعراء العرب لإسرائيل واليهود..
نود أن نعلم شبيرا وكل زمرته أننا نؤمن بالتعاون والتقارب بين شعبي البلاد وكل الشعوب ، ولكن ليس بالطريقة التي يفهمها هو.. ليس بالتنكر لحق شعب ، وبناء مصير شعب على أطلال الآخر..
وأخيراً.. عليك رحمتنا ونقمتنا !

فلسفة الخوف ...!

قبل أن نعرف شيئاً عن هذا النوع الجديد من الفلسفة ، في بلاد صار كل ما فيها ومن فيها يتفلسف ، نود أن نقول :
حقيقة واحدة يعرفها كل العرب في بلادنا..
الحقيقة تقول : إن جريدة ((اليوم)) أصبحت الماخور الذي يأوي إليه كل جبان..
وجريدة ((اليوم)) أصبحت (المرصد) الذي يسهر فيه كل حالم مع النجوم !
وجريدة ((اليوم)) أصبحت محطة التجارب التي يتدرب فيها الملونون على صف الكلام !
وجريدة ((اليوم)) أصبحت (مكتب العمل) الذي يقصده المرتزقون !
وشئ واحد يجمع هؤلاء كلهم.. وهو البحث عن فلسفة.. حتى لو كانت مضحكة أو منحطة إلى أوطأ مستنقعات الانحطاط ، ليلبس بها الثوب (الفلسفي) الذي يخبئ وراءه كل مركبات نقصه وعجزه أو.. سخافته وخوفه !
وشيئاً آخر لا تنسه ، أيها القارئ ، وهو أن تتأسف معي على بعض الشرفاء.. أما
البسطاء وأما المخدوعين.. وأما (الطيبين) الذين يؤمنون بمزاولة الأدب والعمل في حقله في أي مكان كان ، حتى في جريدة ((اليوم))..
هؤلاء ، أرجو أيها القارئ ، أن تمنحهم شيئاً من رحمتك أحياناً ، واحترامك أحياناً وتقديرك الحذر أحياناً أخرى !
وهؤلاء ، أرجو أيضاً أن تسلّهم كما سلّ حسان محمداً كما تسل الشعرة من العجين! وبعد ذلك ، تعال معي لنتعلم الفلسفة الجديدة التي جاء بها أحد فرسان جريدة ((اليوم)) وزميلتها ((الهدف)) .
* * *
الفارس الجديد .. اسمه جمال قعوار .
وهو واحد من الذين ساروا في الطريق الواضح عندما كان ناعماً ليناً سهلاً وظنوا أن الرحلة رحلة كلام فقط ..
ولكن عندما اصطدم بحجر صغيرة ، وعندما همس في أذنيه واحد من المسؤولين قائلاً : ارجع ! رجع.. وباعها !
ونحن لا نزال نذكر اعتذاره (الطفولي) الناعم بعد الضجة التي أثارها أساف على إثر مهرجان كفر ياسيف الشعري.. ونحن لا نزال نذكر سحب هذا الشاعر الذي ((يبكي لشعب بريء)) توقيعه عن نداء معين.. لأجل شعبه البريء هذا !! ونحن لا نزال نذكر هزيمته غير الشريفة من معارك شعبه الصغيرة ، فكيف بها لو كانت أكبر!..
ونحن ، أخيراً ، لسنا هنا في مجال فتح الملفات والجراح النائمة !
ولكن الذي يدفعنا لنترك للظالم يطعننا في ظهورنا لنضيّع أوقاتنا بصراع مع بعضنا ، هو الذي يثير في قلوبنا أوجع المرارات .
من هنا ، إننا نغض الطرف أحياناً كثيرة على بعض الكلام الطائش من جهة والمفروض من فوق ، من جهة ثانية . ونقول بمرارة ليست طيبة : بسيطة !! ولكن حين يطفح الكيل ، وحين يتحول القلب إلى مخزن من المرارات التي لا يفرغها إلا عدم الصمت.. نمسك القلم – بكل أسف – لنحذر من الخطر الذي يفتح مكاناً ليس صغيراً لخلق فراغ تملؤه مصلحة حكامنا لجلدنا والقبض على أنفاسنا ! أقصد ، أن صرف أوقاتنا في هذه المناقشات (البيزنطية) يذبح كل أمل بوحدتنا التي هي الطريق الوحيد لقوتنا.. ذبحاً !

* * *

وجمال قعوار ، حين أدرك إلى أية هوة سقط في متاهات اليوم ، يحاول – بأمل الغريق – أن (يفلسف) هذا السقوط.. وهذا الخوف ! فليس واقعه ثوباً فلسفياً حين يدعو إلى استقلال الأدب عن السياسة ، تارة . هذه الدعوة التي ليس في مقدور (الرب) أن يمسك عن الإشفاق على صاحبها !
وإلى الغمز بطريقة (جبانية) على الشعراء الذين يرفضون هذا الموقف البعيد المتعالي ، تارة أخرى..
ثم ، إلى كتابة شعر (عنتري) يستعرض فيه مواقفه وماضيه الحافل بالبطولات من أجل الشعب ، أطواراً أخرى !
أولاً ، نحب أن نشد انتباهه إلى أن كلمة (شعب) هنا كادت تفقد مدلولها المقدس وتصبح شعاراً تجارياً جامداً يستخدمه كل من يتبجح بالبطولات الموهومة ، وهو غارق في نِعَم من ينحرون هذا الشعب !
أليس هذا استهتاراً بهذا الشعب ، ومحاولة مكسوحة لخداعه ، لأنه لا يُخدع أبداً ؟! ثانياً ، أليس هذا يضعك على منزلق طويل من المتناقضات الولدانية ؟!
* * *
والآن ، جاء دور الفلسفة هذه ، فلسفة الخوف ، ولولا أطلال احترام لا تزال تلوح في قلبي – ليس كالوشم في ظاهر اليد – للسيد جمال قعوار لقلت : فلسفة الخيانة ! كتب الشاعر في جريدة ((اليوم)) الشامخة شموخ أنف ديغول ، قبل أسابيع قصيدة يشتم فيها (الرؤوس الحمراء)..
والرؤوس الحمراء ، عند الشاعر.. صورة رمزية تعني الشيوعيين !
لماذا ؟
لأنهم – كما أوحت له شياطين شعره التي تنتسب لحزب مباي – يشكون دروبه بالعثرات ، ويبيعون باللوم كل قريب ، وتأمر الناس بالصلاح ، وتنسى نفسها في غمار بحر الذنوب !!
كان آباؤنا يؤمنون بفكرة تقول : إن الشاعر يستمد شعره من شيطان يسمى شيطان الشعر ، ويلتقي به بجانب عليقة !
أما أن تكون هذه الشياطين مبائية ، فهذا ما لم نعرفه إلا عند جمال قعوار ! ولهذا بدافع من الإخلاص للفن الشعري ، هو مضطر للإخلاص لأهدافها التي تعادي الشيوعيين أبناء العمال !
طبعاً ، لن يسمح لي القارئ باستعراض مواقف الشيوعيين التي لا عد لها في كل المجالات للدفاع عن شعبنا ، ولصد كل المؤامرات التي تدبر ضده ، لأكثر من سبب..
الأول ، لأنه يراها ويحسها ويعيشها كل يوم .
الثاني ، لأن السجون التي شرفوها تعطيهم شهادة الكفاح ، وأوسمة الشرف !
الثالث ، لأن ثقة الشعب بهم ، وهم أبناؤه ، وتقديره لمواقفهم ، ومعاركهم المنوِّرة والتي ظهرت في نتائج الانتخابات الأخيرة ، تظل أقوى من أوهام كل مزيف.. وأجير !
* * *
واقرأ ما يقول أيضاً في قصيدته :
أنا دربي الوضوح في وطن الشمس ينير الدروب..كل الدروب
لم أبع للخنوع من قلمي المشرق سطراً أو بعض سطر معيب
أنا للذل ما خفضت جناحي ولأجل النسيب ، مات نسبي
جمال حر ما يشاء في الفخر ما دام لا يلمس الحقيقة ، ولا يعتدي عليها .
هو حر في ركوب الشمس والغيوم والنجوم والفجر.. إلى آخر هذه القافلة من الكلام (الجاهز).. وبلا مدلول !
ولكنه ليس حراً في جرح الحقيقة.. وحريته تنتهي عندما يبدأ حق الحقيقة ! صحيح
أنه لم يبع سطراً واحداً من قلمه (المشرق).. ولكنه باع كل قلمه غير المشرق ! أنا لا أطلق هذا الكلام على عواهنه ، ولا أسمح لنفسي بذلك أبداً !
لنسأل أولاً هذا السؤال : أين هي القصائد التي كتبها هذا القلم (المشرق) عن المآسي الجديدة – ولا حمد لأحد – الكثيرة والمتجددة منذ ثلاث سنوات ، وهي عمر التجائه
إلى حظيرة المباي ؟! أو ما هو الشعر الذي يكتبه جمال اليوم ؟
أو ما هي المواقف – بدون شعر – التي وقفها إلى جانب شعبه الذي يبكي لأجله ! فالبكاء الصامت وحده يكفي ! كل الدلائل تشير وتجزم أنه كان انهزامياً في كل هذه المعارك !
وإلا ، اذكر لي موقفاً واحداً شريفاً ، ولا تنس أني أقصد (بالشريف) ليس بالنسبة للمباي.. عدو شعبنا الأول ! فلماذا إذن هذه (العنترية) الرعناء !
ثم ، إن الأيام أعطتنا بتجربتها وبخبرة الشعوب حقيقة باهرة تقول :
إن الشتائم على الشيوعيين ، هي شتائم على الشعب ، لأنهم النابعون من صميمه ! ويقول في مكان آخر من نفس (الملحمة) الشعرية :
أنا للذل ما خفضت جناحي !
هل صحيح ؟
ألم يقل لك أحد المسؤولين المبائيين إننا لم نصدر (الهدف) لننشر فيها أشعارك الغزلية ! رداً على تدخلك في بعض شؤون المجلة التي تسمى بعضو هيئة تحريرها..
وباقي الحكاية تعرفها أنت وأصدقاؤك ! فتضاءلت.. تضاءلت حتى أصبحت في حجم الخنوع الذي ما خفضت له جناحك.. وجئت تسب على الشيوعيين في آخر المطاف !
لماذا يا جمال ، لماذا لا تسكت وتدفن أشياءك وندفنها معك ؟ ونريح أنفسنا من هذا النقاش الذي لا يخدم شعبك !

* * *
وبعد ، فإنني أشعر بالمرارة بعد كل هذا الحديث وقبله ، ولكن أحاول أن أجد عزاء في أنك البادي ، والبادي أظلم !
وأجد عزاء في أنك انحدرت إلى مستوى نرجو أن ترتفع عنه.. وأرجو لك نهاراً سعيداً إذا قرأت هذا الحديث في الصباح.. وليلاً هادئاً تراجع فيه أخطاءك إذا قرأته في المساء !



المقال السادس
صوت الجزائر
في مؤتمر أدباء آسيا وأفريقيا
أو
الجرح الخامس والأربعون
وملاحظات أخرى
....!

كان هذا في شهر شباط الماضي.. عندما احتضنت القاهرة آسيا وأفريقيا !
أقول آسيا وأفريقيا ، كنتيجة حتمية صادرة عن الاعتقاد بأن الأديب الصحيح هو الذي يحمل في قلبه وقلمه بلاده وشعبه ، بكل ما فيها من عوالم وأحاسيس وناس وطموح..
وهذا ما كان في المؤتمر الثاني لأدباء القارتين الشابتين ، حيث التقى خمس وأربعون جرحاً يحملهم الأدباء الذين يمثلون أوطانهم أخلص تمثيل في ماضيهم وحاضرهم بالكلمة والأغنية والحكاية...
وأقول : خمس وأربعون جرحاً ، لأن كل قطر من هذه الأقطار الخمس والأربعين خارج من جرح عميق طويل بالعمر والمسافة شقته سكاكين الاستعمار الراحل غير مأسوف على شيخوخته !
ولعل آخر هذه الجراح وأقساها هي.. الجزائر ، التي يحمل لفظها موجة كبيرة من معاني العذاب والبطولة والمعجزة.. والنصر المحتوم أخيراً..
ولعل هذا الجرح الذي لا يزال يعجز الضماد عن لفه ، هو ما يثير الانتباه والملاحظة في هذا المؤتمر ، الذي كان من أكبر الأحداث الأدبية هذا العام ، للسبب الأول ، ولسبب ثانوي ، هو ، أنها هذه هي المرة الأولى التي تشترك فيها في مثل

_______________
* الجديد ، العدد المزدوج 4-5 ، نيسان/أيار 1962 .
هذا المؤتمر..
فما هو الصوت الذي ارتفع من الجزائر ؟
قال شاعر ألماني : ((إن الفن سلاح)) وقال أديب جزائري : ((نحن لا نعتبر أدباً ذلك الذي لا يعبّر عن قضيتنا)) .
وقال التاريخ : ((إن الثورات السياسية والاجتماعية في أكثر أقطار العالم ، كان الفن ، من أدب ورسم وموسيقى.. واحداً من محركاتها ، وكان البوق الأول لها.. وكان الكتاب الذي يحدّث عنها الأجيال القادمة.. ويأخذ منها كما أعطاها..)) .
وفي الجزائر ، عبّر الأدب عن قضية الجزائر ، ووقف جنباً إلى جنب مع المدفع والبندقية والرشاش ، لهدف واحد هو.. الاستقلال..
من مقالات سياسية ، وأمثال شعبية ، وشعر وقصة وأغنية ، ليس منذ إعلان الثورة ((رسمياً)) ، بل منذ إعلانها ((عملياً)) ، منذ صرصرت عجلة الاستعمار على كروم الجزائر..
عبّر هذا الأدب عن هذه القضية ، وتسلح للدفاع عنها لأنه بالإضافة إلى أن الثقافة والأدب تستجيبان ، وبكلمة أعمق تنبعان من واقع الشعب السياسي ، بالإضافة إلى هذه الحقيقة البديهية ، كانت الثقافة الوطنية واحداً من أحد باعثين في خلق الكفاح المسلّح ، لما أصيبت به هذه الثقافة من اضطهاد وحشي قذر لسبب سياسي بالطبع لأن جماعة المثقفين هناك كانت تعطي حياتها لتضيء عقل الفلاحين ووعيهم على واقعهم اليابس ، في الأرياف.. ولأن هؤلاء المثقفين كانوا في الصف الأول في قافلة المقاومين للاستعمار ، مثل عبد القادر بن محي الدين الشاعر الذي نصبه الفلاحون قائداً لحربهم ، فأعطى الحكم للمثقفين الذين جندوا هذا السلاح الثقافي لمكافحة المستعمرين.. وأنصارهم من خونة الوطن !
لهذا ، وقف المستعمر موقف العدو الثقافي أيضاً..
فماذا فعل ؟
هدم القواعد التي ينشأ عنها هؤلاء الواعون..
حارب اللغة العربية..
أحرق المكتبات التي تضم الكلمة العربية..
لاحق الشعراء والقصاصين...
ولكن الجزائريين لم يلقوا هذا السلاح حتى يأكله صدأ الزمن ، وبحثوا عن اتجاهات لرفع الكلمة خوفاً عليها من البرود..
لماذا ؟..
لأن الحاجة إلى الأدب في البلاد المستعمرة المناضلة في سبيل استقلالها – كما يقول الأديب الجزائري – العديمة الإمكانيات اللائقة ، أمر ماس لا بد من التعبير عنه ولو بلغة خام غير مهذبة ، ولو بلغة أجنبية ، ويدل هذا على أن مفهوم الثقافة لا يعني الشكل فحسب ، بل يتعداهما إلى إفصاح كلي عن المحتوى !
ووجد الجزائريون طريق الكلمة فجردوها !..
حاربوا بالكلمة العامية الشعبية بعد أن حرِّمت اللغة الفصحى ، وظهر شعراء شعبيون يحدون ويهزجون للكفاح والحرية ، لأنهم – كما قلنا – بحاجة إلى المحتوى الثائر أكثر من الضرورة إلى الشكل الخارجي المنمّق الناعم كما يريد ((المعنيون)) ولم يلقوا سلاح التعبير !
وحاربوا بالكلمة الفصحى الصحيحة بعد نشوء الوعي في الأحزاب السياسية التي تدرجت من نطاق الهيئات البرجوازية إلى فسحة الجماهير العامة .
ولم يلقوا سلاح التعبير !
وأكثر من هذا..
حاربوا بالكلمة الفرنسية ، بالكلمة المستعمِرة لأكثر من حاجة واحدة :
• حاجة التعبير النفسية عن القصة البائسة الوحشية التي بصمتها أصابع الاستعمار في وطنهم..
• ضرورة رفع صوتهم إلى العالم الأوسع ليفهم القضية الإنسانية المعذّبة ويعطف عليها.. ويؤيدها ، وهذا هو الأهم !
• لحظر اللغة العربية الأم !
لأن المستعمرين ذهبوا – بخطأ مسرف بالسخرية – إلى الاعتقاد بأن استعمال اللغة
((المحتلة)) سيقر سيادتهم ونفوذهم ، ويروج لحضارتهم فارتدت الكلمة الفرنسية المسلحة بالثورية الجزائرية العربية إلى نحور أصحابها !
وهكذا ، رفع المثقفون الجزائريون الكلمة المكافحة مع البندقية ، لأنهم ((لا يعتبرون الثقافة مجرد سلوى ، بل تعبيراً عن الواقع الجزائري الذي كان يناضل في سبيل قضية حياة أو موت)) .
وهذا هو الصوت الذي رفعه وفد الجزائر في القاهرة . صوت الجرح الخامس والأربعين من جراح شعوب آسيا وأفريقيا الثائرة.. هذه الأصوات التي أثارت نباح و ((دموع)) الأوساط الاستعمارية والرجعية.. وعند العرب أيضاً.. متباكية على الفن الذي مات في مؤتمر الأدباء بين ضجيج السياسة.... يدعون هذا بكل سخرية وقحة ولؤم ! وكأنهم يتجاهلون أن عدوان الاستعمار على هذه الشعوب يرمي إلى أهداف سياسية محضة ، فكيف لا يريدون أن يكون الرد عليها رداً سياسياً أدبياً.. بل أدبياً مجرداً..
أي أدب.. يا بيوت الأدب !
*
وبعد ، هل انتهى زمن التعبير عن ثورة الجزائر بعد استقلالها ؟
بالطبع.. لا ! لأن الثورة الجزائرية لم تنته ، ولا تزال تواجه أقسى فترة في تاريخها.. ولا تزال مقبلة أيضاً.. بعد الانتصار السياسي على معارك أخرى اجتماعية واقتصادية لتصلح ما أتلفته يد الاستعمار منذ مائة وثلاثين عاماً ، وما وضعته في المجتمع الجزائري من جهل وبؤس ومرض ، هذا الثالوث الذي يتألف منه نعش المصير والإنسان الجزائري كما كان مقرراً..
وكل هذه المعارك القادمة التي تتطلب الوعي والتيقظ أكثر من قبل تحتاج – بالطبع – إلى التعبير الأدبي الموجِّه.. كما احتاجت حماسة الثورة السياسية وقوتها إلى نوع خاص من التعبير المتحمس القوي الدافع .
وفوق كل هذا ، ستظل الثورة السياسية التي ستغير المجتمع الجزائري.. والإنسان
الجزائري..
والطبيعة الجزائرية بالتأكيد ، ستظل مادة وتراثاً خالداً للأدب الجزائري ، كما بقيت كل ثورة سياسية واجتماعية في كل بلاد العالم تراثاً باقياً للأدب والفن في تلك البلاد..
وتأثير الثورة الجزائرية لن يقف – بكل تأكيد – عند حدود الأدب الجزائري ، بل سيتعداه إلى الأدب العربي بصورة عامة..
لماذا ؟..
لأن القضية الجزائرية ، هي قضية عربية كبرى سيكون لها تأثيرها الكبير في تقرير مصير العالم العربي وتحرره.. وقد عبّر الأدب العربي المعاصر فعلاً عن ارتباطه السياسي والروحي بهذه القضية ، بموجة كبيرة من الشعر والمقالات والرسوم والأغنية والقصة والرواية ، ولا يزال ، حتى أصبح بإمكان المؤرخ الأدبي أن يؤرخ فترة من تاريخها الأدبي خاصة بالقضية الجزائرية لها ميزاتها ودلالاتها الخاصة.. ويقرر – بدون شك – أن تأثير هذه الثورة في الأدب سيكون أبعد مدى من كل الثورات التي عرفها العالم العربي ، لما تمتاز به من علامات واعتبارات مميزة.. منها السياسية ، كما قلت ، ومنها الإنسانية الخاصة..
وأكثر من هذا..
إن التأثير الأدبي للثورة في فرنسا نفسها كان ظاهرة مدهشة ، لارتباط القضية بها ارتباطاً مباشراً.. وأخذ هذا التأثير مجريين..
واحداً.. رجعياً..
وثانياً.. تقدمياً .
الأول.. يمثله الأدب الرجعي الفاشستي الذي لا يريد أن يتخلص من مركب النقص الذي لا يزال يركبه.. وهو (فرنسة الجزائر) !
والثاني.. يمثله الأدب التقدمي الإنساني الذي يعترف بحق كل شعب في تقرير مصيره بيده ، ولهذا يرى في الاستعمار الفرنسي عاراً وشناراً هائلين.. لا مبرر لهما !
وظهرت في فرنسا ، مدرسة أدبية للدفاع عن قضية الجزائر ، تعلِّم الشعب الفرنسي
أو المخدوعين منه.. أن الجزائر ليست قطعة من فرنسا !
وأكثر من هذا أيضاً.. إن قضية الجزائر قضية إنسانية عالمية ، يقف إلى جانبها كل أنصار الحرية والعدالة في العالم.. وفي طليعتهم البلاد الاشتراكية التي تفهم القضية وتعطف عليها وتؤيدها أكثر من غيرها.. ولذلك من الطبيعي أن يمتد خط تأثير الثورة إلى هذه البلاد التي شاركت الجزائر – بالإضافة إلى المشاركة المادية العسكرية والتأييد في الموقف الدولي – مشاركة أدبية ، فعبرت عنها بكل أدوات الفكر !..
ولهذا ، نستطيع أن نخرج بنتيجة وجود ظاهرة جزائرية عالمية في الأدب العالمي.. ونذهب إلى أبعد من هذا فنقول إن هذه الظاهرة ستمتد أكثر فأكثر.. وتنضج أكثر في الأدب الجزائري.. والعربي عامة والفرنسي.. والعالمي.. وستكون المكانة الأولى للرواية بعد أن كانت للشعر !
فطوبى لهذه الثورة !
وطوبى لهذا الشعب !
وطوبى للأدب الذي لا يغمض عينيه عن الشعب..
والموت للأعداء !


المقال السابع
على هامش نتائج انتخابات
المعلمين... خرافة ماتت

خرافة اسمها خنوع المعلمين ، عاشت لمدة سنوات في تصورات كثير من الناس وعلى وجه التحديد ، أولئك الذين لا يثقون كثيراً بما سيكون ، بل ربما بما كان أمس.. وما يكون اليوم !
ومن وراء هذه الخرافة ، كاد يفقد شعبنا ثقته بطبقة من المفروض بها أن تكون قيادته ، تقع على مسؤوليتها إخراج النبتة من الأرض ، ليأخذها هذا الشعب ويدفعها في طريقه.. ثم تقوده حتى الشمس !
هذه النبتة اسمها الجيل الصاعد ، أو التلاميذ الذين سيحملون الراية.... راية تظليل هذه الأرض التي أنبتتهم ، وأنبتت آباءهم الذين دفعوها لهم لتستمر المعركة.. معركة انتصار الراية !
وكادت تتحول نظرة أبناء شعبنا الطيب إلى أبنائهم ، نظرة تحمل من معاني وإيحاءات الرثاء أكثر من أي شيء آخر.. وكادوا يتصورون المصير المجهول الذي سيبتلع أبناءهم !
ومن وراء هذه الخرافة أيضاً ، ونتيجة لها ، كنا لا ننفك نسمع الشتائم البريئة التي يبصقها أبناء شعبنا على ((معلمي آخر الزمان)) !
وكاد هؤلاء ينسون أن الملعون ، ليس معلمي آخر الزمان هؤلاء ، بل هذه الحكومة.. حكومة آخر الزمان !
ومن هنا ، من عند هذه الحكومة وسياستها.. نبدأ !
ومن هنا ، من عند هذه الحكومة يبدأ السرطان ، الذي بلبل بأوجاعه أفكار الكثيرين !..
_______________
* الجديد ، العدد 6 ، حزيران 1962 .
وقبل هذا ، نود أن نثبت أن هذه الاستنتاجات التي خرج بها البعض عن خنوع المعلمين ، مبنية على قواعد من الألم والمرارة.. والأسف ، عندما وقف هذا الشعب الصبور في عز معاركه ، وتضحياته ، وعذابه لينظر حوله ، فإذا بالمعلمين بعيدون لا يشاركونه إلا قسطاً وافراً من العذاب والاضطهاد.. ولا يتكلمون ، حتى أصبح الصمت جزءاً من عذابهم .
ومن هنا كان أسفه !
*
إن ما أكتبه الآن افتتاحية ، وليس دراسة عن البرامج الضبابية المظلمة التي تضعها الحكومة ((لتثقيف)) أبنائنا .
يكفي أن أقول إنها في التاريخ معاول قاصرة لهدم تاريخ الشعب العربي ، ولغرس العدمية القومية...
ويكفي أن أقول إنها في اللغة العربية ماكنة تجهيل وبلبلة للأدب العربي وتراثه الإنساني.. والمخطط الموضوع هو وأد اللغة العربية في قلوب أطفالنا الأبرياء وقطعهم عن دوحة الثقافة الخالدة .
إنه من المبكي حقاً ، أن نرى خريجي المدارس الابتدائية ، وحتى بعض الثانويين يعجزون عن قراءة الجريدة بسهولة.. ولا فرق عندهم – من حيث الجهالة – بين المعري وشكسبير .
والاستخلاص الوحيد من هذا الوضع بسيط وواضح وخطير... إنه تجربة وإصرار وعمل على قتل الروح القومية عند جيلنا الصاعد ، ومحاولة ((صهينة)) وهذا الخطر لا يمس العرب فقط.. بل يتعداه إلى اليهود ، لأننا نفهم من منطق التاريخ أن من لا يحترم قومية غيره.. لا يحترم قوميته ، ومن يقتل شعباً يقتل شعبه ولكن التاريخ قال لنا أيضاً : إن الشعب لا يقتل.. ولا يموت !
ومن هنا ، إننا لم نستسلم ، ولم نسكت ، ولم نيأس . ومن هنا نأخذ الطاقة والعبرة والزاد الكفاحي !..
*
هذا سلاح واحد من الأسلحة التي تشهرها هذه السياسة إلى جيل الغد !
والسلاح الثاني... اسمه الإرهاب ، وهو موجه إلى المعلمين ، لكي لا يتسرب النور منهم إلى طلابهم.. ووضع المعلمين تحت ميكروسكوب يرصده ثلاثة خبراء.. اسم الخبير الأول إدارة المعارف ، والثاني الحكم العسكري ، والثالث جهاز الشين بيت . هذا المثلث من خبراء الإرهاب ، استطاع لمدة طويلة – للأسف – أن يوقف الموجة... موجة النضال من الارتفاع ، واستطاع أن يعزل قسماً من المعلمين عن شعبهم وعن ساحة كفاحه لوقوفهم تحت مطرقة السدان ، واستطاع أن يكتم أنفاسهم حتى عن المطالبة بحقوقهم الخاصة !
وقبل هذا ، قبل أن يلبس المعلم البدلة أو الوظيفة كما يقولون ، يمر بالامتحان العسير القاسي الذي تتسرب فيه المحسوبيات والخدمات.. ورضاء بعض الجهات والوعود المشروطة.. بإقفال فمك وفم صديقك وجارك !
ولا نغضب أحداً إذا أكدنا هنا ، أن البعض تسرب إلى هذه المهنة عن غير جدارة علمية وثقافية ، بل عن جدارة محسوبية ، ففتحوا أو كانت وظيفتهم فتح ثغرات خطيرة في جسر التعليم والمعلمين !
*
ولكن خرافة الخنوع لم تعش طويلاً...
وأدرك المعلمون المخلصون – بوعي – أن جميع مشاكلهم وأزمات تعليم أولادهم صادرة عن السياسة التي تعادي الشعب كله ، فتحركوا أخيراً.. ومدوا أصابعهم لتفقأ عيون هذه السياسة وتقول لها : أنتِ.. أنتِ المسؤولة !
ومن هنا ، من عثورهم على السر الأول لكل الأزمة.. ومن ربطهم القضية بكل قضية الشعب.. ومن فهمهم أن مشكلتهم ليست مشكلة فردية ، من كل هذا.. كان نجاحهم وانتصارهم..
وجاءت انتخابات المعلمين في أوج أزمة الحكم القائم ، وخضَّاته المتتالية .
وجاءت في أوج نقمة الشعب العامل على السياسة الاقتصادية !
وجاءت ، أيضاً ، بعد انتصار حزب الطبقة العاملة المعذبة ، في انتخابات الكنيست
الخامسة...
كل هذه الأسباب الدافعة المواتية ، أعطت دينامية قوية متحركة للمعلمين في معركة انتخاباتهم .
ولهذا ، اكتسبت هذه المعركة أكثر من خاصية واحدة وأهمية واحدة...
*
إنها – أولاً – انتصار لقوى المعلمين الديمقراطية.. انتصار ساحق إذا ابتدأنا من نقطة الصفر ، الذي كان نصيبهم في المعركة السابقة ، ((بفضل)) تعاون المثلث المذكور على إبعاد ((لسعات)) الضوء عن كهف نقابة المعلمين المظلم.. الخانع.. المتآمر ، الذي كان وكر كبت سياسي وأدبي على حقوق المعلمين.. وعلى مستقبل الجيل الطالع .
ولكن ، لا تبعدننا نشوة الفرح عن الحقيقة التي تؤكد لنا أن هذه النتيجة ليست كل ما عندنا ، وما عند المعلمين من آمال ، وكل ما نحتاج إليه من طاقة ، إن هذه النشوة الوقتية تفتح باباً للغرور ، ولعدم رؤية الحقيقة الكبرى . إن هذه النتيجة المفرحة – الآن فقط – هي قفزة أولى ، وتمرين أول ناجح ، استعداداً لمعركة أكبر يفوز فيها المعلمون بقصب السبق الذي يحمله لهم شعبنا المثابر .
ولا أكشف سراً إذا قررت هنا ، بأن حصول الأحزاب الصهيونية وأذيالها على 75% من الأصوات العربية ، هو واقع في غاية الأسف.. بالرغم من كل وعود الإغراء ، وصيحات التهديد ، وكثرة سيارات الجيب العاملة ، وعاصفة الدعاية ((البايخة)) ، وبالرغم من فصل بعض المعلمين الذين كانوا ((كبش الفداء)) أو ((النموذج الإرهابي)) لكل المعلمين.. ليعتبر أولو الألباب الديمقراطية !
والأهمية الأخرى.. هي مسألة ثقة ومعنوية...
فإلى جانب نسف الخرافة المذكورة ، ورمي كرباج المسؤولين ، أعطى شعبنا من عماليه وفلاحيه الثقة المطلقة للمعلم الذي برهن على أنه ساهر على ابنه ، يرعاه ويضحي من أجله ، ويقف أمام موجة الإرهاب رافع الرأس لأن ضميره الذي ربط مصيره بمصير الطالب ، مرفوع أيضاً . وهي أيضاً محك وتجربة للمعلم نفسه حيث أدرك أن الطريق المؤدي إلى الجنة ليس الصوم والصلاة والتسبيح للحكم القائم بل التمرد والغضب عليه ، والثواب عند الشعب .
تبقى أهمية كبرى ، نتيجة لخبرة مريرة...
إننا لا نبالغ إذا ما قررنا أن تعاون المعلمين اليهود والعرب في جبهة واحدة من العناصر الديمقراطية ومع الشيوعيين ، هو الذي أوصل المعركة إلى تصفيق الانتصار !
لولا هذا التعاون لما نزلت القائمة إلى الساحة ، ولعاد المعلمون إلى خيبة سنة 1958 .
إن التجربة علمتنا.. وعلمت المعلمين في كل المعارك أن الكفاح الوحيد المنفرد لن يؤدي إلى نتيجة إيجابية ، فلولا تزكيات الجانبين لما كان للمعلمين وللشعب شرف نزول القائمة الديمقراطية إلى الميدان ، ولما اهتدت ينابيع نقمة المعلمين وغضبهم إلى شلال الكفاح الصابر الصلب الذي فتت الأوهام وسار ! وقطع ((قوائم)) المباي العربية ، ((فتكرسح)) ! المباي الذي تصور – بلؤم أوهامه – أنه ((بتخيله)) على أربع خمس ((قوائم)) سيتشتت شمل المعلمين ويبعزقهم ، أصيب في أطيب أحلامه !
*
قد يرى البعض ، أننا نبالغ في تقدير الأهمية الخاصة الإيجابية لهذه الانتخابات.. وهو على حق إلى حد معين ، حتى يطَّلع على تقدير الأهمية السلبية التي تعطيها إياها الصحف الصهيونية الحبلى بالغيظ.. والتي لم تضع إلا ((طرحاً)) من الهزيمة..
فمن صفحة (اليوم) التي تقع شمالي تل أبيب ، حتى (جروزلم بوست) القدسية – من كل هذه الصحف تنتشر عفونة التحريض التي تخنق أصحابها ، على المعلمين.. ((أعداء الدولة)) . لماذا ؟ لأنهم يؤمنون بالديمقراطية ، إن عدو الدولة ليس من يؤمن بالديمقراطية بل من يعاديها بأي ثمن ووسيلة حتى.. بالكذب والاستفزاز العنصري .
إن هذه الصحافة لا تريد أن تؤمن أو تعترف حتى لو طبق ((عاشر سماء)) بأن الدولة
شيء.. والنظام القائم شيء آخر ، وهي مستعدة في هذا المجال، إلى تعريض نفسها
للسخرية والاشمئزاز والشماتة !
وتأسف هذه الصحف وأسيادها على المعلمين العرب الذين أعطوا 25% من أصواتهم ((للشيوعيين)) .
هذا القول فيه كذبة ، وصدق معكوس..
الكذبة هي أن القائمة ليست شيوعية ، بل جبهة موحدة متماسكة من الشيوعيين والوطنيين المخلصين..
والصدق المعكوس ، هو أننا ، لا هم ، الذين نأسف لتصويت أكثرية العرب للمباي ونواطيره .
*
وبعد ، أحر التهاني إلى كل المعلمين الديمقراطيين.. باسم الشعب الذي ينظر إليكم بثقة وإعجاب ، ويضعكم في أحضانه ، كما تضعون أطفاله في أحضانكم..
قفزة أولى.. إلى أكبر.. ولن يطول الطريق ما دامت خطاكم في مثل هذه القوة !

 


المقال الثامن
مات مارون عبود..!

أقسى خبر يستوقفنا من لبنان ، هو هذا العنوان .
ومع اعترافي المطلق بمدى الفجيعة التي أصيب بها الأدب اللبناني ، والشعب العربي في مطارحه الدانية والقاصية ، بعد هذا الخبر.. بفقدهم إحدى قلعات الكلمة اللبنانية الصافية الخضراء العميقة ، فإن هذا الحديث لن يتحول إلى مرثاة ناحبة لأنا نجد العزاء بخصوبة الأرز الذي يغب من التاريخ.. ويعطي العبقري تلو العبقري ولا تنضب خضرته .
وما دامت هذه الحقيقة ثابتة ، فليكن فيها العزاء لكل الشعب اللبناني والعربي وليبق مارون عبود بصفائه وإنسانيته ومرحه باسماً – كعهده – في قلوب جميع الناس !
مارون عبود ، بالنسبة للشعب اللبناني أكثر من أديب عادي ، إنه تراث هذا الشعب وسفيره الأدبي عند باقي الشعوب ، وبعبارة فنية نقول إنه فولكلوره ، إن الطابع العام المميز لقصصه ينحدر من أعماق القرية اللبنانية ، والفلاح اللبناني البسيط الأصيل ، الذي يواجه الحياة مهما كانت ألوانها بالسمة ، والمرح ، والأغنية والكرامة ، ولا ينسى مارون عبود أن يسجل كل لفتة من العادات القروية.. النزاع الخالد الذي لا ينتهي بين الحماة والكنة.. عبودِّية الحب الخالد ، والرضوخ لما يفرضه ((رب البيت)) على ((العروس)) الذي يزوجها لمن يشاء هو.. ثم – وفوق كل شيء – علاقة الفلاح الإلهية بأرضه ، والنشاط الذي لا يكل ليحصد الرغيف من الأرض.. ((إنسان شغيل عنده دائماً أشياء يجب أن يتمها قبل أن يخر المزراب)) و ((النوم أبن عم الموت)) و ((فليمت جوعاً من لم يعبد الأرض)) .
هذه الصيحات الطيبة العابدة العاملة هي دستور الحياة القروية ، ومارون عبود لا

_______________
* الجديد ، العدد 6 ، حزيران 1962 .
يخرج عن هذا الدستور إلا بقدر ما يشاء الفن !
أما الطموح إلى المدينة.. إلى الوظيفة ، الذي يلح على عقول بعض الشباب ، فلم يؤد إلا إلى درب الحياة الخشنة ، والزحف المتواصل المرهق بحثاً عن اللقمة . والعمل – لهذه الغاية – بأقسى الأعمال .
وهنا ، يرفع مارون عبود هذه الصرخة ليحذر – بفن – من الهجرة إلى المدينة البراقة من الخارج ((إن التوتة والزيتونة والعريشة والتينة أكرم بكثير من صندوق الحكومة)) . إن هذا الشاب الطامع المخدوع ((تجرد من محيطه ، فتجرد من كل معاني محيطه ، وأصبح كاللفظة الجوفاء)) .
إننا لا نبلغ أي حد من المبالغة ، إذا ما قررنا أننا لم نشهد أديباً عربياً حتى الآن مثل مارون عبود استعبد نفسه – بحرية – للقرية.. وللإنسان القروي ، وكانت أكثر قصصه أو جميعها صادرة عن هذا التراث الطاهر ، وبالرغم من كل خشونة العيش والاستبداد الإقطاعي الذي يعانيه الفلاح اللبناني ، لم تفتر علاقة الحب بينه وبين أرضه والمزاريب والناطور والطحين والفريكة.. والخوري . إن انتصار الحياة هو المرفأ الذي ترسو عنده أبطال مارون عبود في كثير من القصص التي هي في الواقع.. وفي نظر النقد الفني حكايات ولوحات ريفية لا تخضع لشروط الحبك والعقد القصصية ، وسبب ذلك الوحيد هو المصدر القروي الساذج المطلق الذي يفرض على ما يؤخذ عنه الشكل الساذج البسيط المطلق غير المعقد والمبرمج الذي يرتديه ، زخم من الصور والظلال ينقلك إلى ظل أرزه وبلوطه وسنديانة تغني مع الرياح.. فترتاح ، وتبتسم ، وتقنع بالكمية الفنية التي أعطاك إياها..
إن حب الناس العميق هو مبدأ مارون عبود الأدبي ، فهو الذي قال : ((لقد أصبحت عبداً للناس منذ تصورت في البطن)) . وهذا الحب هو الذي جعله يتهكم ويسخر بأسلوبه الجاحظي المتطور من حياة الطبقة البرجوازية ((بطريقة غير مباشرة)).. التكالب على المراتب العالية ، دوس مصالح وكرامات الآخرين . ويهاجم أساليب بعض المرشحين للبرلمان الذين يخونون الشعب !
وكرس قسماً كبيراً من كتاباته للجيل الطالع ومصيره الذي يخاف عليه .
ولكن أكبر صيحاته هي هذه التي أطلقها على التناحر بين الأديان في لبنان وحذر منه بشدة .
* * *
ومارون عبود هو الذي سمى ابنه محمداً ، ومهما تكن أسباب هذه التسمية ، إلا أنها تظل عنواناً إنسانياً كبيراً لأخوة الطوائف ، واحتقاراً جميلاً للتمييز بين أديان الشعب الواحد الصغير..
هذه هي بعض ملامح مارون عبود.. الإنسان الذي عبد الناس منذ تصور في البطن.. ولكن مارون عبود أكثر من قصص رسم القرية اللبنانية على الورق..
إن مارون ناقد كبير ، ذو طريقة خاصة في النقد ، أبرز معالمها خفة الروح والسخرية.. والجرأة التي يحتاج إليها كل ناقد مخلص.. والثقافة الواسعة في أكثر ضروب المعرفة.. إن مقاله يكاد يتحول إلى كوكتيل فكري تجد فيه كل شيء.. وكل لون . حمل حملة لا هوادة فيها على أدعياء الأدب.. ومغروري الأدب ، وكبيري الرؤوس . لم يحن قلمه إجلالاً لاسم رنان طنان كالعقاد مثلاً.. الذي وجد له – اعتباطاً – سلسلة من الأذيال التي تتمسح بشعره القاصر المفتعل ، وتضعه في أعلى المراتب والمستويات الإنسانية ! وليس لسبب آخر خصص له مارون عبود مستشفى خاصة في ((على المحك)) وهتف أخيراً : المروّة يا مصريين ! خذوا شعروركم عنا! والذي آخذه – أنا شخصياً – على مارون عبود هو تعصبه للبنان وأدباء لبنان وهجومه الدائب على أدباء مصر ، فأكثر كتبه – بالإضافة إلى القصص – حتى في النقد ، تكاد تكون مكرسة للأدباء اللبنانيين الأموات والأحياء ، كما هو الأمر في كتاب ((قدماء وجدد)) وزعماء النهضة العربية الحديثة .


المقال التاسع
فـي الشعـر
(محاضرة أولى في سلسلة دراسات في الشعر العربي المعاصر)
(ألقيت في ((بيت الصداقة)) في يافا ، وفي ((ندوة الشباب)) في حيفا
)

أيها الأصدقاء !
يخيل للمراقب الأدبي في العالم العربي اليوم على ما تنشره الصحف والمجلات أن هناك أزمة في الشعر العربي المعاصر ، وفرقة بين الشعر وقرائه ، ويمضي البعض إلى الاعتقاد بأن هذه الأزمة ستؤدي بالشعر إلى الموت والاندثار.. ولا يتردد البعض بإخفاء تخوفه اليائس على مستقبل الشعر العام ، وقد تحول هذا التخوف إلى أذهان الكثيرين من الناس ، وعند تفسير هذا التخوف وقف البعض عند قضية أولى هي في نظرهم العدو القاتل للشعر.. وهي الحضارة ، ولهذا يقولون إن الآلة ستقتل الإحساس والعاطفة إحدى عناصر الشعر الأساسية ، وإذا ما قُتل الإحساس ، فلا تبقى للشعر إلا الفكرة ، وبما أن النثر يستطيع نقل الفكرة إلى الناس فلا يبقى للشعر عندها إلا نفض يده من مهمته ! وأحب هنا أن أؤكد لكم أن هذه المسألة تبحث بجدية في الغرب ، ومن ظواهر هذه الأزمة هو تكدس الدواوين الشعرية في المكتبات ، هناك يأكلها العث والغبار ولا تمتد إليها يد الإنسان الغربي والإحصائيات الأخيرة تثبت أن أكبر شاعر غربي لا يطبع من ديوانه أكثر من 800 نسخة !
ولكن ، هل نستطيع أن نشمل هذه القضية ، ونقول إن الشعر سيموت ، وإن الحضارة هي القاتلة !
هذا السؤال يقودنا إلى ماهية هذه الحضارة ، وماهية الذين يستغلونها ويسيطرون عليها ، ويتمتعون بها ، ففي المجتمع الغربي الرأسمالي ، وصل الترف المادي بأصحابه الرأسماليين والبرجوازيين ، إلى درجة السأم والملل ، وانهيار القيم والمثل
_______________
* الجديد ، العدد 8 ، آب 1962 .
والآمال الإنسانية ، بينما بقيت ملايين من الشعب البسيط وقوداً لهذه الحضارة التي تبنى على أكتافهم وتعطى لغيرهم ، لأن الحضارة هناك لم تستغل لمصلحة الإنسان بل لقتله ، ولم توزع ثرواتها ومنتوجاتها لكل الناس ، بل للقلة منهم ، ولم تستعمل الحضارة لبناء الاطمئنان والسلام ، والحياة ، بل للحرب والتدمير ، ولهذا انقلب هذا النموذج من الحضارة ، وليس كل الحضارة ، إلى غول يخيف الإنسان ويبتلعه وينحر طموحه وإحساسه ونزوعه إلى الجمال والحياة . فالقنبلة الذرية التي صنعتها حضارة الغرب لم تحقق للإنسانية إلا موت الملايين في هيروشيما . ومن هنا ، من هذا التخوف على مصير الإنسان في المجتمع الغربي تنشأ كل ظواهر ودلائل الخوف على مستقبل الشعر والفن الإنسانيين . وعند المقارنة بين معنويات وطموح ومثُل شعب يعيش تحت سقف الاشتراكية ، وبين مجتمع يعيش في ظلال الرأسمالية نصل إلى حل لجوهر الخلاف في مصير الإنسان في الحضارة ، ومصير الشعر.. الأداة الفنية العاطفية التي تأخذ على عاتقها وظيفة رسم إحساس هذا الإنسان .
وإحصائيات عدد قراء الشعر في المجتمعات الاشتراكية وتسابق الناس على الاستماع إلى أمسيات الشعراء تحلق بعيداً بالنسبة للمجتمع الرأسمالي..
ونخرج من كل هذا بأن الحضارة لا تذبح الشعر.. لغة أعذب وأحلى عواطف الإنسانية المشتركة ، بل تمنح الشاعر كل الممكنات من الراحة المادية والمعنوية والوقت الوافر ليكتب ويصور الإنسان بأعز أمانيه ، ويطور تجاربه وأدواته الشعرية . لأن الحضارة الإنسانية التي توزع منتوجاتها توزيعاً عادلاً اشتراكياً تمحو الفواصل بين الشاعر وقرائه بمختلف أشكالهم ، وهذا المحو ناجم عن محو الجهل لتساوي الناس في مجال التعليم والثقافة ، فيرقى هذا الإنسان الذي كان محروماً من معرفة التمييز بين الحرف والبقعة إلى المستويات الإنسانية الراقية فتندثر نتيجة هذا أرستقراطية الأدب .
والحضارة أيضاً بجانب هذا ، تضع على الشاعر مسؤوليات عالمية أوسع وأكبر حيث تقرّب القارات وتمحو الحدود ، فيصبح الشعر – وهذه إحدى وظائفه الأساسية الإنسانية – لغة التفاهم البشري الرائعة .
أما النظرة إلى الحضارة بذلك المنظار المعادي لمكاسب الإنسان التي حصّلها بتطورات حياته ونضاله الطويل الشاق من عبودية الطبيعة وللارتقاء إلى المعرفة فهي خاطئة طائشة رجعية ! فالحضارة الإنسانية تطوّر حياة الإنسان من جميل إلى أجمل ، وهدف الشعر هو النزوع إلى هذا الجمال !
ولكن ، بالنسبة لنا نحن الشعب العربي ، إلى أي حد ينطبق هذا الواقع علينا في ظروفنا الراهنة ؟
إحدى الحقائق العالمية تقول إن الشعب العربي هو شعب شاعر ، ولا يسمح لنا الوقت بالانحدار مع نمو الكلمة الشعرية الأولى في صحراء الجاهلية ، حيث كان صوت خبب الجمال الذي تطور بعد ذلك إلى الشعر.. الزوادة الروحية لأبينا العربي البدوي ، ولا أظن أبداً أن أحداً يجهل منزلة الشاعر الأدبية والاجتماعية والسياسية عند العرب .
ولكن السؤال ، هل انتهى دور الشاعر العربي بعد أن انحدر الإنسان العربي من البادية إلى الحضارة ؟
تاريخ الشعر العربي ينفي ذلك نفياً قاطعاً ، فإن مرحلة ازدهار الشعر العربي كانت تسير متوازية مع مرحلة ازدهار حضارته . خذوا العصر العباسي.. تعثروا على الجواب . وعندما انهارت حضارة العرب انهار معها شعرهم ، وخذوا عصر الانحطاط تعثروا على الجواب أيضاً !
واليوم ، وشعبنا العربي ككل الشعوب التي حشرها الاستعمار في القماقم ينطلق في هبة ثورية لم ترس على الشاطئ النهائي بعد ، فتنطلق مع هذه الهبة هبات من الشعر الثائر الهادف المتلوّن بظروف وطبائع مجتمعاتنا الناهضة حديثاً على الحياة والاستقلال ، وأن حاجتنا اليوم كحاجة كل شعب ينفتح حديثاً على الحياة.. إلى أداة تعبيرية فنية عن هذا التحول هي حاجة تعبيرية كبرى ، ومن المعروف أن الشعر هو أداة التعبير الأولى السابقة في هذا الميدان ، حيث يستجيب للحظة السريعة..
وهكذا ، فإن المجتمعات العربية بشكل عام لم تصل إلى درجة من الحضارة كبيرة
بالنسبة للحضارات الغربية..ولهذا ، لا يبقى أمامنا أي أثر من الشك إلى أن التخوف
الذي تحدثت عنه على مستقبل الشعر العربي هو تخوف منقول جاهز عن الغرب لا مكان صادق له في مجتمعاتنا النامية..
وقضية النقل عن الغرب وتقليد الغرب هذا التقليد غير الواعي ، هي إحدى أسباب
ما يبدو كالأزمة في الشعر العربي المعاصر .
وعلينا هنا أن نشدد على أن نقطة الانطلاق في تقليد الغرب تنحدر في اتجاهين متعاكسين ومختلفين كل الاختلاف ، حتى إن كلا منهما يقف على نقيض الآخر.. الاتجاه الأول.. اتجاه رجعي معاد للعروبة والاشتراكية ، وتطور الطبقات الشعبية التي أخذت تغيّر وجه التاريخ وتحكم ثلث الأرض ، وتأخذ حقها الطبيعي من ثروات الحياة والطبيعة ، وينحصر هذا الاتجاه في الإقليمية وخدمة الاستعمار ، ولكي يخفي كل سمومه هذه يغطيها بالرموز والغيبية التي أتاح له التوسع فيها الشعر الحديث باسم التجديد... وشعراء هذا الاتجاه أخذوا على عاتقهم ترديد صدى سأم وضياع وسعال ومجون كل شاعر غربي . وقد تأكد اليوم أن شعراء القوميين السوريين المختفين بين أوراق مجلة ((شعر)) هم ممثلو هذا الاتجاه المنحل ! ومن نماذج سخرية هؤلاء بالعربية أن واحداً منهم يدعى جبرا إبراهيم جبرا ، أحد الداعين إلى كتابة الشعر المنثور كلياً ، والغامض كلياً ، والغربي كلياً ، تقيأ بحديث جاء فيه أن اللغة العربية لا تسع أفكاره ، ولا تستطيع أن تتسع للأفكار العالمية العصرية !
أما الاتجاه الثاني ، فهو اتجاه صادر عن مفهوم ثوري تقدمي للشعر . وفي هذا الاتجاه يلتقي شعراء الطبقة الشعبية ، وشعراء البرجوازية الوطنية ، وبالرغم من أن أكثرهم يميل إلى الاتجاه الرمزي والسريالي أحياناً ، إلا أن حسن النية هو القاعدة التي يبدؤون منها ، ونتيجة تأثرهم بالمدارس الرمزية والسريالية المنحدرة إليهم من الغرب أيضاً ، وقعوا فيما يشبه الأزمات في الشعر .
من أبرز هذه الأزمات قضية العلاقة بينهم وبين القراء ، ويبدو شيء من الغرابة في وضعهم مسئولية سوء العلاقة بينهم وبين القراء على القراء فقط وليس عليهم وبالرغم من أنني لا أبرّئ القراء من بعض المسئولية الصغيرة جداً ، إلا أنني أرى أن الجانب الأكبر من هذه المسئولية يقع عليهم.. فالمتتبع لحركة الشعر العربي الحديث (أرجو أن ألفت نظر القارئ إلى أن الحديث هو عما يسمى بالشعر الحديث وليس عن كل الشعر بما فيه الكلاسيكي) يجد نفسه أمام مجموعة كبيرة للشعراء المجددين الكبار لا يفهم منها كل شيء ، وبعض الشعراء يرفقون قصائدهم بشروح مضمون ورموز شعرهم . إن هذه البادرة تقترب من صفة أرستقراطية الشعر.. التي تنفيه من صفة فعاليته الشعبية ، وتخرجه من متناول الجماهير صاحبة الحق الأول والأخير في العمل الشعري ، وهذه النظرة تطرد عنه مفهومه ووظيفته الاجتماعية والسياسية ، وبالتالي تؤدي إلى تمزيق واسطة التفاهم بين الشاعر والقارئ ، هذا التفاهم الذي يحتاج إليه الجانبان ليستطيع تأدية مهمته لسلاح قادر من أسلحة النهوض الغربي والإنساني !
ولكن ، بالرغم من كل هذا ، فمسألة الشعر العربي المعاصر هي مسألة عامة... وهذا هو أحد أسباب تفاؤلنا وانتصار الشعر ، فالحديث عن الشعر العربي اليوم وبالأمس لا يهم الشعراء والنقاد المتأدبين بقدر ما يهم كل الناس . فالفرد العربي كان دائماً منذ وقف آباؤنا الشعراء يبكون على الأطلال الدارسة حتى اليوم ، وهم يحدون للركب الثائر ، يحس بأن قضية الشعر هي قضيته الشخصية ، وهذا صادر بالطبع عن مكانة الشعر عند العربي.. ليس لأنه عربي كما يظن بعض المتعصبين بل بسبب ظروفه التاريخية المعينة . ولهذا ، وبسبب هذه المكانة وهذا الاحترام للشعر على الشاعر اليوم أن يحمل ((تأشيرة)) دخول إلى قلوب الناس ، وهذه التأشيرة هي الإخلاص لهؤلاء الناس أولاً ، والإخلاص لواجبه كشاعر فنان ثانياً ، وهذا يعني – وأعتذر لروح التقريرية والشعارية هنا ، ولكنها هي الواقع – نبوع هذا الشعر من قلوب الناس وجراحهم وعذاباتهم وأمنياتهم وأفراحهم ، بعد أن يمررها في ذاته ولونه ، لنتعرف على هوية الشاعر وزمانه ومكانه ، لأنه – في رأيي – من الخطأ الحديث عن أشياء مطلقة ، وناس مطلقين غير محددين ومحصورين ضمن حدود زمانية ومكانية تربطهم بأرض وتاريخ معين ، باسم العالمية والشمول الكاذب . فكل القصائد العربية والعالمية الخالدة كانت تنبت من أرض خاصة ذات صفات وجوانب محددة أولاً.. ثم تنطلق إلى الشمول..
والانتقال من هذه الذاتية إلى الشمول والتعميم ، هو من أبرز وأهم التجارب والأعمال الشعرية الباقية ، وهو يحتاج إلى بعض التذييل والأمثلة لأنه عمل ليس سهلاً لا يتوفر إلا للشاعر القادر ، ويفضح بسرعة حين يتعمد تعمداً..
وهنا ، ألفت النظر إلى أن هذه القضية ليست قضية شعر قديم أو جديد ، بل ترتبط بالشاعر نفسه الذي يكتب بالشكل الذي يريد بدون أن يحدث اهتزازاً في الموضوع الداخلي .
ومن الصعب حقاً وليس من المستحيل أن نستعير مثلاً في الشعر الغزلي ، فأكثر هذا الشعر إذا تخلص من الذاتية الأنانية المفرطة التي تروي أشياء شخصية لا تهم إلا الشاعر وحبيبته يتحول إلى شعور إنساني عام ونموذجاً لحب الرجل والمرأة في كل زمان ومكان .
أما في السياسة وباقي ألوان الشعر ، فالقضية أدق بكثير..
دعوني أستعير نماذج من الشعر القديم..
فالمعري في قصيدته الراثية الخالدة ((غير مجد)) بدأ من نقطة ذاتية بحتة... هي رثاء شخص عزيز عليه ، ولكنه ، وهو الشاعر الكبير تخلص من هذه الذاتية التي تصف صفات وشمائل فقيده الشخصية التي لا تهم أحداً وخاصة التاريخ . فلماذا لا نزال نقرؤها حتى اليوم باهتمام ومتعة.. لأنه انطلق من هذه الذاتية الضيقة إلى الشمول الإنساني.. إلى فلسفة الحياة والموت والعصر.. أي إلى أشياء تظل تشغل العالم في كل زمان .
ومثل آخر في السياسة..
فقصيدة المتنبي المعروفة في هجاء كافور ، بدأت أيضاً من نقطة انطلاق ذاتية بحتة سببها أن كافوراً أخلف عهده مع الشاعر ، ولكن المتنبي وهو الشاعر الكبير أيضاً ، خرج – عن قصد أو غير قصد ، من إطار هذه الأنانية إلى تأمل الدنيا والعصر الذي أصبح فيه كافور والي مصر ، ثم حرّض ((نواطير مصر)) على ثعالبها ، وهم هؤلاء الحكام الفاسدين !
وشمول التجربة الإنسانية في الشعر المعاصر هو أحد العلامات الكبرى أمام هذا
الشعر ، وهذه المسؤولية ناجمة عن التطور التاريخي ، والمسؤوليات الإنسانية التي تفرضها علينا التقاءات العالم ومشاكله وتجاورها وتأثيرها على بعض تأثيراً حاسماً والصراع القائم ، اليوم ، بين مبدأين ، ألزم الشاعر المعاصر باتخاذ موقف اجتماعي واضح وتبني فكرة اجتماعية معينة ، يعي الآفاق الإنسانية الرحبة ومستفيداً من خبرات وتجارب وثقافات الشعوب الأخرى المتطورة ، والدائرة الواسعة التي تحيط هذا الشاعر هي الإنسان ، ومضمون هذه الدائرة هو الذي يحدد شكل الإطار الخارجي شرط ألا ينحدر عن قواعد الشعر المبدئية ، وكل هذه المسؤوليات المحلية والعالمية تستلزم ثقافة عامة واسعة غير محدودة ، فالشاعر المسلح بهذه الثقافة الضخمة هو فقط الذي يستطيع أن يعرف الأرض التي يقف عليها .
* * *
وحين نتحدث عن الشعر الحديث ، لا بد من تفسير موقفنا من لفظة ((الحديث)) : الحق أن هذه الكلمة ساءت سمعتها إلى حد خطير ، حتى أصبح كل إنسان يسمح لنفسه بكتابة سطور نثرية ثم يشطرها.. كلمة هنا.. وكلمة هناك ، لتصبح شعراً يسمى اعتباطاً بالشعر الحديث . وعلينا ألا نكتم أن هذا الشعر الحديث بالمعنى الشائع المغلوط له قد فتح بوابة كبيرة أمام الكثيرين الذين رأوا في هذه الطريقة إمكانية مستعجلة سهلة للركوب على حصان الشعر ، فكانت من نتيجة ذلك فوضى مخزية أساءت إلى سمعة هذا الشعر هذه الإساءة الكريهة ، وحفرت خنادق جفاء بين الكثيرين من القراء والشعراء ، حيث لم تعد نظرة القراء إليه نظرة تحمل من معاني الاحترام بقدر ما تحمل من ابتسامات الاستخفاف والسخرية .
ولهذا ، لا نعني بالشعر الحديث.. هذا الشعر الجامح الفالت من الزمام.. زمام قواعد وأصول الشعر ، فالشعر الحديث ، بالإضافة إلى أنه تسمية زمنية إلا أننا نضطر هنا لوضع الحد الفاصل بين الحديث المجدد ، وبين الحديث الفوضوي . ولهذا ، تراني ، أمتنع عن الحديث عن الشعر العمودي .
إن التعريف القديم للشعر رغم قدمه لا يزال من حيث الشكل صادقاً كل الصدق..
فأولى قواعد الشعر الأساسية في أن يكون موزوناً مقفى ، وقد رأى الشاعر المعاصر بالضرورة وليس للتجريدية ، أن يتحرر قليلاً ضمن إطار القاعدة والقانون فاعتمد شعر التفعيلة.. هذه الطريقة التي تبيح له حق التخلص من عدد التفعيلات المعدودة في البيت الواحد ، والرجوع إلى الطريقة القديمة حين تدفعه الضرورة إلا أن الموسيقى التي تصدر عن الوزن والألفاظ والقوافي هي العمود الفقري للشعر.. فلا حياة ووجود له بدونها . تماماً كجدول الضرب في الرياضيات وكالنوتة في الموسيقى ، وكل قطع صلة بالقديم باسم التجديد هو خيانة للشعر ، لأن الشعر الحديث هو الابن الشرعي للشعر القديم . ولذلك فقطع كل الشرايين التي تربط الابن بالأب ليس من التجديد في شيء ، فالتجديد يعني فهم الضرورة له وهذه الضرورة لا يمكن فهمها ما لم نفهم القديم الذي يثور عليه البعض . وهذا هو الواقع الحزين لكثيرين من الشعراء المعاصرين..
ولكن قضية التجديد لم تكن في يوم من الأيام تجديد الشكل ، بل المضمون الشعري النابع من الحياة الجديدة ، وقضية شعر أم لا شعر .
أما ما هي خصائص الشعر الحديث وما هي قضاياه ، فسنتحدث عنها في محاضرة ثانية ، وإلى اللقاء !


المقال العاشر
عشر سنين

لا أقول : ما لنا والعام الماضي ، الذي كاد يكون عام الرعب ، وكان مصير الإنسانية فيه لعبة في يد لحظة طيش عود ثقاب !
لا أقول هذا ، لأني أنظر إلى هذا العام التاريخي من نافذة أخرى.. نافذة نهاية لحظات الرعب هذه.. نهاية عود الثقاب الطائش.. النهاية المتفائلة التي صلبت أحلام هواة الحرب على ملحمة تجربة كوبا !
ولهذا ، فالعام الماضي ، بكل ما تخلله من رعب – سيبقى في نهاية الأمر لافتة هامة على درب التاريخ ، لافتة تقول : هنا.. انتصر السلام على أخطر حرب عالمية في تاريخ الدنيا !
ولذلك ، لا نشيعه باللعنات ، بل بأمنية ديمومة انتصار السلام ، ولا ننسى استقبال هذا العام الجديد بأمنية الخير والسلام للإنسانية ، لأن هذه الأمنية الطاهرة هي الصلاة السرمدية المقدسة التي تنعكس على أسنان أقلامنا من أبعد نقطة في القلب . ومع أن حديثنا ليس هذا ، إلا أن هذا التمهيد هو ما يزحم القلب والقلم والناس أجمعين . وإلى الموضوع :
هل يلاحظ القراء أن رقم هذا العدد من ((الجديد)) هو أجمل وأعظم ما فيه ؟ لأنه يحمل من المعاني الجميلة الشيء الكثير . نعم ، هذا الرقم هو المهم هنا !
إننا ندخل به باب السنة العاشرة من عمر المجلة . أصبح عمر ((الجديد)) عشر سنين ، وهذا العمر هو عيد أدبي مشهود في عمر الحركة الأدبية في بلادنا ، وهذه الأهمية ليست نتيجة الظروف الراهنة التي تعيشها حركة الأدب والصحافة العربية في البلاد ، ومع هذا لا بد من الوقوف عند هذه النقطة ودلائلها .
في هذا الوقت الذي نحتفل فيه بعيدنا العاشر ، تقوم في الجانب الآخر جنازة أدبية

_______________
* الجديد ، العدد 12 ، كانون أول 1962 .
لا تدعو إلى الإشفاق ! بل إلى السخرية والمصادفات الطريفة ، جميع المجلات أوصدت أبوابها على أوهام أصحابها ، وضبّت بضاعتها واختفت .
ولا يهمنا كثيراً معرفة أسباب موت أو انتحار هذه المجلات.. هذا الانتحار الذي جاء في موعد كاد يكون محدداً ، لا يهمنا الأمر إلا أمر واحد : هو أن هذه الصحف لم تنته لضعف مادي ، فالأموال تنهمر عليها مدرارة من مزاريب السلطات والهستدروت والكيبوتسات بلا عد وبلا حساب . ولكن السبب كما هو واضح إذن انقطاع أسباب الثقة المتبادلة بين هذه المجلات وبين قارئيها.. انقطاع أسباب ثقة أصحاب الأقلام النظيفة بها.. وانقطاع موارد الأدب عند كتابها ، وانقطاع هذه المجلات عن أمل الشعب وثقته ، فإلى متى يحملون سيوف القومية العربية للضحك على ذقون بعض الناس الطيبين الذين يخدعهم لمعان هذه السيوف بعض الحين ؟
وإلى متى يشمِّرون عن سيقان مارلين مونرو ؟ أن لها ساقين اثنين فقط ، ومهما غيّروا انعكاس وجه الكاميرا للكشف عن مناطق أكثر إثارة ، فلن يجيئوا بجديد . ونهدا صوفيا لورين الرائعان ، لو أظهروهما بالتقسيط.. في كل عدد شقفة.. ففي نهاية الأمر ستسقط الصدرية ويبدو النهد بكل مرمره.. وبعدها إلى أين ؟
ومع هذا ، لا ننكر عليهم كل هذا التمتع والمتاجرة بهذا الجمال النادر ، نحن أيضاً نحب الجمال ، ولكن شرط ألا يكون كل شيء ، ولا شيء سواه معه !
لهذه الأسباب ، لعدم ربط مصيرهم بمصير الشعب توصلوا إلى هذه النهاية . هذا سبب فشلهم ، وعكسه سبب نجاحنا أيضاً ودخولنا العام العاشر . إن الذين احترقوا غيرة على ((احتكار)) الشيوعيين للأدب ، وجاءوا لينقذوه من هذا الاحتكار ، أفهمهم الشعب أنه هو الذي يحتكر الأدب ، وكل من لا يفهم هذه الحقيقة الرائعة يُرغم على الفهم ولو بعد حين ! ونحن ، ما دمنا من هذا الشعب ، وكل ما نكتبه ونفعله هو من أجله ، ما دام يفتح قلبه وأذنيه لالتقاط كلماتنا .
ومع هذا ، يستغرب أعداؤنا بسذاجة أو بلؤم أو ((بتياسة)) أحياناً معنى التفاف الشعب حولنا ، وحول ((الجديد)).. الصوت الأدبي الوحيد لشعبنا .
ماذا يريد شعب المليون لاجئ ويزيد من أدبائه ؟
ماذا يريد شعب الأرض المحترقة من أدبائه ؟
ماذا يريد أهل الشهداء وأحفادهم في دير ياسين وكفرقاسم وغيرهما من أدبائه ؟
ماذا يريد شعب تصلب حريته على سطور ورقة ، من أدبائه ؟
ماذا يريد شعب له إخوة أبطال نحروا الليل على صخور الأوراس ، وعلى تراب بور سعيد ، وعلى شوارع بغداد ، ومجاهل اليمن العذراء وغيرها.. والبقية تأتي ! ماذا يريد من أدبائه ؟
بكل بساطة ، يريد أدباً نابعاً من هذه الجراح ومن هذه الانتصارات ، لا نفايات فكرية ضائعة في الهواء ، أو ((تستجدي على أبواب كسرى وأحفاده)) ، أو تغمض جفونها عن كل هذه الهموم !
وكل الصحف التي وقفت في عداء هذا التيار المندفع جرفها التيار وأصبحت مبتدأ ((رحمها الله)) ، أما ((الجديد)) التي لا زاد لها ولا مصدر إلا ما يعطيه الشعب ، وثقته فيها هي رأسمالها ومشعلها في الطريق.. فقد بقيت ، لأن الشعب يريدها.. وكل ما يريده الشعب يُراد !
إننا لا نملك وسائل الإغراء التي تتوفر لسوانا ، ولا ندفع للكتّاب أجراً ، ومع هذا تنحدر الجداول إلينا.. إلى نهر أدب الشعب الصبور ، ومن لا يستطيع السفور أمام الشمس يضع منديلاً ناعماً على وجهه محتالاً على هذا النظام ، ولكنه على كل حال لا ينكمش في زاوية مظلمة.. كما فعل البعض !
*
بعض الكتّاب المؤجرين ، يحاولون ببعض التنمق فلسفة لجوئهم إلى أحضان أصحاب أدب السلطة ببعض الفلسفات البايخة ، فيقولون : ما لنا والسياسة ، إنها خطر وعيب على الأدب !
هذا القول فيه جانب من الصحة غير الجانب الذي يرمون إليه ، وهو أية سياسة هي العيب والخطر ؟ إن السياسة التي توجه أقلامهم هي الخطر على الحياة.. وعلى الأدب ! وليست سياسة حب الشعب !
والبعض ينادي – بحماية الهستدروت وتحت جناحها – بالدعوة الإيجابية في الأدب
أي تصوير الجانب الإيجابي في حياتنا ! وهذا أمر ناقشناه أكثر من مرة ! والبعض صفيق إلى حد يثير الاشمئزاز ، فقد قال (كويتب) مغرور في محاضرة ألقاها لليهود في نادٍ للهستدروت : إن الكتّاب الشيوعيين يستلهمون من الكرملين ! للمعلومية نقول إن هذا الصفيق كان يحمل مرة مسدساً ، أي.. ذنب ، ولهذا لا حاجة إلا لقول شيء واحد : لو قال هذا الكلام أمام من يعرفونه من العرب ، لكانت كل الأحذية تقلب في وجهه ، ولكن نادي الهستدروت ستره !
والبعض الآخر.. يكتب لكسب اللقمة ، وحين يتحول الأدب إلى وسيلة للكسب.. أي كسب ، أما اللقمة أو الجاه ، فقل : هذا قلة أدب !
إن قصة أكثر هؤلاء لا تختلف عن قصة ((قرد بوذا)) !
*
وبعد ، هل تبقى لهؤلاء قائمة عند شعبنا الذكي المجرب الذي وجد نفسه معكوساً على صفحاتنا بكل نقاء ؟ وهل يتطاولون على خداع شبابنا الذي لا يعرف تراثه وأدبه وماضيه وأمل مستقبله إلا على صفحاتنا ؟
إن التجربة والزمن أدق غربال ، وها نحن نراه بعد فترة قصيرة جداً يفضح الزؤان . وتبقى ((الجديد)) وحدها.. حصاناً وحيداً في الميدان ، ولكنه يقوم بالواجب . فكيف إذن لا نعيِّد سوية اليوم.. عيد أدب الشعب.. عيد سيفنا الفكري.. عيد ((الجديد)) العاشر . عشر سنين من عمر الكفاح الأدبي قضت على كل من حاول عرقلة هذا الكفاح وإبعاد القراء عنه . ولكنا بقينا رغم كل الجهد . واليوم ندخل عامنا العاشر في عرس أدبي ، وغيرنا يسير في جنازة ، لأنهم حاولوا خداع الشعب ولكل نفس جزاء ما فعلت !



المقال الحادي عشر
العرب
والمسرح الإسرائيلي

سواء كنتَ من رواد المسرح ، أو لم تكن ، وسواء كنت من المتتبعين لأخبار المسرحيات التي تعرض على مسارح البلاد ، أو لم تكن فإنك تعرف هذه الحقيقة : فراغ المسرح الإسرائيلي من العرب.. وحياة العرب !
والفراغ هنا ، يعني كل ما لهذه الكلمة من مدلولات ومعان . وهذا الفراغ نفسه يتخذ أكثر من شكل :
الفراغ الأول.. عدم ظهور شباب عرب على خشبات هذه المسارح .
الفراغ الثاني.. عدم ظهور مسرحيات عربية عليها .
الفراغ الثالث.. عدم انتقال المسرحيات إلى النظارة العرب في أماكن عربية .
الفراغ الرابع.. عدم ظهور الحياة العربية ، في مسرحيات عربية أو غير عربية على هذه المسارح .
والفراغ الخامس.. عدم تصوير أية إشارة أو لفتة عن حياة الشعبين المشتركة في هذه البلاد ، وما عكسته هذه الحياة من تأثيرات إذا كانت ، أو من أفكار وآراء وظروف جديدة .
ومع أننا لم نلتفت إلى هذه القضية إلا مؤخراً ، إلا أن الملاحظ هو أن هذه القضية تشكل مكاناً من الخطورة والأهمية.. وخطورة هذه القضية تصبح أكثر حساسية وعمقاً إذا ما استمرت حلقات هذا الفراغ بالاتساع ، وسدل الستار عن العرب وحياتهم وكل ما يتصل بهم !
ولعل مكاناً كبيراً من أهمية هذه المسألة تحتله حقيقة عدم وجود مسرح عربي في البلاد . والواقع ، أن هذه المسألة هي من أعقد المشاكل الثقافية العربية في بلادنا .

_______________
* الجديد ، العدد المزدوج 1-2 ، كانون الثاني/شباط 1963 .
وهذا النقص الفاحش أو العدم القاسي ، يخسر أبناء شعبنا عنصراً هاماً من عناصر التعبير الفني المتحرك عن حياتنا وقضايانا ، ويخسرنا سلاحاً من أسلحة كفاحنا الفني ، يتجند في المعركة إلى جانب الأدب والصحافة .
ورغم كل الصعوبات الفنية والسياسية التي تعترض سبيل ميلاد هذا المسرح ، إلا أنني أرى أن الوقت قد حان.. متأخراً بعض الشيء على ميلاد هذه المبادرة الحساسة . فمن المحزن والمعيب أن تنتحر مواهب لا بد وأنها موجودة ، ولكنها خام لا تعرف طريق اتجاهها.. وأملها.. ومستقبلها !
فلتكن هذه الكلمة ، وليكن هذا التحقيق دعوة جادة صادقة إلى جميع المؤسسات والنوادي العربية المعنية بالأمر ، لتعمل رغم كل المشقات في هذا السبيل .
ولكن هذا كله ، لا يبرر موقف المسرح العبري الذي أستطيع نعته باللامبالاة بقضية وثقافة العرب . إن هذا الموقف يضعه أسيراً لعلامة استفهام . وسواء كان هذا الموقف مقصوداً – وأرجو ألا يكون – أو صريعاً لأسباب فنية . منها عدم فهم اللغة العربية ، فلن تكون هذه الأسباب مبرراً قوي الإقناع لهذا النقص الفظيع . ولهذا أستطيع اتهام المسؤولين المسرحيين بنقص المبادرة الجادة لتصوير الجانب العربي في هذا المجال الفني .
وأستطيع أن أقول إن هذا النقص هو أحد المظاهر الكثيرة الثقافية المتأثرة ، من بعيد أو قريب ، بالطابع الإسرائيلي الرسمي في موقفه من العرب ، الذي يرمي في سلة المهملات الثقافة العربية والقضية العربية .
وهذا النقص أو العدم لم يكن من جانب المسرح فقط ، بل من جانب الأدب العبري أيضاً.. فنادرة هي اللفتات الأدبية العبرية التي تنظر إلى الشعب الآخر الذي يعيش على هذه الأرض . وإذا ما التفتت – واللفتات هي دائماً صحفية – فإنما تجيء غالباً لتشتم هذا الشعب.. وتملأ رؤوس اليهود بالسموم عنه .
ولهذا ، من أجل تخفيف مفعول هذا السم.. الذي تبثه السياسة الرسمية وأبواقها ومن أجل التأثر والتأثير بالثقافة العربية الخالدة بالقيم الإنسانية ، ولتقريب قلوب شعبي البلاد ، لا بد من خطوة جذرية أساسية.. هي : اطلاع الشعب اليهودي على
ثقافة العرب التي أثرت على الفكر الغربي والعالمي أجيالاً طويلة .
والشرط الأساسي هو أمانة النقل واختيار .
والخطوة الثانية على هذه الطريق هي عرض صور عن الجذور المشتركة العميقة لحياة هذين الشعبين في التاريخ ، وتعاونهما في أسبانيا مثلاً ، لنسف كل المفاهيم المسمومة .
والمسرح ، أسوة بباقي أدوات التعبير يستطيع أن يشارك في هذه المهمة الشريفة .
فهل قام حقاً.. أو حاول القيام بهذا الواجب ؟
سألت المخرج الموهوب في المسرح البلدي في حيفا.. السيد يوسف ميلو :
- لماذا لا تمثلون مسرحيات عربية على مسرحكم ؟
- أجاب : الواقع أننا فكرنا بذلك ، ولكن المشكلة أننا لا نعرف العربية ولم يتقدم إلينا أحد بهذا الطلب . ومع هذا ، فقد اخترنا مسرحية مكتوبة بالفرنسية لكاتب عربي من لبنان هو جورج شحادة ونحن في انتظار موافقته . بالرغم من هذا لا أنكر هذا النقص..ولكننا نبحث عن مسرحيات عربية الآن وقال السيد ميلو: جميع المسرحيات التي مثلت على مسرحنا ليست مسرحيات محلية لأن هناك أزمة في كتابة المسرحيات . ونحن لا تهمنا قومية الكاتب.. بل جودة المادة ! وسألته عن رأيه بإقامة مسرح عربي في البلاد.. فقال بحماس : إنه مستعد بكل الإمكانيات لمساعدة إقامة هذا المسرح بالتدريب وغيره.. ومستعد لجمع التبرعات له أيضاً . ولكن المهم قيام هذه المبادرة في الناصرة مثلاً..
وقال : يجب إقناع البلدية وتقديم المساعدة .
وسألته : ولماذا لم تعرضوا إحدى مسرحياتكم في الناصرة أو أي بلد عربي آخر؟
- إني أؤمن ببقاء المسرح في مكانه ، وعلى الناس أن يزوروه.. لا أن يزور هو الناس . ثم إن مسرحنا لا ينتقل إلا إلى مسرح الكاميري في تل أبيب .
- وهل تقبل شباباً عرباً موهوبين للتمثيل على مسرحكم ؟
- بكل رغبة ، شرط أن يكونوا ذوي مواهب .
وقبل أن أترك المخرج ، أعطيت له قائمة ببعض المسرحيات العربية ، فوعد
بالاهتمام بها .
*
ومن المسرح البلدي في حيفا ، سألت الممثلة السيدة نافا شان :
- هل ظهرت على المسرح أمام العرب ؟
- مرة واحدة ، في الناصرة ، في مسرحية ((حب كهذا)) عندما كنت أعمل في مسرح زفيت . وأضافت : كانت المبادرة من المسرح نفسه ، ولم يكن لنا اتصال مع أحد هناك .
- وهل نجحت المسرحية هناك ؟
- ليس كثيراً ، وكان عدد الحضور قليلاً.. لأنها كانت للناس ((الرسميين)) في الناصرة . وقد مثلت في قاعة جمعية الشبان المسيحية.. وأقول لك : إننا كنا أكثر اهتماماً من النظارة أنفسهم ، لأن جماهير الناصرة لم تحضر ، بل الرسميون كما قلت لك .
- وهل ترغبين بالظهور مرة أخرى ؟
- إذا دعيت ، فبكل سرور .
ولكن دعني أقول لك إنه إذا خرج المسرح بكامله فلن ينجح البرنامج من الناحية الفنية .
- وكيف تسافرون إلى الكيبوتسات مثلاً ؟
- بعض الممثلين.. وليس المسرح بكامله .
ووضعت نافا أمامي هذا السؤال : إلى أي حد يعنى العرب بقضية المسرح ؟ وقالت إن القضية هي قضية تنظيم ، فعلى المنظمات أن تدعو بعض الممثلين لترتب معهم الأمر .
واقترحت الممثلة تنظيم فرق تمثيل في الأماكن العربية ، وهي مستعدة لتدريبها .
وقالت : إذا أعجبتني مسرحية عربية فسأمثلها .
قلت : المهم أن تبحثوا عنها إذا كنتم مهتمين الأمر !
قالت : دلني على مسرحية محلية .
- ومن قال لك إن عندنا مسرحيات محلية . إن الأزمة ليست عند الكتّاب اليهود فقط ، بل عندنا أيضاً . ثم ، لا تنسي أن عمر أدبنا سنوات قليلة . أنا أقصد المسرحيات العربية خارج الحدود التي ترجم بعضها إلى أكثر من لغة وبعضها مثّل على مسارح عالمية بنجاح .
كنت أجري معها هذا النقاش ، عارفاً أن الأمر لا يتعلق بها ، بل بالمسؤولين والمخرجين ، ولكن ، من الجميل أخذ رأي الممثلين أيضاً .
ولهذا بحثت عن الممثلة حانا ميرون ، فقالوا : إنها مريضة .
واتصلت بالممثلة حانا روبينه تليفونياً ، فلم توافق على المقابلة الصحفية.. ولم يعجبها موضوعها ، قائلة : هذا ليس من اختصاصي ، اسأل الإدارة إذا شئت ! لأن المسرح هو الذي يقرر.. لا أنا ، إنني أذهب إلى أين يبعثون بي .
قلت ضاحكاً : هذا صحيح ، ولكن ما رأيك أنت ؟ هل ترغبين بالظهور أمام الجمهور العربي ؟
وفهمت الاستفزاز في سؤالي ، فردته بسخرية : ما هذا السؤال ؟ إن جميع المواطنين متساوون !
وقلت لها : سأنشر ما قلت !
فأجابت : ما دمت ستنشر قل إذن إنني أحب الظهور أمام العرب..برغبة كبيرة !!
والممثلة حانا روبينه ، تعمل في مسرح ((هبيما)) في تل أبيب .
ومن المسؤولين في ((هبيما)) الممثل شمعون فنكل .
والسيد فنكل يدعي أن سبب عدم ظهور ((هبيما)) عند العرب هو اللغة ، وعدم التوجه من العرب . ويقول ليس هناك من سبب سياسي .
- ولكن كل الشباب العرب يجيدون العبرية .
- لا أعرف هذا !
ويهرب فنكل مضيفاً سبباً آخر.. هو أن الأقلية العربية لا تستطيع شراء التذاكر وصعوبة استئجار القاعة..والمصاريف. ورغم هذا فإنه مستعد للمجيء إذا دُعي .
وعن تمثيل المسرحية العربية يقول : إنها قضية صعبة.. خاصة ، أننا لا نعرف
العربية . نقترح أن تبعثوا لنا بمسرحية عربية .
_ ألم تحاولوا أبداً ؟
كلا !
أليس هذا يدل على نقص المبادرة من جانبكم ؟؟
ربما !
لنفرض أنكم مثلتم مسرحية عربية ، فهل يتقبلها الجمهور اليهودي ؟
إذا كانت مهمة يقبلها ، بغض النظر عن أن كاتبها عربي . المهم أن يكون الإنتاج إنسانياً .
وفنكل يعد – كالسيد ميلو – بتقديم مساعدة فنية إذا كانت هناك بادرة لإقامة مسرح عربي .
- وهل تعتقد أن الحكومة ستساعد ؟
- إن للعرب حقوقاً لإقامة هذا المسرح . أما الحكومة فلا تساعد المسرح العبري بشكل جدي وكبير !
*
وفي تل أبيب ، مسرح كبير هو ((الكاميري)) ، و ((الكاميري)) أيضاً ((بريء)) من كل ما هو عربي ، ومن كل ما يتصل بالعرب .
والسيد جرشون فلوتكين.. الممثل والمخرج يوافق على أن تمثل مسرحية عربية في غاية الأهمية لأن الشعبين يعيشان في البلاد .
ويعترف بأنهم مقصرون بمسألة البحث عن مسرحية عربية..
وقال إنهم وجدوا مسرحية عربية مكتوبة بالفرنسية للكاتب جورج شحادة .
وقلت له : إن شحادة ليس عربياً في أدبه ، فهو لا يؤمن كثيراً بالأدب العربي وقد قال مرة إنه لا يقرأ شيئاً للشعراء العرب المعاصرين !
فأجاب : لهذا السبب ، لم تعجبنا المسرحية ، لأنها ليست عربية .
وأعطيته أسماء مسرحيات عربية ، أكثرها لتوفيق الحكيم ، وطلب مني مساعدته
بالعثور على مسرحيات أخرى هامة ليختار منها .
وقال فلوتكن : إن كاتباً يهودياً قدم مسرحية عبرية تتحدث عن العرب ، ولكنه لم يكن ناجحاً .
- من أية ناحية ؟
والواضح لي ، أن السيد فلوتكن لا يحب الحديث ، ويتحدث باختصار غريب كأنه يبيع الكلام بيعاً . فقال : هذا الكاتب لم يفهم المشكلة فهماً كاملاً !
وكزميله ، يعد بالمساعدة ، بكل ما يستطيع لإقامة مسرح عربي ، وقال إنه تحدث مع بعض العرب حول هذا الموضوع .
وكزميله أيضاً ، يوافق على قبول شباب عرب موهوبين على المسرح ، وأخبرني أن شاباً عربياً قد درس فن الإخراج مدة عامين عندهم .
أما سبب عدم ظهور ((الكاميري)) عند العرب ، فيقول فلوتكن إنه اللغة !
*
أخيراً ، لا بد من الإشارة إلى أن مسرحاً واحداً قد عرض صوراً عربية هو ((الحمام)) ، ولكنه أثار انتقاداً من البعض كان عنيفاً ، ومن البعض كان خفيفاً لأنه لم يعرض الصورة صحيحة وأمينة .
قال لي زميل يهودي : لو كانت الصورة التي قدمها عن العرب صادقة ، فلماذا لم يعرضها أمام العرب ؟ لعل هذا السبب هو الذي حال دون ذلك .
قد يكون هذا صحيحاً ، ولكني لم أسمع رأي صاحب ((الحمام)) السيد دان بن أميتس ، لأنه كان غائباً عن تل أبيب أسبوعاً كاملاً ، عندما كنت أعد هذا الحديث .
وبعد . لعل هذه المبادرة القلمية الأولى منا للالتفات وإثارة هذا الموضوع ، تجد لها صدى جاداً عند المهتمين به .
ولعل المخرجين والفنانين اليهود ، يحسون للمرة الأولى ، أن أعيناً وأقلاماً تراقبهم بعتاب ناقد ، فيبحثون بجدية أكثر عن موضوع عربي... ويجدون لنا.. لحياتنا.. لثقافتنا.. لوجودنا.. لمآسينا ، مكاناً على المسرح الإسرائيلي ، فيساهمون مساهمة فنية فعلية ، بإكمال الهدف الاجتماعي الملقى على أكتاف خشبات المسرح
بما يتعلق بالعرب.. نحن في الانتظار !


المقال الثاني عشر
ناظم حكمت..النشيد الخالد

ليس رثاءً هذا الحديث ، لأنه عن شاعر فوق الرثاء.. وفوق البكاء.. وفوق الموت لأنه هو الذي قال :
ليست الحياة ضرباً من مزاح
ستموت ، وأنت تعرف أن لا أحلى
ولا أكثر حقيقة من الحياة .
لا.. لا تؤمن بالموت.. ولو رهبته !
فهل أمام طاقة هذا الحب العملاق للحياة.. أمام هذا التحدي الشجاع للموت.. وأمام هذا النشيد الذي لا ينظر إلا إلى الأعلى ، يحق لنا أن نرثي هذا الرجل الذي كان في حجم الدنيا حياً ، وسيكون في حجم التاريخ غداً ؟
قبل أيام ، قالت أنباء الدنيا : مات ناظم حكمت . خرّ النسر الآسيوي الذي عرف كل أدواح الأرض وقممها ، ولم تطفئ في جناحه حرارة التحليق والعودة إلى دوحته التركية التي ردته عنها الغربان التي لا تزال تحملها سخريات التاريخ .
قالت الأنباء : مات ناظم حكمت . فلم نبكِ عليه لأن الموت الذي يخطف من الإنسانية رجالها ، يرتد مفتت العضلات أمام ما يتركه الرجال .
ومن هنا ، سر عزاء الإنسانية السرمدي بذهاب أبنائها الأفذاذ . وناظم حكمت.. هذا النشيد الشاب إلى الأبد رغم كل متطلبات الشيخوخة ؛ هو أحد الرجال غير الكثيرين الذين تحبل بهم الإنسانية في فترات من الزمن مشهودة.. ويبقى ما يفعلونه وما يعطونه للإنسانية حياً باقياً يتحدى كل جبروت الموت .
ومن هنا ، إن هذا الحديث ليس رثاءً.. وليس دموعاً على رجل فوق الرثاء وفوق الدموع .. بل هو وقفة خشوع .. وذكرى .. وإعجاب .. ومراجعة لحياة نشيد يؤلف

_______________
* الجديد ، العدد 6 ، حزيران 1963 .
وحده تاريخاً كاملاً.. وُلد منذ مطلعه مع الناس.. وقاده هذا الدرب إلى أكثر من زنزانة فما انطفأ ، لأن العاصفة لا تحشر في قنينة . وكان ناظم حكمت هو العاصفة.. والقنينة هي سجون السلطات التركية . وظل هذا النشيد يعلو على كل المنابر.. ويتقدم الصفوف حراً بألف جناح .
إنها ليست عجيبة في مثل ذلك النظام.. نشيد يفتح قلوب الناس.. قلوب الملايين.. يفتح في الوقت ذاته أبواب السجن لصاحبه ، ولكن ، لا بأس ما دام الشاعر يحمل الرسالة.. لا يعنيه إذا احترق ما دام النور سيخرج من الظلمات . ومن هنا ، نعثر على مفتاح السر عند ناظم حكمت .
*
الرجل تركي.. تحمل عيناه لون بسفور بلاده .
القامة طويلة والبنية قوية.. تحمل أنموذج الرجل المنبثق من عزة آسيا .
في مطلع شبابه.. في الرابعة عشرة التحق في مدرسة البحرية التركية.. وكتب الشعر .
وفي مطلع هذا الشباب أيضاً اشترك في حركة تمرد البحارة.. وكان أول جزاء له طرده من المدرسة .
في عامه العشرين هرب من تركيا مضطراً بعد أن أثارت قصائده السلطات وبعد أن اشترك في الكفاح الجماهيري للتحرر من الاحتلال .
وقصد موسكو.. المنارة الوحيدة في ليل ذلك التاريخ الذي كان يقف على عتبات انفجارات شموس وكواكب .
وعنها قال :
((كل ما كنت أعرفه عن تلك البلاد العظيمة – إلى أن زرتها – كان شيئاً بسيطاً.. إنها معلمتي الأولى ورفيقتي الأولى ، لقد وصلت إلى هناك عندما كانت الأمواج تعصف بالسماء ، وفي وقت دفع فيه سدس الكرة الأرضية عجلة التاريخ إلى أمام دفعة قوية جارفة)) .
وعن هذه المنارة.. قال شعراً : هناك الأبيض والأسود والأصفر متساوون .
هناك ذهب عهد ظلم الشعوب للشعوب
واستغلال الإنسان للإنسان
ولم يبق غير العمل المجيد
فأين يمكن أن يكون الإنسان حراً هكذا ؟
وهناك أيضاً :
حيث شمس السعادة
تنساب من خلال النوافذ
هناك حيث الشعب هو مبدع الحياة
ليس هذا كل ما أثر فيه في موسكو ، هناك التقى وتصادق مع الشاعر العملاق ماياكوفسكي ، فتعلّم عنه الكثير.. وأخذ ينهج نهجه المجدد في الشعر بطابعه الخاص المستقل .
ولكن كل السعادة هناك ما أنست هذا العصفور المهاجر حنينه إلى عشه التركي . وفجأة.. غادر موسكو عائداً إلى تركيا .
وعاد النشيد أكثر حرارة وزخماً وصفاء ، وأصبح زلزالاً يريد قلب الأرض التركية على ظالميها...
ومرة أخرى.. عاد أعداء النشيد إلى التجربة الطائشة.. محاولة حبس العاصفة في قنينة .
وكان ناظم حكمت هو العاصفة.. والقنينة هي سجون السلطات التركية .
ومرة أخرى.. عادت العاصفة إلى مداها.. إلى انطلاقها.. ولكن إلى المنفى هذه المرة.. إلى الإتحاد السوفياتي .
ومرة أخرى.. عاد النشيد إلى أصله مطعماً بالقوة والتجربة والانطلاق .
ولكنه قبل أن يهبط من الباخرة.. قبل أن يلامس الأرض التي من أجلها لاقى كل هذا.. وهو لا شيء في نظر تمرده الحاد.. عادت السلطات التركية إلى تجربتها السابقة الطائشة : حبس العاصفة في قنينة !
ولكن هدير هذه العاصفة الذي كان يسبقها ويحرك قلوب الشعب التركي بالغضب
والهدير أيضاً.. أرغم السلطات على الارتداد عن محاولتها الحمقاء.. فأفلت النشيد حالاً من عقاله المهزوم .
وكان أمام ناظم حكمت أحد اختيارين :
إما أن يمضي بالرسالة التي حملها ، إلى أبعد هدف.. وللوصول إلى هذا الهدف عليه أن يمر في طريقه على السجن والزنزانة والعذاب.. تماماً كالفولاذ قبل أن يفولذ يعبر الأتون .
وإما أن يسلم وحده ويرتاح ، بعدما يرمي الرسالة في وحل الهزيمة.. وبعده الطوفان . ولكن ناظم حكمت هو القائل :
سنضرم النار في هذا الدجى
ونجعل من شعر رؤوسنا وقوداً لها
وبرؤوس أولادنا..
نحطّم سدود الظلمات .
دعني أحترق فأستحيل إلى رماد .
فإن لم أحترق أنا
وتحترق أنت
ونحترق نحن
كيف يخرج من هذه الظلمات نور ؟
إن الشاعر الذي يهدر بهذا اللحن الصاعد على الشوك.. لا يبيع الرسالة بألف باقة ورد .
وهكذا كان..
وظل هذا النشيد يزخ الحرارة والغضب والأمل المتفاني في صدور الشعب التركي.. حتى صار يقدم للمحاكمة بعد كل لحن .
وقدِّم للمحكمة العسكرية.. وبعد جلستين سريتين.. صدر الحكم : 28 سنة في السجن .
ومرة أخرى تصوّرت السلطات التركية بأنها حشرت العاصفة في قنينة !
وفي السجن أضرب عن الطعام ثمانية أيام.. وما كان وحده ، عندما فعل في الأرض ما يفعل الزلزال.. حرك الدنيا.. وأثار ضمير العالم كله :
هناك.. في الشرق.. في آسيا.. في بلاد البسفور.. شاعر يحتضر ، وكل ما فعله من خطيئة أنه أحب بلاده !!
ومرة أخرى.. مضافاً إلى ضغط العاصفة ضغط ضمير العالم الشريف ، انطلق من السجن النشيد التركي الكبير : أطلق سراح ناظم حكمت الذي ما خفت هديره حتى عندما كان يعاني أقسى ما يعانيه الإنسان : في الزنزانة المظلمة.. وفي اليوم الخامس من إضرابه عن الطعام كان يغني.. نعم.. كان يغني ، ولا تتصوروا أنه كان يبكي ويتألم ويشكو في هذا الغناء.. كان غناء بحتاً صافياً سعيداً . نعم ، كان سعيداً لأنه كان في أقسى امتحان مع إنسانيته ورجولته وبطولته . نعم ، كان بطلاً . إن النشيد البطل هو الذي لا يبكي عندما تنغرز الشوكة في قلبه . إن النشيد البطل هو الذي لا يتحرى الانكسار في الدمعة ، بل يرى حبة الضوء المتلألئة فيها . إن النشيد البطل هو الذي لا يرى نهاية حياة في قطرة الدم الساقطة.. بل بداية الحياة في كحل عين الفسق !
ومن هنا ، قال ناظم حكمت ، وأعيدها : في الزنزانة المظلمة ، وفي اليوم الخامس من عمر إضرابه عن الطعام هذا النشيد البطل :
رفاقي ، إذا لم أستطع أن أعبّر لكم بوضوح
عما أريد أن أقوله ، فلتغفروا لي يا رفاقي
لأنني ثمل ، وأشعر بدوار خفيف
لا من أثر الخمر
ولكن ، من أثر الجوع .
*
رفاقي !
في أوروبا ، وآسيا ، وأميركا
أنا لست مضرباً عن الطعام في حجرة السجن
ولكنني مستلق على العشب في هذه الليلة من مايو
وعيونكم تتلامع فوقي مثل النجوم .
وتصافح أيديكم جميعها قبضتي
مثل يد واحدة .
مثل يد أمي
مثل يد حبيبتي
مثل يد محمد .
*
رفاقي !
إنكم لن تتركوني وحيداً أبداً
ولن تنسوني
ولن تنسوا وطني وشعبي
لأنكم تحبوننا كما نحبكم
ونحن نشكركم يا رفاقي
*
رفاقي !
لا أريد أن أموت
ولكنني لو قتلت
فأنا أعلم
أعلم أنني سأبقى حياً بينكم
حياً في قصائد (أراغون)
في كل قصائده التي تتغنى بالأيام السعيدة
حياً في حمامة (بيكاسو) البيضاء
وفي أغاني روبسون
والأبهى من ذلك
أنني سأبقى حياً في ضحك رفاقي الظافر
شغيلة مرفأ (مرسيليا)
*
رفاقي !
الحقيقة أنني سعيد إلى أبعد حدود السعادة !
... وظل النشيد لا يرنو إلا إلى الأعلى ، وظل هذا الرنو الصاعد يهبط الخوف في قلوب الغربان.. أعداء النشيد .
وظلت العجلة تدور.. تدور . وظلت النسبة الطردية قائمة بين النشيد والسجن . إن كل خطوة يخطوها هذا النشيد في طريق الثورة والتمرد وحب الوطن.. تتناسب نسبة طردية مع طريق السجن ، والعودة إلى الجوع والمرض .
ومرة أخرى.. طار من الشرق ، من آسيا.. من خليج البسفور.. نسر مهاجر إلى الاتحاد السوفياتي بعد أن سلخ من عمره ثلاثة عشر عاماً في سجن الغربان ، ما زادت جناحيه إلا قوة تحلق لارتياد آفاق أبعد ، على أن يعود مع الربيع العائد إلى الأرض التركية . لكنه ما عاد.. لقد بقيت الشوكة تنهش قلبه وهو أعلى قمة وكبرياء الجرح العظيمة تمنعه من صب الدمع الذي كان يجب أن يكون.. لأنه انطفأ وما عاد الربيع إلى تركيا.. لقد كان فيه العزاء وإن كان هو بعيداً عنها . أكاد أحس في قلبي غصتين كانتا في قلبه ، عندما أغمض جفنيه على لون البسفور آخر إغماضة : لا بأس أن يموت بعيداً لو عاد إلى بلاده الربيع . أو لا بأس أن يموت في بلاده وإن كان فيها الخريف ، لأنه يعبدها على أي حال .
*
بعد 62 عاماً ، انتهت حياة ناظم حكمت الرجل . إنها حقيقة رغم كل قسوتها .
ولكن هل ينتهي ناظم حكمت الشاعر ؟
مليون كلا وأكثر !
لقد كان شاعر الحرية.. والحب.. والسلام .
ولكن ، ما هو سر بقائه ؟
قبل هذا ، علينا أن نرى سر الألم والصراخ والوجع في أشعار ناظم التي مسحت وميزت أقانيمه الثلاثة . إن حياة ناظم نفسها كانت معجونة بهذه السمات كما رأينا من ملحمة حياته .
الرحيل عن بلاده التي قد لا يعود إليها.. وفعلاً ما عاد !
زوجة بعيدة حرم من رؤيتها .
ابن بعيد حرم من رؤيته .
من هذه الذكريات الثلاث : الوطن ، الزوجة ، الابن ، كانت أسنان الشوكة تمتد إلى قلبه فيتوجع ويصرخ .
وهكذا ، امتزجت تجربته الشعرية بحياته نفسها .
وليس هذا كل شيء . إن ناظم لم يكتب عن حياته نفسها فقط ، بعبارة أخرى لم ينغلق على ذاته .
مزج ألمه الذاتي.. طموحه الذاتي.. مع الآخرين.. مع الإنسانية كلها ، أي ربط ذاته ومصيره مع ذوات ومصائر الجميع.. فأصبح شاعر الجميع . ومن هنا كان شاعر الحرية والألم الإنساني في كل نقطة على الأرض ، إن كل قطرة دم يسقطها إنسان ما على وجه الكرة كانت تزلزل قلب ناظم ، ولذلك كان صديق الشعوب . فكتب عن بور سعيد ، عن إسبانيا ، عن اليونان ، عن إيطاليا ، عن اليابان ، عن الزنوج ، وعن كل هزة تريد أن تبدل ما هو قائم وتبني الجديد .
ولكنه ، مع كل هذا الاتساع والشمول ، ما ضيّع عنوانه ، وما فقد هويته !
بقي ناظم حكمت.. الإنسان التركي . أحب وطنه أكثر من حب.. عبادة . وتحمل في سبيل هذا الحب كل هذه الصلبان ، وضحّى . وعندما تمتزج العبادة بالتضحية تصبح شيئاً أقل ما يوصف به هو الجبروت.. تصوروا : ثلاث عشرة سنة في السجن صابراً باسماً فوق كل الجراح.. مضرباً عن الطعام ثمانية أيام وهو مريض في القلب.. مشرداً لاجئاً كل حياته وكل ذنبه أنه يحب وطنه ! لا نستغرب أن حب الوطن في نظر الرجعيين جريمة ! لأن حب الوطن معناه أن تكره أعداء الوطن.. أن تقضي على أعداء الوطن :
ومن هنا كان أباً لكل أطفال تركيا وابناً باراً شهماً لشعب تركيا أولاً.. وللإنسانية ثانياً .
إن الاتساع الإنساني عند ناظم ملخص في هذه الكلمات :
أنا شاعر الذين ينشدون الحياة
ويبنون الأرض والحديد والنار .
أنا جندي الملايين .
تبقى ميزة أخرى في سر ناظم : هل كانت كل هذه التضحيات.. وهذا التفاني.. وهذا العطاء يملأ قلب الشاعر بالحزن وحده ؟
بالعكس تماماً..
إن الفرح.. والأمل في نهاية المطاف هو الذي كان يملأ قلبه . لأنه كشاعر واع ملتزم مخلص ، لا يحس أبداً بأن يستحق الامتنان من الحرية والناس ، وإلا لخسر الكثير .
إن الشاعر الذي يعي دوره في الحياة هو الذي يرى الأمل قبل كل شيء . وناظم حكمت.. أنموذج هذا الشاعر الواعي.. ظل وهاجاً بالأمل رغم كل الظلام الأسود . لماذا ؟
لأنه يعبّر عن روح الجديد.. عن الهدف الأسمى والمثل الأعلى.. عن الثورة لأنه ربط مصيره نهائياً بمصير الطبقة التي تبني العصر الجديد والحياة الجديدة . لأنه شاعر الطبقة صاحبة الأمل.. صاحبة الغد وصاحبة الحياة . لأنه يرسم أماني أشرف طبقة وأقوى طبقة : الطبقة العاملة :
((إلى الأمام يا قلب
ولا يلوين رأسك إلى الوراء
طريق من زبد الماء ، الذي تركته
مؤخرة المركب المتوجهة نحو الذين تخلفوا !))
و..
((كوكبنا غير محمول
على قرن ثور
إنما هو محمول على يديك !))
إن عذوبة وحلاوة وجمال الأمنية التي ينشدها تنسيه أوجاع الطريق ، أوجاع الشوك المغروس في قلبه ، ولهذا قال : دعني أحترق !
وهذا الشاعر الملتزم المعبّر عن أماني أهل المستقبل ، يثور بالطبع على الاستغلال.. وعلى عدم عدالة توزيع ثروات العالم المقسمة بسبب الاستغلال كالنسبة بين ((لحية برنارد شو وصلعته)) : غزارة في الإنتاج ، وسوء في التوزيع . فقال :
إن الشجرة التي تعطي الرمان مرة في السنة
تستطيع أن تعطيه ألف مرة !
وقال أيضاً :
في هذا العالم الذي تزيد غلاته
على عدد كواكبه
أنا جائع !
وأيضاً :
الأهراء موصدة الأبواب
الأهراء تغص بالقمح
والأنوال بمقدورها أن تنسج الخز والحرير
حتى لتفرش درباً من الأرض إلى السماء
هذا ، والناس حفاة !
*
ومن الحرية والألم والأمل والإنسانية.. إلى الحب .
حتى الحب عند ناظم حكمت له طعم خاص.. ورائحة خاصة.. وجمال خاص . حين تقرأ قصائده في زوجته تحتار في تسميتها . إنها ليست غزلاً كالذي نعرفه . إنها حب وكفى ، حب واسع كبير ، يجمع فيه بمادية مغردة ، حب الأرض والوطن
والطفل والزوجة والناس والسلام ، فيرتفع به من المستوى الذاتي الضيق إلى المستوى الإنساني العالمي . وهذا أيضاً من تأثيرات حياته نفسها . فزوجته بعيدة عنه لأسباب سياسية عامة . إنه لم يتعمد هذا الامتداد الإنساني الشامل تعمداً.. بل جاء ببساطة وعفوية مذهلة ، لأنه شاعر . يكتب إلى زوجته :
الصيف ولّى هازئاً بي
مصعداً صرخات مجنونة
فلم يتسن لي أن أحمل إليك
باقة من بنفسج
ما حيلتي.. ما حيلتي
كان الأصدقاء جياعاً
وأكلنا بثمن البنفسج
كان معه مبلغ من النقود مخصص لشراء باقة من البنفسج لحبيبته ، ولكن أصدقاءه جائعون . هل يتركهم لجوعهم أم ينقذهم بثمن البنفسج ؟ إنه لو ضحّى بباقة البنفسج لن تخسر حبيبته شيئاً إلا هدية جميلة ، ولكن أصدقاءه الناس سيتعذبون وهو الذي يرى أن القصيدة هي : حذاء يمكِّن الناس من السير دون أن تطال الأوساخ أقدامهم ، وهي مركب ينقل القبطان على ظهره الناس من ضفة إلى أخرى نحو المرافئ المشمسة ، وهي وصفة تتيح للناس العناية بمرضاهم .
فماذا كانت النهاية ؟ قصيدة أجمل من عقد البنفسج تدخل الدفء إلى قلوب الناس .
*
وبعد ، هل عرفنا سر ناظم حكمت شاعر الحب والحرية والسلام . ألأنه كان إنساناً مناضلاً.. صابراً متفائلاً.. سياسياً نشيطاً.. ورجلاً شجاعاً ؟
السبب هو أنه حوّل النضال والصبر والأمل والسياسة والشجاعة إلى فن جميل . كان أكثر من شيء.. ولكنه فوق كل شيء كان شاعراً.. كان فناناً !..


المقال الثالث عشر
إلى.. الذين لا يموتون
..

شاء التاريخ ، يا رفاقي أن تكتبوا حروفه بالدم فكتبتم !
وشئتم أن تدخلوا التاريخ من أروع أبوابه فكان لكم ما شئتم !
فما هذه الأواصر والقربى التي تربطكم بالتاريخ يا رفاقي ؟
أهمها.. أنكم تريدون أن تنظفوا التاريخ.. أن تغيروه ، أن تملكوا عنانه ، تعيدوا صنعه من جديد ، فهل أنتم قادرون ؟
وهل هذا الأمر معجزة ؟
أما أنكم قادرون ، فخريطة هذا العصر الذي ملك رفاق لكم ثلثه ، وأوقفوا باقي الأرض أمام هذا الحلم الذي أصبح علماً لا وهماً.. وحقيقة لا رغبة غائمة ، فهي الشهادة العملاقة لكم يا رفاقي !
وأما أن الأمر معجزة.. فلا .
وأما أنه في غاية السهولة.. فلا أيضاً !
ولكن ، من قال إن الطريق السهل هو الطريق الذي يليق بأقدامنا أن تسير ؟ ومن قال بوجود المعجزة أيضاً ؟
ومن هنا دفعتم الثمن الأغلى.. الذي لا يقدر ولا يعوض إلا بالثمر النادر الذي يعطى للأجيال الطالعة ولو بعد عمر معمر !
فهل تموتون حقاً يا رفاقي . إن كنتم تعطون لنا الحياة ، خسئت الحياة إن كانت تحسب بالأرقام !
*
في تاريخنا العربي ، يا رفاقي أكثر من عهد أسود ولكن نهاية كل ليل كانت فجراً منوراً ومنيراً ، وهذه هي حركة التاريخ ، أشد هذه العهود سواداً في رأيي عهدان :

_______________
* الجديد ، العدد 7 ، تموز 1963 .
الجاهلية ، وغزو هولاكو التتري .
فهل يريد الأقزام إدخال تاريخ العرب في القسم الثاني من القرن العشرين إلى جانب هذين العهدين الأسودين ؟
كما عقب النور كل ليلة ، ستكون هذه الليلة آخر وقفات حدادنا يا رفاقي . وأشد ساعات الليل سوداً ما تسبق طلوع الفجر .
ومن هنا ، إنا ما جئنا لنبكي ! لأن كل نواحات العرب لن تروي غليلاً ، ولن تطفئ أوار ما اشتعل في أرض الرافدين الخالدين !
في العراق ثلاثة :
دجلة والفرات.. والرفاق .
فهل تقضي على هذه الحقائق الباقية هذه الثيران البرية المنفلتة من عقالها في غفلة من الشعب ؟!
أنهار العراق.. صارت ثلاثة يا رفاق :
دجلة ، والفرات ، والدم .
وكما خلد دجلة ، والفرات ، سيخلد نهر الدم .
وكما اكتسح دجلة والفرات – توأما الزمان والأبد – كل الطغاة الذين مروا على العراق ، سيكتسح نهر الدم هذا الطراز ((العربي)) من الفاشستية يا رفاقي !
*
هل كتبتم على أنفسكم يا رفاقي أن تكونوا أول من يعتلي مشانق النور ، منذ أن دق أول طبل للكفاح ؟
وهل كتبتم على زوجاتكم يا رفاقي ، أن تحملوهن ألقاب الأرامل ؟
وهل كتبتم على أطفالكم أن يولدوا مع اليتم ؟
وهل كتبتم على أنفسكم يا رفاقي أن تموتوا بلا أكفان.. بلا قبور ، علواً في الحياة
وفي الممات ؟
نعم ، هنا الجواب .
يكفيكم شرفاً .
أنتم شهداء !
أطفالكم أشبال السباع !
وزوجاتكم لبوءات .
ولكن ، هل كتبتم على أنفسكم يا رفاقي ، أن تعطوا دمكم حبراً للصحف ؟.
لا يهم ، إن أول ما وضعتموه في اعتبارات كفاحكم ، وأول حلم لمع في عيونكم هو : أن تمضوا في المعركة ، لا بأس ، رماداً عدتم أم لهباً . لكي يحيا الشعب . يحيا الخبز . تحيا الشمس . تحيا الراية ، حتى ولو على موتكم يا رفاق !
قال شاعركم :
فسارية العلم المستقل بغير يد الموت.. لم ترفع !
صدق الشعر يا رفاقي ، ببراهينكم !
فهل تموتون إذن ؟
*
مثل المحافظ على دينه ، مثل القابض على جمرة !
وهل في هذا العصر أيضاً !
مهما يكن ، إن جمرة دينكم.. الشيوعية يا رفاق ، هي القلب النابض فيكم وفينا فهل تطفأ الجمرة قبل أن يتعطل القلب ؟. ولكنها ليست جمرة واحدة.. ولا ألف.. ولا مليون . إنها قلوب كل عمال وفلاحي الدنيا ، ولهذا فانطفاؤها يعني انطفاء الأرض ! فمن يقضي عليها إلا الزلزلة والقوة الآتية من فوق !!
ومن فوق يا رفاقي ؟ من فوق !
تستطيعون أن تناموا باطمئنان وأمان . إن الذين يحرسون الفضاء ليسوا شياطين ولا أعداء ، ليسوا قوة وهمية علمها عند ربنا . إنهم رفاقكم يا رفاق.. إنهم شيوعيون.. تفوق وانتصار في الأرض والسماء . في الوقت الذي كنتم فيه تصرعون ، كان الرفاق يحومون حول كرتنا أي رمز يكمن في هذه المقابلة ، وأية عبرة ، ولمن الغد.. لمن يا رفاق !
تستطيعون أن تناموا بأمان.. الفضاء لنا أيضاً ، بعدما ملكنا ثلث الأرض وبعدما
بنى الشعب الكوبي البطل ميناء للثورة والنور ، في الحارة الغربية من كرتنا !
*
يا رفاقي ! كتب الشاعر الكبير برتولد بريخت قصيدة باقية عن اسم لينين معلمنا الكبير.. الذي أورثنا أروع وأشرف رسالة تاريخية .
اسم القصيدة : شعار لا يغلب .
وهي عن جندي اشتراكي زمن الحرب العالمية الثانية في إحدى السجون الإيطالية المليئة بالجنود ، حيث كتب هذا الجندي على الحائط وبقلم رصاص : يحيا لينين ! على هذا الجدار العالي المظلم الذي لا يكاد يرى ، كانت الحروف تبدو باهرة عملاقة . وعندما رأى السجانون الشعار بعثوا دهّاناً مع سطل مملوء بالكلس ليمسح هذا الشعار المخيف . ولكنه بعد أن مسحه بدا الشعار أكثر شروقاً ووضوحاً :
يحيا لينين
وجاؤوا بدهّان آخر بفرشاة كبيرة ، ليمحو الشعار وهكذا اختفى الشعار لمدة ساعات فقط . ففي فجر اليوم التالي وعندما جف الكلس ، عاد الشعار باهراً أكثر هذه المرة :
يحيا لينين
وعندما بعث السجانون ببنّاء ليزيل الشعار بالسكين ، وبعد أن عمل ساعة كاملة أصبح مكتوباً عالياً بلا دهان ، بل محفوراً حفراً عميقاً في الجدار ، هذا الشعار الذي لا يُغلب :
يحيا لينين !
فقال لهم الجندي : الآن اهدموا الجدار !
نعم هذه هي الشيوعية يا رفاقي ، إن السجون والقتل ، ونصب المشانق واصطياد الأطفال والنساء ، لن تمحو الشيوعية ، بل تحفرها في القلوب . وكل الاغتيالات لم تحم أعداء التراب.. أعداء الحياة.. أعداء الخبز.. وأعداء الشعب ، من غضبة الشعب . ولن تموتوا يا رفاقي ، لأن الشعب لا يموت !
*
منذ وقف أول مؤذن وصاح : حي على الكفاح . كنتم يا رفاقي طليعة رفوف النسور المقتحمة التي قالت من فوق اللهيب : لبيك يا كفاح !
أي سجن لا يعرف خطاكم وصيحاتكم ؟
أية ساحة ، وأي شارع لم يحنَّ بدمائكم ؟
وأية وحدة وطنية ما كنتم أول الداعين لها ؟
وأي استعمار في حومة الوغى مع شعوبنا لم يضع أول أمل له : التخلص منكم يا رفاقي ليتسنى له الحصول على ما يسيل عليه لعابه ، لأنكم طليعة الصف وحين تنهار الطليعة.. يدخل الأعداء !
إن أوج حركة تحررنا العربية ، كانت عندما كانت الوحدة الوطنية في أوج تضامنها . ومن هذه النقطة ، تقلمت أظفار الاستعمار . ولكنه ظل يدبر ويفكر.. واندس على أيدي زعماء وطنيين ، علم مكافحتكم يا رفاقي..
فشرب الاستعمار الأنخاب ، وتعانق مع القومية العربية في دبكة تويستية الملامح.. جهنمية الوقع !
ومن هنا اندس كلاب وتربعوا على كراسي الحكم في أرض الرافدين وجارتها . ومن هنا سالت الدماء في أنابيب البترول ، لتضيء البسمات في وجه الاستعمار الأمريكي ، ولتثير الدغدغات في شرايينه الموحولة !
ومن هنا من تمزق الوحدة الوطنية رفع علم مقاومة الديمقراطية ، باسم الديمقراطية ، وعلم ذبح الحرية باسم الحرية ، وعلم الاشتراكية على أنقاض أبنائها وعلم الوحدة العربية على جثث الذين يقدسون الوحدة العربية الصحيحة . ومن هنا رفع أقذر شعار تاريخي.. لم يبق رجعي إلا رفعه ، ولم يبق فاشستي إلا نادى به ، فما أجدت روما الصلبان . إنه شعار : أبيدوا الشيوعيين !
وسقطتم بالعشرات.. والمئات.. والآلاف يا رفاقي ، وانضممتم إلى قافلة شهدائنا التي مرت على كل أرض حتى يطلع الفجر .
ومن هنا هلّل رواد القومية العربية للفاشستيين الذين يريدون حصادكم وحصاد الشعب ، لأنكم جذوره يا رفاق !
ولكن المسألة كانت أصعب.. بكثير .
ها هي رحى المعركة دائرة الآن بينهم بعدما اتفقوا على ذبحكم .
وهنا يقف الشعب العربي الذي شبع من مرأى الدماء ليسأل :
ما هو البديل إذن ؟ ومتى يسقط المطر بعد كل هذه الزوابع .
أنتم البديل يا رفاقي.. أنتم لأن الوحدة العربية عندكم قطع دابر الاستعمار بكل أشكاله القديمة والجديدة ، ونقل البترول إلى أكواخ الشعب المظلمة.. لا إلى بطون الاحتكارات الأمريكية .
ولأن الحرية عندكم ، ترك كل الوطنيين والديمقراطيين ليعملوا للوطن.. قول الحق مباح ، وضرب الاستعمار مباح !
يا رفاقي !
ما مات شعب أنتم أبناؤه ، وما متم لأنكم أبناء الشعب البررة .

 

 



المقال الرابع عشر
كتاب من بيروت
قضايا الشعر المعاصر

أبرز ما يسجله المراقب في العالم العربي اليوم ، هذا النقاش الذي لا يهدأ حول الشعر العربي الجديد ، ولعل قضية الشعر أكثر القضايا الأدبية إلحاحاً اليوم ، ففي حين تشق الأعمال الأدبية الأخرى طريقها بأمان نسبياً ، يتعثر الشعر الجديد بمعارك تتجند لها الأقلام الأدبية . ولعلني لا أتجاوز الحقيقة إذا لاحظت أن الطابع الغالب لهذه المعركة هو التطرف ، فالمساحة واسعة وبعيدة بين أنصار الشعر الجديد وأعدائه . المتعصبون لكلاسيكية الشعر العربي يرفضون حركة الشعر الجديد رفضاً قاطعاً ، حتى بلغ الحزم في الجمهورية العربية المتحدة إلى حد فاجع.. فحظر على الشعراء الجدد الاشتراك في مهرجانات الشعر ، وحظر على دواوينهم الاشتراك في مسابقة الشعر ، وحظر عليهم نيل جائزة الدولة التشجيعية ، وقد ثارت حول هذه الظاهرة المحزنة مرارات حتى وضع بعض النقاد قضية تطور الشعر أسيرة علامات تعجب واستفهام ، وهذا ما يجد له ترجماناً في استعراض الحصاد الأدبي في العام الماضي في الجمهورية المتحدة.. فكان الشعر في المكانة الأخيرة ومما لا يحزننا أن الحالة في البلدان العربية الأخرى أحسن حظاً للشعر الجديد . فهل يعني هذا الأمر أن مسؤولية عدم تطور الشعر الجديد تقع على عاتق أعدائه بالدرجة الأولى ؟
إنصافاً للحقيقة نثبت أن كثيرين من الشعراء غير القادرين ومعدومي المواهب قد أساءوا إلى حركة الشعر الجديد إساءة كبرى . ولكن هذا لا ينفي حتمية هذا الشعر ولا يلغي الاعتراف بوجود شعراء مجددين حقاً خطوا بالشعر العربي خطوات هامة.. ولكنها في أول الطريق .

_______________
* الجديد ، العدد 4 ، نيسان 1964 .
وهذا أمر طبيعي جداً ، فكل حركة تجديد فنية لا تخلو صفوفها من تسرب صيادي الفرص ، والاندساس إلى ما لم يخلقوا له مبررين ذلك بالسير في التيار .
ومن دخان وضباب هذه المعركة الأدبية ، نستطيع أن نستخلص أكثر من نتيجة : إن حركة الشعر الجديد ، رغم ما يعترض طريقها من العداء ، قد أخذت تفرض نفسها بحق ، لأنها حركة عادلة ، أمام ضغط الحياة الجديدة والمجتمع العربي الجديد والعالم الجديد المحيط بنا .
وأن حركة الشعر الجديد ، تحتاج من أصحابها إلى رعاية أكبر ، فإن أكبر طعنة توجه إليها هي الاعتقاد بأنها عملية سهلة لا تخرج عن كونها موديلاً جذاباً . فتجارب هذا الشعر تثبت كل يوم أنه يلقي على الشاعر أكبر المسؤوليات الاجتماعية والفنية الضخمة .
وأن اشتراك الجمهور بمناقشتها هو حقيقة لامعة ومفرحة ، فقضية الشعر العربي ليست – كما نلاحظ – قضية خاصة بالشاعر ووقفاً على اهتماماته بل هي قضية الشعب العربي.. وهذا يؤكد ارتباط الشعر بالجمهور وضرورة وعيه لهذه الحقيقة . كل هذا أسوقه لأصل إلى مدخل لكتاب جديد صدر في بيروت . مؤلفة الكتاب الشاعرة العراقية نازك الملائكة . ونازك تعتبر رائدة من رواد الشعر العربي الجديد ويسرها أن تثبت في الصفحات الأولى من كتابها أنها أول من كتبت قصيدة حرة . وسواء كان هذا صحيحاً أو مبالغاً فيه ، فإنه لا يزيد أو ينقص من قدرة الشاعرة الكبيرة .
الكتاب هو : قضايا الشعر المعاصر ، وقد أحدث من الصدى والضجيج ما لم يحدثه بحث أدبي من أعوام . إن عدم وجود الكتاب في متناول أيدي القراء يضع على المعلق مهمتين.. مهمة عرضه للقارئ لتهيئة القاعدة للمناقشة ومهمة مناقشة ونقد ما ورد فيه من آراء ولا أنكر أن المهمة الأولى ثقيلة بعض الشيء . فبالإضافة إلى طول الكتاب وغناه حاول أن يعرض لأمور كثيرة تتعلق بقضية الشعر المعاصر . ويشمل الكتاب على دراسات عميقة حقاً تمتاز بالاجتهاد والثقافة والحدس الفني وفي بعض الأحيان بالشاعرية وحبذا لو تخلص من الميزة الأخيرة ! والذي يعنينا في هذا الحديث الفصل الذي يتحدث عن الشعر الحر . ولا يمكن التغاضي عن الفصل الذي يتحدث عن الشعر والمجتمع لأنه يحمل في رأيي ، آراء تغرق بالذاتية تحتاج إلى مناقشة طويلة .
قبل أن تتعرض إلى قضية الشعر الحر ، تحدثت المؤلفة عن تاريخ هذا الشعر وظواهره الاجتماعية والعروضية .
ترى المؤلفة أن للشعر الحر مزايا مضللة ، لخصتها بثلاث :
أولاً – الحرية البراقة التي تمنحها الأوزان الحرة للشاعر .
ثانياً – الموسيقية التي تمتلكها الأوزان الحرة .
ثالثاً – التدفق ، الذي يجعل الوزن متدفقاً مستمراً فيخلو من الوقفات .
وبعد أن تشرح هذه المضللات وبعض عيوب هذا الشعر تصل إلى مؤدى القول في الشعر الحر أنه ينبغي ألا يطغى على شعرنا المعاصر كل الطغيان ، لأن أوزانه لا تصلح للموضوعات كلها ، بسبب القيود التي تفرضها عليه وحدة التفعيلة وانعدام الوقفات وقابلية التدفق والموسيقية .
ما هو البديل إذن ؟ فالشعر ذو العمود القديم يفرض أيضاً وحدة التفعيلة !! وتتحدث المؤلفة عن الجذور الاجتماعية لحركة الشعر الحر ، فتقول إن الحركة كانت مقودة بضرورة اجتماعية محضة . وتلخص العوامل الاجتماعية التي جعلت الشعر الحر ينبثق فتحصي منها أربعة :
1- النزوح إلى الواقع .
2- الحنين إلى الاستقلال .
3- النفور من النموذج .
4- إيثار المضمون .
وحين تشرح العامل الأول تقول إن الأوزان الحرة تتيح للفرد العربي المعاصر أن يهرب من الأجواء الرومانتيكية ، إلى جو الحقيقة الواقعية ، التي تتخذ الجد والعمل غايتها العليا .
وأظن أن هذا التعليل ، مع ما يشمل عليه من الصدق ، لا يصلح أن يكون تعليلاً
دقيقاً ، فمسألة رومانتيكية وواقعية الشعر لا تعتمد كل الاعتماد على شكل الشعر الجديد الذي يتيح للشاعر الواقعي أجواء أوسع ، ويمنحه حرية أوسع للتعبير عن الواقع الواسع ، وأمامنا نماذج كثيرة فالشاعر الجواهري مثلاً شاعر واقعي ، ولكنه يعبر عن الواقع بأقسى القيود والأشكال الكلاسيكية وشعراء كثيرون بعيدون عن الواقع كل البعد ، يعبرون عن هذا الانهزام بالأسلوب المتحرر من الوزن والقواعد والذوق أحياناً !
ولا تنسى الشاعرة المثقفة أن تقلق على الحركة ، من المغالاة التي تصاحبها والوحدة والعصبية التي يكتب بها أنصارها المتحمسون الذين – كما تقول – حسبوا أن محاربة آدابنا القديمة جزء من أهداف الشعر الحر . وهذا يثبت ما ذهبت إليه قبل قليل ، ولا يخرج عن كونه موقفاً غير واقعي . والمؤلفة صادقة حين تحذر من هذا الانزلاق الخطير ، فالشعر الجديد لم يهبط من السماء وليس يتيماً بلا والدين.. إنه امتداد وتطور للتراث الشعري القديم ولا يمكن لأي شاعر التطور والنضوج الفني والاجتماعي ما لم يع تراثه الذي جاء منه .
لعل الشاعرة نازك الملائكة أول ناقدة عربية معاصرة التفتت باهتمام إلى قضية هامة من قضايا الشعر الحر هي القضية العروضية ، ومنحتها هذه العناية الكبرى . فكان أبرز الفصول هو الفصل الذي يتحدث عن عروض الشعر الحر . فقد أقلق الشاعرة كثيراً فحش الأخطاء العروضية التي يقع فيها الشاعر الجديد ، وتغافل النقاد عن هذه القضية بما فيها من أهمية . والحق أن الشعر الحر ليس شعراً جامحاً من عقاله.. وبلا أصول وقواعد . إن له أصوله وقواعده وعروضه المرتكز على عروض سلفه . وتتطرف الشاعرة فتقول : إننا نلح على التذكير بأن الشعر الحر ظاهرة عروضية قبل كل شيء . ولا يلغي هذا التطرف الاعتراف بحقيقة أن غاية الشعر الحر الوحيدة تثبيت دعائم الواقعية في الشعر . وتقول نازك : إن أية قصيدة حرة لا تقبل التقطيع الكامل على أساس العروض القديم – الذي لا عروض سواه لشعرنا العربي – لهي قصيدة مهلهلة الموسيقى مختلة الوزن ، لأن تفعيلات الشعر ومثلها النسب في الموسيقى ، شيء ثابت في كل لغة ثبوت الأرقام في الرياضيات فمهما تجددت العصور والأفكار ونمت وصعدت فإن الأرقام ونسب الشعر والموسيقى تبقى ثابتة لا تتغير ، وأما ما يتغير فهو الأشكال والأنماط .
وتحاول نازك في هذا الكتاب أن تضع قواعد عروضية للشعر الحر ، ولكننا لا نستطيع أن نقول إنها وضعت حقاً قواعد ، بل بذلت جهداً كبيراً مخلصاً للفت أنظار أصحاب الشعر الحر إلى القواعد العروضية معتمدة كل الاعتماد على عروض الخليل بن أحمد.. ونبهت من الأخطاء العروضية القاسية التي ما كانوا يقعون فيها لو كتبوا بأسلوب الشطرين التقليدي ، وقد جرتهم إلى هذه الأغلاط مضللات الشعر الحر الذي ذكرته .
ويبلغ أسف المؤلفة إلى درجة قولها ((الحق أنه إذا كانت اثنتا عشرة سنة من الشعر الحر لم تصح شعراءنا من السكرة الأولى التي جاءت بها فرحة الحرية فإن الأمر لا يبشر بالخير الكثير)) . مع أن الشعر الحر ليس كما يتصور البعض وزناً جديداً دخيلاً على العروض القديم ، بل هو طريقة جديدة في ترتيب التفعيلات ولهذا فهو لا يخرج عن بحور الخليل بن أحمد .
ولهذا الفصل في الكتاب أهمية خاصة لشعرائنا العرب في إسرائيل الذين يكتبون الشعر الحر . وأستطيع أن أجزم بأن جميع شعرائنا هنا يقعون في هذه الأخطاء العروضية التي لا يحتاج التخلص منها إلى أكثر من عناية بسيطة ، ودراسة العروض العربي .
تقول المؤلفة إن نظم الشعر الحر أسهل بالبحور الصافية لأنه ينظم بتكرار التفعيلة الواحدة . ولكن المزالق تكمن في البحور ذات التفعيلتين .
وتلاحظ أن هناك بحوراً لا تصلح للشعر الحر على الإطلاق ، كالطويل والمديد والبسيط والمنسرح لأنها ذات تفعيلات منوعة لا تكرار فيها .
وهذا القول ليس دقيقاً تماماً.. فمن القصائد الناجحة في الشعر الحر بعض القصائد التي كتبت ببحر البسيط مع اعترافنا بصعوبة النظم فيها .
وتستنتج المؤلفة عدم إمكان جمع تشكيلتين في قصيدة واحدة يختارها الشاعر منذ مطلع القصيدة .
أما الأخطاء العروضية في الشعر الحر ، فتحصرها المؤلفة بأربعة :
الوتد المجموع 2) الزحاف 3) التدوير 4) التشكيلات الخماسية والتساعية . وتلحق بها قضيتين خاصتين هما مسألة ورود (مستفعلان) في الرجز . و(فاعل) في حشو الخبب .
والمعلوم أن الوتد والزحاف والتدوير قضايا قديمة جاءت في عروض الخليل . ولكن التدوير وإن جاز في بعض البحور إذا كانت القصيدة عمودية ، فإنه – كما تقول المؤلفة – يمتنع امتناعاً تاماً في الشعر الحر . والتدوير لمن لا يعرفه يعرّفه علم العروض بأنه ((البيت الذي اشترك شطراه في كلمة واحدة بأن يكون بعضها في الشعر [الشطر: م. خ.] الأول وبعضها في الشعر [الشطر: م. خ.] الثاني)) . ولا يسوغ في الشعر الحر لأن الشعر يعتمد على الشطر الواحد .
وتشرح المؤلفة ذلك بما يلي :
• كان شعر الشطر الواحد لدى العرب شطراً يستقل فيه الشطر استقلالاً تاماً فلا يدور آخره . وعلى ذلك فالتدوير ملازم للقصائد التي تكتب بأسلوب الشطرين وحسب .
• لأن التدوير يعني أن يبدأ الشطر التالي بنصف كلمة وذلك غير مقبول في شطر مستقل ، وإنما ساغ في الشطر الثاني من البيت لأن الوحدة هناك هي البيت الكامل لا شطره . وأما في الشعر الحر فإن الوحدة هي الشطر ولذلك ينبغي أن يبدأ دائماً بكلمة لا بنصف كلمة .
• لأن شعر الشطر الواحد ينبغي أن ينتهي كل شطر فيه بقافية (أو على الأقل بفاصلة تشعر بوجود قافية) . والتدوير يقضي على القافية .
وأظن أن الشاعرة مبالغة في الحزم عندما لا تقبل بأي شكل من التشكيلات الخماسية والتساعية ، ذلك لأن العرب لم تستعملها ، فما دام الشعر الحر يتيح للشاعر إمكانية زيادة عدد التفعيلات ونقصانها كما تحتاج إليه القصيدة ، فلماذا نأنف من التشكيلات الخماسية وتسميها شناعة . وأقسى من ذلك موقف دفاع الشاعرة ضد استعمال التشكيلات الخماسية ، إذ تنطلق من نقطتين :
الأولى – أن العرب لم يستعملوها .
ثانياً – أن الرقم خمسة وتسعة كلاهما شنيع الوقع في السمع !!!
أما في الرجز ، فيقع كثير من الشعراء في نهاية البيت بتفعيلة (مستفعلان) بدلاً من (مستفعلن) والمؤلفة ترفض هذا رفضاً قاطعاً . وهي صادقة حين تكون نهايات القصيدة متنافرة.. فتارة (مستفعلان) وتارة (مستفعلن) وتارة (مفاعلان) . ولكني أرى أن (مستفعلان) تكون مقبولة عندما تنتهي بها كل أبيات القصيدة !
وفي بحر الخبب ، تقرر الناقدة أن هذا البحر لا يصلح إلا للأغراض الخفيفة الظريفة وإلا للأجواء التصويرية التي يصح فيها أن يكون النغم غالباً .
وفي رأيي ، ومن خلال تجارب الشعر العربي لا أعتقد أننا نستطيع تقرير بحر معين لموضوع معين . ومن المبالغة اقتصار البحر الواحد على موضوع واحد لا يتعداه إلى سواه . إن المقرر في قضية الوزن هو الشاعر نفسه... ملاحظته وحدسه الفنيان ، فحس الشاعر الجيد هو الذي يقنعنا – وهماً – لمدى نجاحه بأن هذا البحر خلق لهذا الموضوع . والمعروف عن بحر الكامل مثلاً أنه بحر جزيل وغزير ولكنه من الطرف الثاني في منتهى العذوبة والرقة حين يحسن استعماله في الغزل مثلاً . وكذلك الخفيف بحر هادئ غير هادر ، ولكنه يصبح كالعاصفة والتيار حين يستعمله شاعر جيد لموضوع حماسي .
ومن هنا ، نقول إن الخبب صالح أيضاً للمواضيع الجدية والحماسية . فالشاعرة نازك نفسها حيّت الثورة العراقية بقصيدة من بحر ((الخبب)) .
وفي الحديث عن ((الخبب)) ، تواجهنا ظاهرة في كتاب نازك لعلها من أبرز ما يؤخذ على المؤلفة .
يخيل لي أن نازك ترفض أحياناً التجديد إذا جاء من سواها ، كما رأينا في حملتها على من يكتبون تشكيلات خماسية أو يقعون في (مستفعلان) أو حين تتحدث عن الوتد المجموع – مع أن هذا ليس تجديداً – في شعر سواها . مثال على ذلك أن نازك وقعت في أخطاء عروضية في بحر الخبب كما تعترف هي ، وخرجت عن القاعدة التي حددها الخليل . فقد تحول في بعض قصائدها (فعلن) إلى (فاعل) وتدعي أنه ليس بين الشعراء من يرتكب هذا سواها ، مع العلم أن بعض أبيات قصيدة نزار قباني عن جميلة بوحيرد ورد فيها (فاعل) بدل (فعلن) وقصائد أخرى كثيرة . ولكنها تدافع عن هذا الخطأ وتقول إنه تجديد وترشح وضعه كقاعدة لماذا ؟ لأن أذنها – كما تقول – تقبل هذا الخروج ولا ترى فيه شذوذاً .
إنصافاً للحقيقة نقول إنه ليس هناك شذوذ في هذا التحول ، ولكن اعتراضي هنا على موقف نازك من التجديد حين يأتي منها أو من سواها .
مثال آخر قد يبدو تافهاً ولكنه يعطي صورة أخرى من هذا الموقف :
تعتب نازك على شاعر لأن أشطراً من شعره الحر كانت في حقيقتها بيتاً ذا شطرين من البحر الكامل . ولكنها عندما تقسم قصيدتها (إلى العام الجديد) تنسى أن القسم الأكبر من قصيدتها لو قسِّم لأصبح من مجزور الكامل وترفض المؤلفة ظاهرة كتابة النثر العربي الذي يترجم به الشعر الأجنبي مقطعاً على أسطر متتالية على سياق الترتيب في القصيدة وأظن أن المؤلفة متشددة في هذا الطلب . فليست هذه الظاهرة تنطبق على بضعة قصائد بل في كل القصائد المترجمة في لغتنا . فلماذا كل هذا الحزم من الالتباس ما دامت القضية ليست محض قضية شكلية .
ـــــــــ
أخيراً ، لا بد من الإشارة والتأكيد على أنني لا أوافق المؤلفة على آرائها حول الشعر والمجتمع ، لأنها آراء ضبابية لا توافق على ارتباط الشعر والمجتمع وتحتاج إلى مناقشة طويلة قد أعود إليها في مناسبة أخرى .





المقال الخامس عشر
الشعر والمجتمع ونازك الملائكة

يبدو لي أحياناً أن من السخف مناقشة أمور أصبحت من البديهيات . تصوروا أن واحداً منا راح يكتب بحثاً جاداً يثبت فيه أن الأرض تدور !!
ونقاشي الآن مع الشاعرة العراقية نازك الملائكة أشبه ما يكون بمحاولة إثبات دوران الأرض بعد أن أصبح الأمر حقيقة مفروغ منها .
هذا ما كان يبدو لي حول مكان الأدب في المجتمع ، خاصة لدى شعراء كبار ذوي مكانة كبيرة كنازك الملائكة ، وفي هذا الزمن الذي تتأكد فيه صحة فهم الأدب فهماً مادياً ، وفي بلاد تنزع عنها طوق الدجى ، وتحرز التحرر الوطني ، وتسير في سبيل التحرر الاجتماعي .
ومن هنا ، يكتسب هذا الموقف ؛ موقف نازك الملائكة من الشعر والمجتمع طابع الغرابة والنشاز والأرستقراطية ! ويدفعنا من جديد إلى مناقشة البديهيات التي يبدو أنها لا تزال بحاجة إلى شرح وترديد ليس مع نازك الملائكة ، بل مع هذا المفهوم والاتجاه ، اللذين أراهما من خصائص بعض الشعراء ، الذين يحملون رؤوساً قديمة ويحيطون الشعر بهالات فارغة من الألوهة والتقديس ، ليبقى في منأى عن الغوغاء والدهماء !
لا بد إذن من إعادة حكاية إبريق الزيت ، هل تعرفون حكاية إبريق الزيت ؟ شئتم أم أبيتم ، هل تسمعون حكاية إبريق الزيت.. الخ..
في كتاب نازك الهام – رغم كل شيء – قضايا الشعر المعاصر الذي استعرضنا بعض فصوله في العدد الماضي من ((الجديد)) ، فصل يثير الاستغراب أكثر مما يثير النقاش..فصل ((الشعر والمجتمع)) الذي هو في آخر الأمر دعوة إلى الوراء.. في هذا الوقت ، الذي تشتد فيه الدعوة إلى الأمام ، في جميع مجالات الحياة..والأدب بالطبع

_______________
* الجديد ، العدد 5 ، أيار 1964 .
لأنه جزء من الحياة .
في هذا الفصل الهجين تهاجم المؤلفة بمرارة وسخرية وعنف أصحاب دعوة ((اجتماعية الشعر)) وتستند لا إلى جوهر الدعوة ، بل إلى أخطاء دعاتها السطحية الذين – كما تقول – يرفضون دخول أمسية بغدادية في مجال الشعر لأن ذلك رجعية وذاتية وانهزام ! وفي إحدى الأمكنة تقول إن الأمر مفروغ منه ، فلماذا ندعو إليه ، ولكنها تقول ذلك بسرعة وسطحية ، وتعود إلى مهاجمة أصحاب الدعوة بعنف .
كما قلت ، ليست نازك الملائكة هي المقصودة بهذه الملاحظة ، بل من لا يزال يفكر في هذه الرأس ، والذي لا يزال يرفض اجتماعية والتزام الشعر .
نحن نقول ليس هناك على الإطلاق أدب غير ملتزم . لأن الشاعر إنسان ذو مثل وآراء يريد لها أن تتحقق . وهو إنسان يفرح لأشياء ويغضب على أشياء.. وفي فرحته لهذه الأشياء وغضبه على الأخرى يأخذ مكاناً خاصاً في المجتمع الإنساني الذي يحتوي على هذه الأشياء .
وبكلمة أخرى : فإن الأدب ، بما فيه الشعر هو انعكاس – غير فوتوغرافي – عن الطبيعة ، وفي الطبيعة يوجد المجتمع ، فمن البداهة أن يكون الأدب انعكاساً عن المجتمع ليس هناك إنسان يوجد في غير هذا المجتمع الإنساني . ولهذا لا تستطيع تجريد الأدب من الاجتماعية التي تلزمه بشكل موضوعي لا يقبل الجدل . نقول هذا ونؤكد على الخصائص الذاتية لكل شاعر . فالالتزام لا يعني قتل الذات ولكنه يرفض قتل الارتباط بالمجتمع الإنساني . والفن الجميل يحتاج إلى الحركة والحركة في المجتمع تعني الصراع بين القوى المتعاكسة ، بين القوى التي تسير إلى الأمام وبين القوى التي تشدها إلى الخلف وتمنع تطورها . فمع من يقف الفنان ؟ إن أي موقف يتخذه يعني الالتزام .
وبكلمة أخرى أيضاً نقول : إن الشعر جزء من البناء الفوقي للهرم الذي تتألف قاعدته من الحياة الاقتصادية والاجتماعية . والعلاقة بين البناء الفوقي والقاعدة ليست جامدة ، بل متحركة خلاقة .
فماذا يخشى أصحاب رفض هذه الحقيقة العلمية المتأكدة ؟
وتقول نازك : إن الكفاح السياسي وظيفة النخبة المثقفة من القادة والزعماء والاختصاصيين في كل أمة . وتقول إن وظيفة ملايين المواطنين هي إعالة أسرهم وتحسين أحوالهم الاجتماعية !!
ماذا يعني هذا الكلام ؟
يعني أن يستمر ملايين الناس الفقراء والبائسين في حياتهم كما هي ، ولا يسعون لتغييرها بأحسن وأفضل . ولا شأن لهم بالكفاح السياسي . تصوروا لو أن دعوة نازك استجاب لها ملايين المواطنين في العالم العربي . كيف كانت تقوم الثورات الشعبية ؟ وكيف كان يقضي على عهود الظلام والطغيان ؟ هل كان يحرز الشعب تحرره الوطني أولاً.. والاجتماعي ثانياً ؟
ثم من هو الفلاح والعامل ؟
إنه هذه الطبقة التي تسيطر وتملك عنان الحياة الجديدة والتي تغير مجرى التاريخ الإنساني ، وتنشر السلام والخير . فما معنى دعوة نازك – بهذه النغمة البرجوازية المتعفنة – إلى عزل الملايين عن الكفاح السياسي ؟ إنه يعني تسلط ((النخبة المثقفة الممتازة)) على طاقات هذا الشعب !
* *
لا بأس من التعرض إلى تناقضات نازك الملائكة نفسها ، لأنني أرى أن نازك – بوعي منها أو بدون وعي – تدافع عن مفاهيم سائرة إلى الزوال . فعشية ثورة العراق سنة 1958 ، حيت نازك الثورة العراقية . أي أنها التزمت موقفاً في الصراع بين القوى الجديدة ، والقوى القديمة ، واختارت أن تقف مع القوى الجديدة ولم تمر سنة واحدة حتى كانت نكسة في حركة التحرر الوطني ، نكسة مؤقتة ولكنها أثرت على شعراء مترددين تأثيراً ضخماً . ففي الصراع الاجتماعي اختارت نازك أن تدافع عن البرجوازية التي أخذت تشعر بالخطر على كيانها . فكتبت قصيدتها ((ثلاث أغنيات شيوعية)) الصادرة عن هذا المفهوم . وهذه القصيدة في غاية العداء للشيوعية . وهذا ، يعني أن نازك التزمت موقفاً ، واختارت أن تعادي
القوى السائرة إلى الأمام صاحبة الغد .
من هذا النموذج نستطيع أن نلمس الخيط الذي تتمسك به نازك إنها – بوعي أو دون وعي – تدافع عن انتسابها الطبقي . أقول هذا ولا أقصد أن كل فنان برجوازي يفكر بمفهوم انتسابه الطبقي ، فلدينا أمثلة كثيرة تؤكد عدم وضع هذه الملاحظة قاعدة عامة ، ولكن نازك الملائكة في هذه الدعوة الخطرة اختارت هذا الموقف فراحت تهاجم أصحاب دعوة اجتماعية الشعر ، هجوماً يتخذ أحياناً شكلاً مكشوفاً وأحياناً بالغمزات ، وترى في هذه الدعوة خطراً على الشعر . نعم ! إنه خطر على الشعر الذي يتسامى بعزوة وكبريائه على المجتمع .



المقال السادس عشر
حبر..على ورق
بدر شاكر السيّاب

مهما يكن من نقاش وخلاف في الرأي ، بينك وبين أديب أو شاعر ، فإن لخبر مصرعه هزة حزن وأسف تهزك من الأعماق ، وتدفعك إلى البحث الرزين عن مآثره..
وبدر شاكر السياب ، الذي جاءنا خبر موته قبل أسابيع.. بعد صراع طويل مع مرض قاس ، صبغ جميع أشعاره في الأيام الأخيرة بلون أصفر حزين.. وجميل في حزنه ، هو أحد الشعراء الذين مروا على تجارب ومراحل عديدة ملونة ، كنت أتمنى أن تتغلب مرحلة ما من هذه المراحل على سائرها لئلا أستعمل الحرف البغيض على كل إنسان هو.. لولا ! ولئلا أضع قلمي في نبش ذكرى نقاش سياسي وفكري ، يتحول فتحه الآن.. في هذا المقام الجليل.. أمام الموت المر الذي أعقب أيام مرض مريرة ، وأمام الموهبة الشعرية الطاغية ، إلى عمل جارح وثقيل الدم ! ولذلك.. أقف وقفة خاشع أمام جثة بدر شاكر السياب.. القصيدة الملتهبة حزناً ومرارة ، والتي انتهت إلى جناز مبكر !
* *
بدر شاكر السياب ، الشاعر العراقي الموهوب ، التقيت بشعره منذ فتحت عيني على الشعر ، فماذا رأيت ؟
رأيت العراق الغاضب.. العراق الحاقد.. العراق الذي يتربص ليكسر القمقم.. وينطلق !
ورأيت كيف يتزحزح هذا المارد السجين ، فيجرح في الطرقات ويلون دمه دجلة والفرات .

_______________
* الجديد ، العدد 1 ، كانون ثاني 1965 .
ورأيت الفتاة العراقية الريفية.. العاشقة الحارة.. والحزينة .
وحين انتصر العراق.. رأيت اللحن يخفت.. يبكي.. يتنهد.. ويشكو .
وهنا ، أطوي هذه الصفحة المليئة بالتناقضات والأزمات والتعقيد ، لأقف أمام بدر شاكر السياب الشاعر الفنان . الذي ظل فناناً رائداً في مروره على جميع مراحل حياته.. لا يتوقف ظمأه الفني الباحث عند حد .
كان من سوء طالع الأدباء والشعراء أن تقديرهم واعتبارهم لا يعرفان في حياتهم.. وكان موتهم هو تذكرة الاعتراف .
ولكن بدر شاكر السياب هو أحد الشعراء الذين قيل عنهم ، في حياتهم ، الكثير من التقدير الفني .
إنه ، ولا شك ، من أوائل رواد الشعر العربي الحديث ، ومن فرسانه الذين ما خانوه في أعز أزماته.. وأكثر من ذلك ، إنه من الذين ثبتوا له الحياة ، وفرضوه لا بوسائل حكومية ، بل بوسائل فنية على الشعر المعاصر ، ففتحوا أمام التعبير الشعري آفاقاً واسعة لا يزال يرددها كل جيل الشعراء الذين جاؤوا بعدهم . وأشعار بدر ، أو الكثير من أشعاره حملت أكاليل الغار للشعر الحديث . وفي حين نرى بعض أنصار الشعر الحديث يرتدون عنه ، لعدم أصالتهم واقتناعهم الكلي بجدواه ظل بدر حتى انطفاء شعلة حياته يمد تيار الشعر الحديث بأنهاره التي زادته هديراً واتساعاً .
وشعر بدر شاكر السياب ، قد سلم من عيوب الشعر الحديث.. وأهمها النثرية فقد برهن للمحافظين أن هذه الحركة الجديدة ، ليست حركة متراخية هاربة من مسؤوليات الشعر الضخمة.. برهن ذلك لا بمقالاته ومحاضراته ، بل بأشعاره نفسها التي امتازت بالموسيقى الشعرية المنسابة وحرارة التجربة والجزالة اللفظية والبراعة في توزيع التفعيلات والقوافي الجديدة ، كما نرى في قصيدتيه الكبيرتين ((حفار القبور)) و ((المومس العمياء)) وقصائد في ديوانه الكبير ((أنشودة المطر)) .
وبدر شاكر السياب ، من الشعراء الرواد الأوائل الذين استعانوا بالأسطورة استعانة كبيرة ، فجلبت له من الخير الفني التعبيري الناجح أكثر مما جلبت لسواه من الذين أغرقتهم حين أغراهم التقليد . واستند ، بالأساس ، إلى الأسطورة اليونانية والبابلية ، وصليب المسيح ، وكل أسطورة ترمز إلى الحزن الذي كان زاده الشعري الدائم . لقد كان كالمسافر الضائع الذي يلهيه الغناء عن وعثاء السفر فيصطاد أساطير الحزن والعذاب والرحيل ، ويستخرج منها رفاق رحلته الطويلة فيخلق بأناشيده الغنائية جواً ملحمياً غير متكامل النواحي والآفاق ، ولكنه يميزه عن شعرائنا المعاصرين ، وإن كان ينقصه إشراك الآخرين والاشتراك معهم ، فالملحمة لا يمكن أن تعتمد على بطولة فرد أو على حزن وعذاب وتمزق فرد.. وهذه هي ثغرة بارزة في شعر بدر ، فهو يؤمن بالمعذب والشريد والمصلوب والبطل أي بتفرد فرد في إحساس أو ظاهرة أو مأثرة ، والأصح هو وجود معذب وشريد ومصلوب بدون أل التعريف.. ومرد ذلك إلى ذاتية الشاعر الذي يئس في المراحل الأخيرة من مراحل حياته من الآخرين.. واعتمد الذاتية المفرطة عنصراً وحيداً في شعره ، أو في موقفه من الحياة ، وهذا ما نراه بوضوح في تصريحاته وآرائه الأدبية لصحف أجنبية ، والتي ناقشنا في ((الجديد)) بعضها في عدد سابق . وهذا الأمر أيضاً هو الذي جعل اللون الداكن والأسود هو اللون الطاغي على أشعاره الأخيرة ، مضافاً إلى ذلك سبب هام هو مرضه الذي عانى منه الكثير وقضى عليه.. وهذا الأمر كذلك ، هو الذي حدا بالشاعر في آخر أيام عبد الكريم قاسم الذي هاجمه في البداية ، إلى مدحه بمدائح تذكرنا بمدائح المتنبي.. فهي غريبة في مضمونها وشكلها . في مضمونها تقديس مضحك لعبد الكريم قاسم ، وفي شكلها تقليدية بعيدة كل البعد عن شعر السياب المجدد . وقد يكون صحيحاً فهم الحالة النفسية المتأزمة التي كان يعانيها الشاعر ، خاصة وأنه بعد مصرع عبد الكريم قاسم طلع علينا بقصيدة تهجوه بعد أن مدحه قبل أيام ، فقد كان في ذلك الوقت يعاني وطأة المرض ، فعسى قاسم يقدم له المال ليعالج مرضه ! إن هذه الصفحة من حياته – وهذا التبرير لا يكفي بالطبع – تعطي صورة عن أزمة الشاعر أو الأديب العربي الذي يضطره المرض أو الجوع للمديح ، وتبين سر تحول أشعاره في السنوات الأخيرة إلى ما يشبه الجناز .
إن قصة الشاعر ومرضه وعبد الكريم قاسم ، دليل واضح تمام الوضوح على خطأ آراء الشاعر في الأدب والنظام في الاتحاد السوفيتي اللذين هاجمهما الشاعر ذات مرة .
وقبل أن يجرني القلم إلى أبعد من ذلك في هذا المقام الجليل.. أمام رهبة الموت والموهبة الكبيرة ، أتناسى هذه التناقضات والتقلبات في حياة الشاعر بدر شاكر السياب ، وأختم تقديري الكبير لشعره بكلمة واحدة هي عزاء الشاعر الأعزل إلا من الكلمة الجميلة : كان شاعراً كبيراً..
* *
اللغة العربية.. والثيران

لست من هواة جمع الطوابع ، ولكني في لحظة اشمئزاز قررت أن أجمع ما ينشر في الصحف العبرية التي اتفقنا على تسميتها بالصفراء ، من التحريض على العرب ومقدماته وملحقاته ، وتصورت لفرط سذاجتي أن وقتي قادر على ذلك..
ولم تكن ((الهواية)) بالطبع مسلية كهواية جمع الطوابع لسببين : الأول – كثرة إنتاج طوابع التحريض وتدفقها ، والثاني – بشاعة هذه الصور التي تحرق الأعصاب . ولكن الغضب لم يبلغ بي إلى الحد الذي بلغ بصديق لي دفعه الغضب إلى حسد من لا يعرفون العبرية ، لأن الجهل بها – كما قال – يريحهم من متاعب كثيرة .
ومع ذلك ، فهذه المسألة قد أصبحت من الظواهر التي لا يتناقش حولها قارئان . ومع أنني لا أدعو إلى لقم كل كلب عوى حجراً ، إلا أن بعض ما ينشر يبلغ من الخطورة حداً لا يُطاق ، ومما يؤسفنا أن كلماتنا وردودنا المكتوبة بالحرف العربي لا تجد مجالاً للمنافسة في زحمة التحريض الوقح .
ومن أخطر السموم الكلامية التي قرأتها مؤخراً ، ما كتبته إحدى الصحف المتفوقة في هذا المجال.. السيدة يديعوت أحرونوت !
كتب أحد أقزامها العنصريين مقالاً يحمل هذا العنوان : ((الأقلية العربية ولغتها في إسرائيل)) ، لفت فيه أنظار قرائه اليهود إلى مشكلة خطيرة كانوا غافلين عنها فجاء يلكزهم ليستفيقوا لصد الخطر الداهم على الحمى اليهودية .
هذا الخطر الداهم اسمه : اللغة العربية !
وجدة هذا الموضوع وطرافته هي ما يستوقفني قليلاً للدراسة .
ومن هنا ، إن هذا القزم المجدد قد جاء لشعبه برأس كليب !!
ماذا يزعج ويوجع هذا الذي يجبرنا على لقمه حجراً ؟
اسمعوه كيف يتقيأ :
إنني أتطلع إلى أوراقنا المالية وطوابعنا الإسرائيلية ، وإلى بطاقة هويتي ، وإلى إعلانات الباصات ، وإلى الأوراق الحكومية ، وإلى كل مكان.. فأرى حروفاً عربية فأسأل نفسي هذا السؤال البسيط : لماذا لا نزال نستعمل الترجمة العربية في جميع إعلاناتنا الرسمية ؟
ويقرر : دقت الساعة للتفكير في هذا الأمر !
ويحلل : إن واقع حرب التحرير والظروف السياسية والأمنية جعلت الأقلية العربية 10% تقريباً من السكان ، وتشير جميع الدلائل إلى أن هذه النسبة ستصغر في السنوات القادمة .
ويستنتج : لذلك يجب ألا يعترف بلغة الأقلية كلغة رسمية ثانية في الدولة !
ويشرح : في إبقائنا اللغة العربية لغة رسمية ، نمنح الأقلية العربية حقوقاً سياسية لا تقدر بوزنها في الدولة ، ويبدو أن الحكومة الإسرائيلية نفسها تعطي القومية العربية التي تخفق في قلوب أكثرية العرب ختماً رسمياً . ولغة أقلية كهذه لا يعترف بها لغة رسمية في أية دولة في العالم.. وليس للأقلية أمنيات قومية تختلف عن أمنيات الآخرين !
ويحذر : وفي إبقاء اللغة العربية لغة رسمية فإننا نصادق على طموح الأقلية العربية القومي ، وكأننا نقول لها : يحق لك ، أن تكوني لا صهيونية فقط ، ولا أن تتطلعي إلى قيم الدولة القومية ، بل يحق لك أن تحلمي بالانضمام إلى إخوتك في اللغة الموجودين عبر الحدود !
إذن : هذه حقوق فريدة في نوعها ، لا تتمتع بها أية أقلية في العالم !
وهكذا ، يكمل نسج مقاله المبصوق على طول وعرض صفحتين على هذا المنوال
الشوفيني ، ويختتم مأثرته بالدعوة إلى التفكير من جديد بقضية اسمها : اللغة العربية الرسمية في دولة إسرائيل !
انتهى : وصفق أحد قراء الجريدة تصفيقاً حاداً وهتف في رسالة إلى هيئة التحرير :
((كل التقدير للمقال الذي نشر في ((يديعوت أحرونوت)) بشأن استعمال اللغة العربية في إسرائيل . إنني متأكد أن مواطني إسرائيل اليهود يفكرون مثله في رؤيتهم الإعلانات العربية في الباصات وبطاقات الهوية . يخيل لي أن الساعة قد دقت لإلغاء الاستعمال الرسمي باللغة العربية في بلادنا ، وعلينا ألا ((ندلل)) 10% من السكان على حساب أل 90% الآخرين)) !
طنجرة لاقت غطاها !

والآن.. دوري بصفتي أحد قراء ((يديعوت أحرونوت)) ، وبصفتي أحد الناطقين باللغة العربية الذين لا يشكون من استعمالها الرسمي.. بل من اضطهادها والتآمر عليها . وقبل أن أحمل الحجر أقول ، إن هذه الحملة الجديدة والفريدة في هذه الجريدة ، لم تنحدر من الحائط ، فلا نزال نذكر أوامر إدارة المعارف بعدم تعليم اللغة العربية في المدارس اليهودية.. هذه الخطوة كانت المقدمة الموسيقية لهذا الجناز ! وصاحب اللحن واحد في جميع الحالات !
إلى حضرة كاتب المقال المحترم ، بعد التحية ، لدي بعض الحقائق التي أريدك أن تفهمها :
أولاً - إن تاريخ اللغة العربية يروي لنا أن الاستعمار القديم قد قام بمحاولات فاشلة لإطفاء شعلة اللغة العربية في الأقطار العربية ، لأنها كانت وتبقى صاحبة دور كبير في حركة التحرر العربي.. وعاملاً كبيراً في توحيد الأمة العربية التي جزأها الاستعمار.. وشن عليها حملات عنيفة . فماذا كانت نتيجة هذه المباراة : العربية بقيت ، والاستعمار راح ! وإن استطاع الاستعمار الفرنسي في الجزائر تمرين الشفاه والألسنة العربية – بالقوة – على اللفظ بالحروف والكلمات الفرنسية الناعمة ، فإن ذلك لم يغير في جوهر الأمر . ولم تحم اللهجة الفرنسية الاستعمار الفرنسي ، من الموت في أرض الجزائر . وبالمناسبة ، حارب الأدباء الجزائريون
بالكلمة الفرنسية الاستعمار صاحب اللغة الفرنسية !
ولذلك ، فإن دعوة عدم الاعتراف بلغة معينة ، لشعب معين ، في زمن معين وفي ظروف معينة ، ليست فتحاً إسرائيلياً ! وليست ماركة مسجلة ليديعوت أحرونوت . هذه الحقيقة يجب أن يعيها صاحب المقال المذكور أعلاه أو أدناه ، قبل أن يمسك بالقلم ، لئلا يضع نفسه وجريدته في مكان أوطأ مما هي فيه !
ثانياً - إن الظروف السياسية والأمنية.. والجغرافية لو شئت، التي جعلت العرب 10% - لو ناقشناك في مفهومك – ليست حقيقة ثابتة ثبوت الجبال ، فأنت تعرف أن لمليون عربي فلسطيني حقاً تاريخياً وإنسانياً في هذه البلاد.. هذه هي الحقيقة الراسخة رسوخ الجبال.. فاهم !
ثالثاً – ما معنى أن النسبة ستصغر ؟ هل الهجرة العربية من الداخل هرباً من الاضطهاد والإرهاب الهادفين.. أم الهجرة اليهودية من الخارج ؟ أترك الشطر الثاني من السؤال معلقاً ، أما الشطر الأول فالجواب عليه : العرب في هذه البلاد توأم هذه البلاد.. فاهم !
رابعاً – إن اللغة العربية والناطق بها.. الشعب العربي ، موجودان في هذه البلاد.. بلادنا ، قبل أن يفكر حماة الديار بركوب الطائرة أو السفينة من مكان ما على الأرض.. فاهم !!
خامساً – إن عدم الاعتراف باللغة العربية – كما تظن – لا يجعل من العرب صهيونيين ، كما لم يجعل حذف اللغة العربية في الجزائر من العرب فرنسيين . وعدم الاعتراف بها لا يلغي حقوقنا القومية.. ولا يخلد الحكم العسكري وسلب الأرض.. فإن لنا أصدقاء يهود يهاجمون هذه السياسة بالحروف العبرية.. وينادون بالاعتراف بحقوق العرب بالحروف العبرية.. إن الطفل الساذج من يتصور أن كل الناطقين بالعبرية يحملون الرؤوس نفسها لأن لغتهم واحدة !
سادساً – إن الحقوق الفريدة التي تتمتع بها الأقلية العربية في إسرائيل كذبة فظة لا تستساغ . يكفي أن نذكر الحكم العسكري في النصف الثاني من القرن العشرين . وسرقة الأرض العربية ، والتمييز القومي.. ، وهذا المقال الذي يعتدي على أقدس
مقدسات الحقوق القومية ؟!
سابعاً – ماذا عن مستقبل هذه البلاد ؟ نحن ، في هذه المناسبة ، نحلم بالسلام بين إسرائيل والدول العربية ، فكيف نتفاهم . كان عليك أن تدعو إلى تعميم العربية بين اليهود لا إلى محوها إن كنت ترى قليلاً أبعد من أنفك !
* *
وبعد . ليست المسألة مسألة هواية جمع طوابع.. وأخطر من ذلك أن هذا الكلام يكتب للقراء اليهود الذين يجهلون اللغة العربية ، ومهما نلقم من الحجارة كل من عوى ، فالخطر يظل خطراً لأن ردودنا لا تصل إلى القراء اليهود.. ولذلك ، فإننا نضع على عاتق الصحافة العبرية التقدمية مسؤولية كبيرة.. مسؤولية غسل العقول التي تملأ بهذا التحريض ، لتعطي الصورة الصحيحة للقارئ اليهودي وتنقذه من هذه السموم التي تقود الساذج منه إلى مسالك وعرة وأفكار خطرة كما رأينا في رسالة أحد القراء تعليقاً على المقال المذكور !
محاولة إرهاب فكري !

في هذا العدد ، مقال للشاعر المصري صلاح عبد الصبور ، أوردته لا لأنه يتحدث عن فضيحة أدبية في القاهرة ، ولا لتستغل القضية التي يتحدث عنها لإثارة عاصفة في فنجان ، فتصرخ بعض الصحف الشامتة : أزمة في الأدب العربي وما يتفرع عن الأزمة من خطورة وتأخر وما إلى ذلك.. كما فعل أحد الصحفيين اليهود الذين اختصوا بشؤون العرب في بلادنا.. فنشروا عشرات الأخبار والتعليقات عن تطور العرب اجتماعياً واقتصادياً وفكرياً في جنة إسرائيل ، فقد دخل هذا المراسل ميداناً آخر جديداً عليه.. هو ميدان الأدب ، فأصبح خبيراً ومتخصصاً في الأدب العربي خارج الحدود ، يكتب عن قضاياه ومشاكله والأزمة الخطيرة التي يعانيها الآن في ظل الحياة الجديدة.. كما فعل قبل أسابيع في ملحق جريدة ((لمرحاب)) الأدبي ، مستشهداً بمقالات عربية نشرت في سنوات 57 ، 58 ، 59 ، ليستنتج منها أن الأدب العربي غير قادر على التطور ، وغير قادر على تحسس طريقه ، وعلى
احتمال الحياة الجديدة في الجمهورية العربية المتحدة .
ومما يغضب القارئ أن هذا هو المقال الوحيد الذي ينشر في هذا الملحق عن الأدب العربي في خلال عامين كاملين..
واعتراضي ليس على الآراء التي أوردها لسواه في المقال ، فهي قديمة لا تستطيع الصمود أمام التجارب الأدبية الجديدة في ظروف الحياة الجديدة ، بل على الدافع الكامن وراء اختياره هذا التوقيت ، فلماذا لم يستعرض هذه المقالات الشاكية عندما كتبت قبل سنوات ، ولماذا اختارها الآن تحت هذا العنوان المثير : ((أزمة في الأدب العربي))..
هذا أولاً .
وثانياً ، من أين له الاطلاع عما يجري في الجمهورية العربية المتحدة من نشاط أدبي وفني ، وكيف يسمح له ضميره الصحفي بإطلاق هذه التهم على قطاع كامل من الثقافة دون أن يلم بأي جانب من جوانبه .
مرة أخرى ، مصيبتنا ذاتها مع الكثيرين من الصحفيين اليهود المتخصصين بتشويه صورة العرب أدبياً واجتماعياً وسياسياً .
وما دمنا في هذه السيرة ، فلا بد من الإشارة إلى الكتاب الذي ترجم إلى اللغة العبرية قبل شهور باستقبال مهيب ومثير بالإعلانات البراقة .
اسم الكتاب : بيرة في نادي البليارد .
اسم المؤلف : وجيه غالي .
وعلى ظهر الكتاب هذا الإعلان : إثارة العام الأدبية .
وعلى ظهر الكتاب هذا الإعلان : قنبلة العام وبصاحبه .
يقول التعريف : وجيه غالي ، أديب مصري شاب يكتب بالإنجليزية ، ويصف خيبة أمله وضياع آماله من ((الانقلاب)) (الأقواس من كاتب المقال) الناصري في مصر .
ووجيه غالي المنفي الآن في ألمانيا ، هو وطني مصري ، بعيد عن كل قومية بفضل ثقافته الإنسانية الواسعة .
وكتابه ((بيرة في نادي البليارد)) هو إنتاجه الأدبي الأول الذي ظهر بأسلوبه الخاص
والسخرية التي ينطوي عليها وصفه ، تضع لإنتاجه منزلة محترمة في الأدب العالمي المعاصر !
هكذا ، بإعلان تجاري رخيص ، يوضع شاب مصري من الذين عادوا الثورة المصرية التي قضت على حكم الملك فاروق ، في صف الأدباء العالميين ، وكل رصيده في الأدب حقده الأرستقراطي على الثورة التي قضت على الطبقة الأرستقراطية ، وعملت وتعمل على تأمين الحياة الأفضل للشعب المصري الذي كانت أكثريته عارية حافية ممصوصة الدماء في عهد فاروق .
هل رأيتم الآن : هذه هي الأزمة التي يعانيها الأدب المصري .
وهل عرفتم العصر الذهبي للأدب المصري ، إنه عصر الملك فاروق !
* *
ولكن ما تقوله الأبواق المعادية ، لا يمنعنا من معالجة القضية التي يرويها مقال صلاح عبد الصبور.. بصراحة وإخلاص .
أذكر أني كتبت مرة في ((الجديد)) عما يعانيه الشعراء الشباب أنصار الشعر الحديث في الجمهورية العربية المتحدة ، من حرمان وهضم حقوق . فلا يسمح لهم مثلاً الاشتراك في مهرجانات الشعر ما دامت قصائدهم مكتوبة بالشكل الجديد بسبب عناد وصلابة رؤوس قديمة محافظة ترى في هذا الشكل الجديد هدماً للشعر العربي . وكان الأستاذ الراحل عباس محمود العقاد يقف على رأس هؤلاء المعادين للشعر الجديد لكونه رئيس لجنة الشعر ، ولكونه ذا سلطة أدبية كبيرة في البلاد . ولا نزال نذكر المعارك القلمية التي دارت بينه كعدو لهذا الشعر ، وبين الشاعر أحمد حجازي والشاعر صلاح عبد الصبور كرائدين لهذا الشعر في مصر .
ومات عباس محمود العقاد . ولكن طوق الحرمان المضروب حول الشعر الجديد لم يكسر ، بل ازداد ضغطاً الآن . فقد ترأس لجنة الشعر الشاعر المحافظ عزيز أباظة الذي لا يقل عداء وكرهاً للشعر الجديد عن زميله السابق.. والذي لا تفهم أشعاره التي يكتبها الآن وفي مسرحياته الشعرية ، بدون الاستعانة بالقاموس لجفافها
وبعدها عن متطلبات الحياة الجديدة والذوق الجديد .
ويلاحظ القارئ أن جميع أعضاء لجنة الشعر يمثلون بشعرهم وآرائهم الرأس القديم المتحجر الذي يعتبر عمود الشعر التقليدي قدس الأقداس ، وكل من يتطاول برغبة التجديد وبدعوة الحياة الجديدة ، على هذا الصنم القديم ، يخرج بجرة قلم واحدة من ملكوت الشعر .
لم يصلني بعد ، جواب الدكتور عبد القادر حاتم على رسالة لجنة الشعر ، ولكن أخباراً أهم من ذلك قد وصلتنا وأثارت دهشة أكثر الصحف في بلادنا ، عن تولي الكتّاب والصحفيين اليساريين في الجمهورية العربية المتحدة شؤون الصحف ورئاسة تحريرها وتوجيهها ، كخطوة ثورية حتمية لا بد منها لتحقيق الأهداف والمبادئ التي تنادي بها الدولة لخدمة الشعب . وهذه الخطوة بحد ذاتها انتصار الجديد المتطور على القديم الجامد .
ومن هنا ، يتناقض موقف لجنة الشعر الذي يمثل القديم الجامد في أبعد حدود تطرفه ، مع الجديد المتطور الذي يميز وجوه النشاط الثقافي والاجتماعي والسياسي في الجمهورية .
ولذلك ، فمن الطبيعي أن يكون استصراخ لجنة الشعر المسؤولين للتدخل في الأمر ، في مصلحة حرية الفكر والتجديد اللذين تسعى اللجنة إلى القضاء عليهما بمفاهيم يابسة بادعاء المحافظة على الأصول !
لن أدخل في تفاصيل النقاش الأدبي الدائر بين المفهومين القديم والجديد في الشعر فإن مقال صلاح عبد الصبور يوضح ذلك ، وينسف آراء لجنة الشعر من قواعدها . ولكن الذي أؤكده هنا أن موقف اللجنة يتناقض مع كل التطور الثقافي الذي تسعى إليه الدولة ، ويتناقض مع حرية الرأي والفكر باعتدائه على حق طبيعي للأديب . هو حق التجديد ولو أردنا الاستشهاد بأقوال الرئيس جمال عبد الناصر في قضية حرية التجديد لوصلنا إلى الجواب المؤكد الذي تقدمه الدولة لجماعة لجنة الشعر . قال في عيد العلم :
((إننا لا نملك ، ولا يجب أن ندعي ملكية أية سلطة تحرم قوى التطور الجديدة من
حقها المشروع حتى في الخطأ)) .
ولذلك فإن هذه القضية الأدبية الخطيرة التي يحدثنا عنها صلاح عبد الصبور ليست قضية اتخاذ موقف من الشعر الجديد.. هل أنت معه أو ضده ، بل هي قضية تدخل فظ في حرية الشاعر ، واعتداء سمج على محاولاته وتجاربه الفنية ، وإرهاب فكري يحاول فرض آرائه الجامدة على جيل كامل من الشعراء ، وسؤال تصحبه علامات تعجب عن مستقبل مركز جماعة لجنة الشعر التي يجب إعادة النظر فيها ! لأنها تسيء إلى سمعة مجلس الآداب والفنون المنبثقة عنه.. وتسيء إلى كل التطور الثقافي الكبير في الجمهورية العربية ، ولا أنسى أن بعض أعضاء هذه اللجنة قد كتبوا قصائد عن فاروق وبعضهم كرسوا له دواوين كاملة.. ولكنني واثق أن مستقبل هؤلاء لن يكون أفضل من مستقبل الصحفيين الذين خدموا العهد البائد.. وحان الوقت لعزلهم.. فعزلوا !



المقال السابع عشر

حبر..على ورق
صداقة بلا مكياج

هذا الذي أكتب عنه ، لا تربطني به صداقة شخصية تطالب الكلمات بحق الحرارة والخبز والملح ! ولكن بينه وبين شعبي ما هو فوق كل الاعتبارات . هذا أخ لم تلده أمي ، ولكنه ابن الضمير الصافي الشفاف ، ورفيق قادر على احتمال التجربة البكر بإيمان عارف إلى أين.. جاهل كيف ! في زمن يكثر فيه السؤال والتمحيص قبل ميلاد الخطوة . إن خطوه يسبق تفكيره لأن ضميره كثير الصراخ.. لا يترك له فرصة الراحة والاستقرار.. فقاده إلينا.. ومن عندنا إلى السجن.. وقبل السجن وفيه منعه عن الطعام.. فصام !
* *
أعترف أنني حين جاءتني أخباره قبل شهور قليلة ، لم يتعد تعليقي أكثر من رفع الحاجبين دلالة عدم اللامبالاة.. والشفقة ، ظناً مني أن بادرته لن تكون إلا فصلاً في مسرحية قد تنتقدها الصحافة.. ثم اعتقاداً مني أن الطريق الذي اختاره لن يوصل إلى شيء ! ولكن الأمر كان أخطر من ذلك ، فهل يفيد اعتذاري الآن أمام نفسي ؟ كدت أقول نعم ! ولكني أخشى أن يتحول ما أكتبه إلى ما يشبه صك الغفران.. فلنضع ، إذن ، أنا ومن ظن ظني ، نقطة وراء هذه الخاطرة.. والشعار ، واليد والخطوة !
* *
قد تختلف معه في أكثر من رأي .
وقد ترفض أن تسير في طريقه الفردي لإيمانك أن الطريق الفردي لا يحقق الأمنية .

_______________
* الجديد ، العدد 2 ، شباط 1965 .
ولكنك ، ملزم باحترامه ، وفهمه . والأهم من ذلك بأن ترفع صوتك مدافعاً عنه وعن حقه في اختيار الطريق لأن الأهداف التي يمشي على الشوك من أجلها هي الأهداف التي نمشي إليها بطرق ومسارب ووسائل ومفاهيم أخرى .
وليس الدفاع عنه هو ما يدخل السرور والاكتفاء النفسي إلى قلبه.. بل الدفاع عما من أجله تحمّل ولا يزال . هذا ما يفرح صاحب هذا القلب النقي ، وهذا ما يعطيه وقوداً معنوياً ومادياً وزاداً للسفر الطويل الشاق .
* *
إن الدرس الذي يقدمه هذا الشاب عن التقارب بين الشعبين درس أكبر مما يتصور البعض .
أقول باختصار : هكذا ، تبنى الصداقة !
فقد سمعنا منذ سنوات الكثير من الخطب والعظات والدروس الكلامية ، وكانت مسيرة التقارب تسير بطيئة بطيئة ، تخدش رأسها وتجرح لأول صدمة بالسور العالي الحاجب بين الشعبين .
وقلنا في كل مرة : لا نؤمن بصداقة القاتل والمقتول.. السجين والسجّان.. السارق والمسروق.. والفارس والفرس ، وغيرها من المقابلات اللفظية !
وقلنا : الكلام ، وحده ، لا يكفي
وقلنا : الصداقة لا تُستجدى
ونادينا بالصداقة الحقيقية التي تشير إلى نفسها بدون دعاية وطبل وزمر لا يحملان وراءهما إلا الفراغ.. صداقة تقوم على قاعدة المساواة والاحترام ، أو قاعدة العمل المخلص في مقارعة ما يعترض المساواة والاحترام وغيرهما من الحقوق الإنسانية ، بدون منة أو حسنة ، بل بفهم وإدراك بأن هذا العمل خادم للشعبين .
وجاء هذا الشاب ليضرب أحسن مثل على الصداقة المضحية الفادية.. والصديق كما نقول عند الضيق .
* *
لقد تنازل عن كل إغراءات الحياة والمستقبل ، ليلبي صوت الضمير الحي.. الذي
يرفض أن تقوم مدينة على الإثم – كما قال حبقوق..
والمدينة هي.. كرمئيل
والإثم هو.. نهب أراضي العرب !
وكان صوت الضمير يرفض كل نداءات ((الأمن)) وخطر العرب.. وحكايات التطوير.. وما يتشعب عن كل هذه الكلمات التي لا تستطيع لف الحقيقة الدامية بالورد .
ووضع أمامه هدفاً صارماً.. العمل حتى النهاية مع الفلاحين العرب.. ونقل الحقيقة العارية بلا رتوش ومكياج إلى اليهود .
وهنا.. الأهمية الكبرى.. إذا وضعنا جانباً المآثر الشخصية التي يستحقها هذا الشاب.. الأهمية في فتح عيون الشعب اليهودي على واقع ما ترتكبه السلطة الإسرائيلية في الجليل.. وإشغال الأوساط الشعبية منذ أسابيع بهذا الواقع..
* *
ولكن الشاب الذي أعلن الصيام احتجاجاً على الظلم قيد.. إلى السجن !!
أين ولماذا ؟
في إسرائيل التي تحمل على جبينها لافتة ((واحة الديمقراطية في الشرق)) .
لماذا ؟ لأن شاباً يهودياً في مطلع العمر يحتج على الظلم ؟ ويخالف القانون . وهنا يطرح السؤال : أيهما أقوى القانون الجامد أم الضمير الحي ؟
مثل هذا السؤال عرف التاريخ آلاف الأسئلة.. والأجوبة عليها كانت دائماً : الضمير أقوى .
وحين يصطدم قانون ما لا يخدم الإنسان بل يعمل على هدمه خدمة للحاكم الظالم.. مع الضمير الذي لا يستطيع تحمل نتائج هذا القانون ، يقف صاحب الضمير مع ضميره مهما كانت النتائج . هذا من ناحية عامة.. ومن ناحية خاصة فإن قوانين الطوارئ التي أدين بموجبها هذا الشاب لا تتمتع بصفة شرعية مطلقة . فإن أغلبية الجمهور يرفضها ويطالب بإلغائها.. وكذلك أعضاء الكنيست.. لأنها من بقايا ورثة الاستعمار البريطاني !
ولكن الدرس الذي يعلمنا إياه هذا الشاب يجب أن يحفظ جيداً.. تحدي الضمير الحي للقانون الجامد .
ومن هنا ، إن عشرات الفنانين والكتّاب في إسرائيل وقفوا وقفة واحدة مع هذا الضمير .
ومن هنا.. مصدر التفاؤل .
* *
سؤال هام : هل أوري ديفس ظاهرة ؟ أم تصرف فردي لا يقف على قاعدة ؟. من المفيد أن نرى فيه ظاهرة – على الأقل كرد فعل لرأي السلطات وأبواقها - فيه تصرفاً فردياً عاطفياً أو هكذا يلذ لها أن تصوره أمام الناس لتسكت صوته الذي أصبح أصواتاً.. ولترد الناس عن طريقه.. وعن الحقيقة التي عرضها !
ولكن هذا الجنون والطيش اللذان أصابهما يثبتان أن أوري أكثر من صوت.. أكثر من فرد . إنه ظاهرة تململ وتمرد الضمائر الحية على الجرائم الخفية التي ترتكب بحق العرب .
صحيح ، إن أحداً غيره لا يرضى أن ينتقل من مكان سكناه إلى قرية عربية ويصوم عن الطعام ويضرب ، ويدخل السجن . ولكن الكثيرين لا يستطيعون السكوت.. وما يجري في الوسط اليهودي في الشهور الأخيرة من تضامن مع العرب المنكوبين ، ومن اجتماعات شعبية ومن التذمر الكاسح على الحكم العسكري يشكل قاعدة واسعة لهذه الظاهرة.. ظاهرة كسر الصمت ، وكسر القيد.. على اعتبار أن القيد المضروب على العرب لا يشكل ضرراً بهم فحسب ، بل خطراً على الشعب اليهودي.. صاحب الرصيد الكبير في بنك التاريخ من الظلم والإرهاب والملاحقة.. هذا الشعب الذي لقي حتى في ظهر الإرهاب النازي من يتضامن معه ويساعده ، يجب عليه ألا يتعلم من تجربته الدامية..! إدماء العرب أصحاب الجذور العميقة في هذه الأرض.. لأكثر من سبب.. أولاً- الشعور الإنساني الذي يرفض ظلم الإنسان - وهذا وحده لا يكفي بالطبع لأن الإنسان يرفض أن يؤذي الحيوان . بل الأهم من ذلك هو الفهم والإدراك.. فهم حق العرب الراسخ في هذه الأرض.. فهم الكارثة التي قد تنجم عن الاستمرار في هذه السياسة.. وفهم المنطقة- جغرافياً وتاريخياً – التي تعيش فيها إسرائيل... وفهم طبيعة العصر الحديث.. ومجرى التاريخ الذي لا يسير مهما اعترضته الصخور إلى الوراء !
ولهذا ، فإن الضمير والعقل اليهوديان مدعوان إلى إبراز هذه الظاهرة وتقويتها . وإذا لم تكن هذه الظاهرة من الوضوح بالمعنى المفهوم ، فلا شك أنها هزة كبيرة لها ما بعدها..
ومن هنا أيضاً.. مصدر التفاؤل والأهمية !
* *
وسؤال آخر : هل يستطيع هذا الشاب.. الأعزل من السلاح مقاومة الأسلحة الأخرى.. والصمود أمامها ؟
لقد أعاد أوري الثقة لعمل الفرد الذي لا يملك إلا الضمير..
وأعاد أوري الثقة للضمير نفسه .
إن الضمير يستطيع الصمود أمام المدفع.. لأن كلام المدفع فظ لا يقنع أحداً . أما الضمير فيستطيع أن يناقش ويجادل ويقنع.. وتجند الضمائر الحية لتحمل عبء الإحساس معه . إنه المفتاح الذي يفتح الباب أمام الآخرين . ولهذا فإن الفعل الذي فعله هذا الشاب قد تخطى المقدمة الآن وفتح الكتاب أمام الذين لم يغرهم العنوان.. وحين وقعت عيونهم على صفحاته أجبرتهم ضمائرهم على القراءة.. والقراءة نفسها لا تكفي.. هناك الهضم.. والعمل .
* *
ولكن كل هذا الأمر لم يخل بالطبع من أصوات النشاز البشعة الصادرة عمن أعماهم الحقد والكراهية عن كل شيء.. والذين لا يزالون يلوحون بسيف الأمن وكراهية العرب !
مثال على ذلك غريب :
الشاعر اليهودي القومي حاييم غوري (أحدوت هعبودا) :
كتب عن موضوع أوري ديفس مقالاً في مجلة حزبه لمرحاب قال فيما قال : ((لم
يقم أحد من بينهم (العرب) للدفاع عنا من الظلم والأخطار والجرائم..
((إنك تناضل من أجل بضع مئات الدونمات التي دفعت عنا تعويضات كاملة بينما هم يطالبون باغتصاب بلادنا الوحيدة ، إسرائيلنا)) .
وقال أكثر من ذلك غيرة على إسرائيله !! التي أصبح فيها العرب ((رهائن)) !
أعتقد أن علامة التعجب هي أكثر تعبيراً من أي تعليق آخر..
ولننتقل إلى نموذج آخر :
كتب المدعو يهوشع بار يوسف في جريدة ((يديعوت أحرونوت)) بعد أن قال ((قلبي مع أوري ديفس)) :
((إنني أوافق مع الذين ألقوه في السجن ، ولو كنت مكانهم ، لفعلت الشيء ذاته لأنه في مثاليته الفكرة التي يناضل من أجلها . إنه يشبه الطفل الفكرة التي يناضل من أجلها . إنه يشبه الطفل الذي يلعب بمادة انفجار ، قد تؤدي لعبته الساذجة إلى كارثة له ولمن حوله ! وما فعله قضاة المحكمة العسكرية ، يعمله كل أب حسن لولد كهذا – يبعده عن اللعبة الخطرة !
ثم يقول إن أوري ديفس ومن وراءه لا يؤدون إلى أخوة الشعوب.. بل إلى شحذ السكاكين .
ويتهم الفنانين الذين يدافعون عنه.. بالكحوليين البوهيميين ، ويتهمهم بعدم الفهم السياسي..
* *
وبعد ، إن قضية أوري ناقوس نعي الديمقراطية مرة أخرى ، وغضب الضمير على الظلم والإجحاف . وخطوة عملية على طريق التقارب الصحيح بين الشعبين وما تلاها من تطورات ، ظاهرة جديدة تستطيع أن تفعل الكثير إذا ما تحولت إلى استمرار وديمومة !


المقال الثامن عشر
حبر..على ورق

* الضغط والانفجار * جوائز إيش ؟

أبسط قانون في الطبيعات هو : الضغط يولد الانفجار !
وما دمنا في سيرة الطبيعيات ، فهنالك قانون بسيط آخر يقول : لكل فعل رد فعل مساو له في المقدار ، ومعاكس له في الاتجاه !
قد يستغرب قارئ عندما يعلم أن هذا الكلام مقدمة لكلام عن الشعر ، وقبل أن يطول الصبر – وللصبر حدود – ندخل إلى الموضوع :
* *
تحت عنوان ((المثقفون العرب مادة انفجار)) كتب أحد الذين يأكلون خبزهم ثمناً للشتائم على العرب وعلى الذوق والإنسانية ، في مدرسة الشتائم المعروفة ((يديعوت أحرونوت)) ، ما يلي :
((إذا كان المواطن العربي البسيط – الفلاح والعامل والحانوتي ، مستعداً لإراحة نفسه من السياسة ، والتمتع بالإمكانيات الاقتصادية الرائعة التي تمنحها إياه دولة إسرائيل ، فإن الشاب العربي المثقف يرى أساس حياته في القومية . ومن هذه الناحية فإنه أكثر مثالية من الشاب اليهودي المثقف)) .
إن كذبة ((الإمكانيات الاقتصادية الرائعة)) الممجوجة ، تنسفها كل الحقائق الكئيبة التي أصبحت تجند الأوساط اليهودية الواسعة لرفع أصابع الاتهام ضد خالقيها.. ويكفي أن نذكر أيام تحدي الضمير والشرف ، لأصحاب هذه الدعوات الرخيصة . وتجريد العربي من الأرض والحرية والتجول ، ثم محاولة تجريده من الكرامة . لا يمكن أن يكون ثمنه ما يسمى بالإمكانيات الاقتصادية الرائعة ، إلا إذا كنا نعتبر بهائم ! تلهينا حزمة حشيش عما نحن فيه ، هذا ، إذا صدقنا ما يقال عن روعة هذه

_______________
* الجديد ، العدد 3 ، آذار 1965 .
الإمكانيات !
* *
لنكمل الرحلة مع المقال المذكور أعلاه ، قال المذكور :
((في الأيام الأخيرة ، جاءني صديق لي يعرف اللغة العربية ، بمجموعة من التراجم الشعرية الجديدة . وقد ذهلت لدى قراءتها . فالأشعار نشرت أسود على أبيض في دولة إسرائيل ، بدون مراقبة بالطبع ، وتدل هذه القصائد على كراهية سوداء كالجحيم للدولة وللصهيونية . ولا أستطيع إلا أن أعبّر عن استغرابي لأن حكومتنا لم تنشر هذه الأشياء للرأي العام في الداخل والخارج كما هي . فالجمهور لا يعرف إلى أين تصل هذه الكراهية)) !
إنني ، في هذه المناسبة ، أرفع صوتي مع كاتب هذا المقال في دعوته الحكومة نشر هذا الشعر في الداخل والخارج.. فهل تجرؤ على هذا الأمر الذي يعريها في الداخل والخارج عندما تفتح الطريق إلى صرخاتنا للرأي العام ؟ إنني باسم جميع زملائي ، أقدم لها شكري الجزيل.. لأنها تقدم لنا خدمة ما كنا نحلم بها ، إذ توصل كلماتنا إلى أوساط أوسع لعلها تسمع صوت جراح شعبنا ، فتجندها ضد أسباب هذه الجراح .
نعم انشروا هذا الشعر لنرى أيا منا يدين . ولكن ، حذار من التزييف والتزوير ! ونكفل أن يكون شعرنا رسولاً أكثر أمانة وصدقاً من ((المبشرين)) السياسيين الذين ((تصدرونهم)) إلى الخارج للحديث عن ((الجنة)) التي يعيش فيها العرب . مرة أخرى أكرر رجائي ، وشكري المسبق !
* *
لم تقف المسألة عند هذا الحد ، فلنكمل الرحلة مع المقال المذكور :
((إنني أنصح من ينتقد حكومة إسرائيل على نقص الديمقراطية الممنوحة للعرب أن يقرأ كتاب فرج نور سلمان ((أبرياء وجلادون)) الذي سمحت الحكومة بنشره)) !
ثم ينتقل إلى كاتب هذه السطور فيقول :
((محمود درويش ، الذي يعتبر بين الشعراء العرب المجيدين ، نشر في ((الجديد))
قصيدة بعنوان ((أنا وبلادي)) قال فيها :
أنا ثائر ، لست الوحيد بثورتي
حملت جروحي حقد مليون بأرض الغربة
إن يسألوا عن دينهم قالوا : نشيد العودة
وألههم وطن يزنر بالحدود الوقحة
شدت إليهم قلوبهم ، رغم القيود الوقحة
و... :
أنا ثائر.. بمرارة الحقد البعيد الهوة
بظلام سجني ، بالخريف المر في أنشودتي
أنا ثائر حتى تفتت قيدنا حريتي
و... :
أأضيع تحت الشمس حتى يهتدي
ذئب ، ويلعق من دمائي راغدا ؟
(((الذئب)) كما هو مفهوم : شعب إسرائيل) .
ويكمل : وفي قصيدة ((بطاقة هوية)) التي نشرت في الاتحاد في سبتمبر 1963 يقول للموظف اليهودي الذي يسجل تفاصيل عنه في هويته :
سجِّل ! أنا عربي
سلبت كروم أجدادي
وأرضاً كنت أفلحها
أنا وجميع أولادي
ولم تترك لنا.. ولكل أحفادي
سوى هذي الصخور ، فهل
ستأخذها حكومتكم كما قيلا ؟
إذن سجِّل برأس الصفحة الأولى :
أنا لا أكره الناس
ولا أسطو على أحد
ولكني إذا ما جعت آكل لحم مغتصبي !
حذار.. حذار من جوعي ومن غضبي !
وهكذا في سائر أشعاره ، المكتوبة بالمناسبة بموهبة كبيرة ، الأمر الذي نستطيع أن نلاحظه حتى من الترجمة الحرفية)) .
شكراً ، على التقدير الفني ، الذي لا يخفف من لؤم المؤامرة الدنيئة رغم ما يحاول المذكور تغطيتها ((بالموضوعية)) و ((النقد الفني)) المضحكين !
ولكن هذا ليس كل شيء ، فانتظروا دوركم أيها الزملاء.. وهاكم :
((وسالم جبران ، الذي يعتبر أيضاً من الشعراء المجيدين يكتب :
في مهجتي..
أشواك حقل سائب للاجئين
وجراح عزة أمة
أضحت مقابرها كروم .
وفي قصيدة أخرى يكتب :
الأرض ميراث لنا يا إخوتي
وللطغاة الموت والظلام !
وتوفيق زياد يكتب في قصيدة عن ((القضايا المشينة)) :
يا سادتي !
حولتم بلادنا مقابر
زرعتم الرصاص في رؤوسنا
نظمتم المجازر
يا سادتي !
لا شيء هكذا يمر
دونما حساب .
فكل ما صنعتم لشعبنا مسجل على دفاتر !
وفي ختام هذه ((الدراسة)) ، يكتب أن الشعر هو أداة المثقفين العرب التعبيرية . وهؤلاء المثقفون لم يسلموا للاحتلال الصهيوني.. و.. وكلام كثير على هذا الوزن !
* *
لا يخفى على أحد أن هذا المقال هو جبهة واحدة من الجبهات التي تشنها السلطات على الشعب العربي في هذه الأيام لتبرير الواقع سواداً واكفهراراً ، وتفسيخ وحدة الصوت العربي اليهودي الذي ارتفعت نبرته وزادت صفاء في المدة الأخيرة لرفع يد الإرهاب والسرقة عن الشعب والأرض العربيين . فبهذه الصفحات السوداء تشوه سمعة عدالة وإنسانية قضية العرب في عيون اليهود ، عندما تضعنا في هذا الموضع اللاإنساني ، وتصوير صرخاتنا على جميع أشكال الظلم اللاحقة بنا صرخات على الشعب اليهودي نفسه.. واضعة شراسة السلطة ولا إنسانيتها إحدى قيم اليهود الأساسية وشريكتها ! وبهذا التصرف ترتكب أشد أنواع الغباء عن قصد أو عن غير قصد . لأنها تضع اليهود في أكثر المواقع إهانة وشوفينية . بالإضافة إلى استهانتها بمقدرتهم على الفهم والتمييز بين معاداة السلطة ومعاداة الشعب . والسؤال هو : هل برهن الكاتب المذكور ما يبشر به من رأي من خلال الشعر الذي نشر ترجمته للقراء اليهود ؟
لا أعتقد بضرورة القول له ولأمثاله إننا لا نخاف من هذه الحملة التي تزيدنا تحدياً.. لأنه يدرك ذلك كل الإدراك.. ولأن المقال غير موجه لنا ! إنه موجه لليهود الذين فتش لهم عن أبشع النعوت في شعرنا . فنحن ، مثلاً ، حين نكتب عن أطلال قرية رحلنا عنها ، وعاثت فيها الذئاب بعدنا ، يصيح المحرضون علينا : اليهود هم الذئاب ! وحين نهاجم طاغية ونقول له إن مستقبلك هو مستقبل الطغاة الذين سبقوك يصيح المحرضون : إنهم يدعون إلى القضاء على اليهود ! إننا لم نقل إن اليهود ذئاب وطغاة ، ولن نقول ذلك لأننا لسنا عنصريين قذرين مثل هؤلاء المحرضين فإن إنسانيتنا ومحبتنا لكل الشعوب لن يحولهما أحد إلى كراهية شعب ، فمن الذي قال إذن ؟
مرة أخرى ، نتهم هؤلاء المحرضين بشتم اليهود ، الذين يضعون كلمة ((يهود))
مرافقة لكل كلمة بشعة في شعرنا.. ولا أستغرب إذا كتبنا عن العاهرات أن يستغل المحرضون ذلك للقول إن العهر هو من صفات اليهود !
ومع ذلك ، فلن أظن أن مصدر الانحدار إلى هذا المستوى السفلي هو الغباء أو مركب النقص اللذان يبرزان للوهلة الأولى ، إن أعداءنا العنصريين يحاربوننا بشتى الوسائل حتى لو كانت وسائل قذرة تقزز النفس !
* *
وبعد ، هل المثقفون العرب مادة انفجار ؟
إن هذا التساؤل يجب أن يؤخذ مأخذ الجد ، بغض النظر بالطبع ، عن النية الكامنة وراء هذا التساؤل بصدورها عن طرفين متناقضين . فحين تقول عنا ((يديعوت أحرونوت)) إننا مادة انفجار تقصد بذلك التنديد بخطرنا ، متجاهلة أسباب الانفجار . ودعوتي لزملائي في هذا المجال ، أن يزيدوا من انفجارهم.. انفجار كلماتهم ، لتخرج بحجم الضغط الذي يعبئها بالغضب والألم.. والأمل ، لأن ما يلحق بنا من إرهاب وتحريض ، ناجم عن كوننا ربطنا مصيرنا ومصير كلماتنا إلى الأبد بشعبنا.. فلنشحذ هذا السلاح ولنتمسك به ما دام يثير الثيران العنصريين !! ولنرفعه إلى مستوى الانفجار !
2
أراد طبيب في مستشفى أمراض عقلية إجراء محادثة تليفونية عاجلة ، فطلب من عاملة التليفون فتح خط التليفون بسرعة ، ولكنها تأخرت ، فصاح الطبيب : هل تعرفين من أنا ؟ فأجابت : كلا ! ولكني أعرف من أين تتحدث !!..
. . . . . . . .
وأنا ، لم أقرأ بعد المواد التي نالت جائزة المجلس الأهلي للثقافة والفنون.. لأحكم عليها حكماً عادلاً ، ولكني أعرف من منحها الجائزة بعد أن نالت رضاه وإعجابه ووجوب تشجيعه ! وهذا أمر قد تخفى أهميته على بعض ذوي القلوب المفرطة في الطيبة ، ولكنه أمر حاسم في نهاية المطاف ! عندما نعلم أن المجلس المذكور تابع لوزارة المعارف ويرأسه ميخائيل أساف المعروف جيداً للقراء !
ومن حضر حفلة توزيع الجوائز يستطيع أن يرى ، بسهولة ، الجو العائلي الحكومي المسيطر على القاعة ! ولا نحتاج إلى جهد كبير للعثور على جواب هذا السؤال : أي أدب ينال إعجاب السلطات ؟
ليس من الضروري أن يكون أدباً واجبه رش السكر على الموت ! وليس من الضروري أن يتجنب مدح السلطة مباشرة ! يكفي أن يغمض عينيه . يكفي أن ينطلق إلى الغيم والنجم . يكفي أن يتنهد على ذكرى حبيب خان ! يكفي أن يجلس على رصيف المعركة متلهياً ببعض الألعاب ورصف الكلمات بعيداً عن مشاركة شعبنا فيما هو فيه . فهذا ما تريده السلطات ، وتدفع جوائز له .
ثم ينفخون في الأبواق : إننا نشجع الأدب العربي ونرعاه !
أي أدب يا.... !
. . . . . . . .
يكفي أن نشير إلى النظرة الرسمية للأدب العربي الإسرائيلي من خلال بعض الكلمات التي ألقيت في حفلة توزيع الجوائز :
قال مؤيد إبراهيم الذي ألقى كلمة نيابة عن ميخائيل أساف :
((لقد كانت الحركة الأدبية جديرة بأن تؤتي ثماراً مباركة لولا بروز الأحزاب السياسية وتناحرها على المواطنين العرب في البلاد وانقضاضها على الأدباء لاستغلالهم لأغراضها الحزبية الضيقة . ويا ليت الحزبية ابتعدت عن الأدباء ، أو يا ليتهم ابتعدوا عنها لاستطاعوا إنماء شخصياتهم الأدبية وتفادوا التمزق والتناحر لا بل العداء)) !
أي الأحزاب يقصد ، وأي الأدباء ؟
أما الأدباء الذين يعنيهم – ونحن نعرف من يعني – فهم الذين يقودون – مع أصدقاء طريقهم الآخرين – الحركة الأدبية الصاعدة ، ويرفضون مسح أعتاب ونعال أسياد حضرة الشاعر المعلم !
وأما الحزبية المبائية فقد كان إشعاعها هنا يخطف الأبصار .
أما أحمد إدريس فقد قال باسم لجنة التحكيم ، بعد أن أعرب عن تقدير المسؤولين
للأدب العربي المحلي : ((أنتم أيها الكتّاب قادة الأمة توجهونها وترسمون لها الطريق وتضيئون لها الظلمات ، تقوّمون المعوج وتصلحون الفاسد)) .
كيف يضيء الأديب العربي الإسرائيلي الظلمات ؟ بدون أن يعادي ويقاوم من يسببون الظلمات ؟ وكيف يمنح له هؤلاء جوائز عن هذا العمل . عليه أولاً ألا يحلم بجائزة من دائرة مظلمة ، إذا كان فعلاً لا يحب الظلام !
أما الشاعر جمال قعوار فقد أثار استغرابي بقوله :
((نحن هنا في هذه الدولة لمسنا وسائل متعددة من الجهات المختلفة من أجل تطوير أدبنا العربي المحلي . فهنالك الأيام الدراسية التي تقيمها الدائرة العربية في الهستدروت !! وفتح زوايا للأدب المحلي في دار الإذاعة !! ورحابة صدر الصفحة الأدبية في جريدة ((اليوم)) !! ولكننا نفتقر في هذه البلاد إلى مجلة أدبية عربية حرة تكون منبراً لآرائنا وإنتاجنا ، وأخيراً هذه الجائزة التي يقدمها المجلس الأهلي مشكوراً !! والمؤسسات التي تحذو حذوه ستعمل من أجل رفع مستوى الأدب العربي المحلي إلى جانب الآداب العربية في الدول المجاورة !! )) .
أكرر التعبير عن استغرابي هذا الكلام الصادر عن شاعر كجمال قعوار ، عندما يتحدث عن الوسائل المتعددة من ((الجهات)) لتطوير الأدب العربي ! وأستغرب أكثر عندما يعدد هذه الوسائل : الأيام الدراسية ، دار الإذاعة الإسرائيلية ، وجريدة ((اليوم)) !! وجمال لا يجهل أبداً مهمات دار الإذاعة وجريدة ((اليوم)) وسمومهما . وجمال لا يجهل أبداً ما هي مهمات الأدب العربي الإسرائيلي الحي التي تتناقض أشد التناقض مع مهمات الأبواق التي امتدحها . فهل علينا أن نعيد حكاية ((إبريق الزيت)) لشاعر مثل جمال قعوار ؟! ما دام واجب أدبنا أن ينير الطريق أمام شعبنا فعليه أن يتمرد على الظلام الذي يغطي هذا الطريق . والظلام من أين ؟ والأبواق التي يمتدحها هي التي تقول إن هذا الظلام نور ! وتعادي كل نور في الدنيا لأنها خادمة الظلام ، فكيف تعمل على تطوير أدبنا إذا كان أدباً حقاً يميز عدوه من صديقه ؟!
. . . . . . . .
لقد كان من حسن حظي الحصول على القصائد التي قدمها صديقي الشاعر جمال قعوار للمسابقة ، ونال عليها الجائزة .
وأرى لزاماً عليّ أن أسجل أن أجمل قصائد جمال لم يضمنها المجموعة المقدمة إلى المسابقة.. لماذا ؟ لأنه واثق من أنه لن ينال عليها الجائزة ، لأنها تقف على الطرف النقيض لموقف أصحاب الجائزة ، بدخولها صميم الحياة وتجربتها ووقوفها مع النور في كل مكان ، وتعادي الظلام وأصحاب الظلام وتغني للسلام والحرية . إن مجرد اختيار جمال لقصائد معينة للاشتراك في المسابقة مضحياً بأجمل قصائده – وكل ذنبها أنها تنشد للحرية والسلام – دليل صارم على أنه لا يجهل من هم الذين يمنحون الجائزة وما هي نظرتهم إلى الأدب . وهذا الاختيار الذي قام به جمال ينسف جميع آرائه التي قالها في الاحتفال .
وأرجو ألا يُفهم من هذا الحديث أن أشعار جمال التي قدمت للمسابقة هي بمثابة مدائح للنظام القائم ، وخدمة له .
إن اعتراضي عليها هو أنها لا ترسم الصورة الكاملة الصحيحة لشخصية جمال قعوار الشعرية ، بل تصور أطرافاً من هنا وهناك وتحوم حول القلب ولكنها لا تصله . وترفرف تريد الطيران ولكنها لا تحلّق لأن أفقها محدود باعتبارات إذا اخترقت يخسر الشاعر الجائزة . وبذلك بقي يدور حول نفسه في أفق ضيق يغني الحب والعبير والذكريات والسأم والنعومة !
وهكذا ، ضحّى جمال بشخصيته الشعرية من اجل جائزة لا تكسب الشرف ، ولا تحمل إكليل الغار لحاملها . ولو تمهل قليلاً وسأل نفسه بهدوء جائزة عن أي شعر ؟ ومن يمنحني إياها ؟ ولماذا ؟ لوصل إلى نتائج توجع الضمير .
. . . . . . . .
وبعد ، لم أستغرب تصرف مانحي الجائزة بقدر ما أستغرب تهالك بعض الكتّاب وأشباه الكتّاب عليها ، كأنهم تلاميذ يقدمون امتحان اجتياز في مدرسة ليست فيها اعتبارات فنية وفكرية تستحق الالتفات .

المقال التاسع عشر
حبر..على ورق
نحن.. وأنتغوني

لعلها مجرد مصادفة ، أو شيء آخر ، أن يختار مسرح حيفا البلدي ، مسرحية سوفوكليس الخالدة على أكتاف مئات السنين.. ليقدمها على خشبته ، بعد أن قدم مسرح ((الكاميري)) في تل أبيب ، بنجاح كبير ، مسرحية روبرت بولط ((رجل لكل زمان)) .
وإن كانت المسافة بين مسرحية سوفوكليس أبي المسرح ، ومسرحية بولط تتجاوز مئات السنين ، إلا أن خيطاً ما يربط بين موضوع المسرحيتين ، هذا الموضوع الذي لا يزال ينبض بالحياة والحرارة بشكل نستطيع أن نقول إنه الآن يغلي أكثر منه في الماضي ، لحدة الصراع بين الناس.. بين الطبقات.. بين الفرد وقيود المجتمع.. وبين الشعب والسلطة.. وبين العتمة والضوء .
ومن هذه الزاوية ، سأنظر إلى مسرحية سوفوكليس الرائعة ((أنتيغوني)) التي قرأتها قبل سنوات ، وشاهدتها قبل أسابيع على خشبة المسرح البلدي ، غير ناس ولا متناس قيمتها الفنية المشرقة والصامدة أمام توالي الأجيال ، وجوانبها المتعددة التي تعكس جوانب من الحياة والفكر اليونانيين في عهدها .
ولكن الذي يستوقفني هنا ، في الأساس ، هو اختيارها في بلادنا وفي هذه الأيام التي تشهد صراعاً يشبه إلى حد ما ، قد نوسعه وقد نضيقه ، الصراع الذي يدور في المسرحية : صراع الضمير الإنساني الحي والعدالة الإنسانية .
مع القانون الجامد اللاإنساني الذي يخدم مصالح أصحاب الحكم على حساب أي اعتبار آخر .
ومن المفيد ، أن أسجل أن هذا الصراع عولج في أكثر من عمل أدبي ، بعد أن

_______________
* الجديد ، العدد 4 ، نيسان 1965 .
سجله سوفوكليس ، لأنه من طبيعة نشوء الطبقات في المجتمع ، ومن أراد أن يضرب الأمثال ويعقد المقابلات والشواهد على خلود هذا الموضوع ، فإن المجال في الأعمال الأدبية واسع أمامه . ولكني هنا ، لغاية في نفس يعقوب ، أورد المقارنة التي عقدها أحد مترجمي الأدب اليوناني إلى العبرية بين مأساة أنتيغوني وبين إحدى أساطير التلمود :
كان الرابي يوسي بن كيسما يحب التوراة من كل قلبه ، وكان مستعداً أن يتنازل من أجلها عن آلاف الدنانير من الذهب . وعندما أصدرت روما عقاب الموت بحق من يعتني بالتوراة.. حذّر صديقه الرابي ((حنينا)) من التضحية بحياته لمخالفته قانون روما . وعندما لم يستمع إليه الرابي ((حنينا)) مستمراً في تعريض نفسه للخطر قال له : إني أحذرك ! فسيحرقونك ويحرقون توراتك !. إن نظرته إلى الواجب المقدس المحدد الذي لا يستطيع الصمود أمام تحذير روما يشبه نظرة أخت أنتيجونا التي حذرتها.. أما الرابي الذي قُتل فإنه فعل كما فعلت أنتيجونا !
. . . . . . . .
والآن ، ما هي قصة مأساة أنتيغوني ؟
عندما اعتلى ((كريون)) عرش ثيبة ، بعد موت أبني الملك أوديبوس ، أمر بعدم دفن جثة ابن الملك.. ((بولينيس)) الذي اعتبره خائناً !.. وأمر بترك جثته عرضة للكلاب والطيور.. ومن يخالف أمر الملك ينل عقوبة الموت ! ولكن أخت ((بولينيس)) ، ((أنتيغوني)) لم تستطع الرضوخ لهذا الأمر القاسي الذي يناقض قوانين الآلهة (في دستور صولون كان هنالك أمر يقضي برش التراب على الجثة التي لم تدفن) ، ويخالف نداء عاطفتها وحبها لأخيها الذي من دمها ولحمها . ولذلك تقرّر دفن أخيها مهما يكن الثمن حتى لو غضب الملك القاسي القلب . وعندما تعرض الأمر على شقيقتها تحاول ردعها عن القيام بهذه المخاطرة خوفاً من غضبة الملك وتقول لها : ما نحن إلا نساء.. وهذا هو مصيرنا.. الخضوع أمام الكبار وإطاعة أوامرهم.. ولكن كان العبء ثقيلاً ! فتجيبها أنتيغوني : من الخير لي أن أموت بعد أن أؤدي عملي ، فعندها سأرتاح إلى جانبه.. إلى جانب حبيب روحي !
ويستمر النقاش بين الشقيقتين : أنتيغوني تستمع إلى نداء عاطفتها وضميرها غير آبهة بأمر الملك وبنتائج خرقها لهذا الأمر.. وشقيقتها تخاف أمر الملك وتُخضع له عاطفتها وضميرها . أنتيجونا تختار الموت ! وشقيقتها تختار الحياة . وتنهي أنتيجونا الحوار قائلة : إن شيئاً واحداً سيبقى لي : هو أن أموت موتاً مستقيماً ! وهي ، هنا ، تمثل الشخصية الخالدة التي يقودها قلبها وضميرها النقيان البسيطان المليئان بالحب والبساطة والجرأة العفوية إلى حيث يدعوانها.. عارفة ما هو مصيرها.. وغير قادرة على إيجاد حل وسط أو مصالحة ، بين رغبتها ورغبة الملك : بين الضمير والقانون !
ويتضح هذا الصراع في الحوار الذي يجري بينها وبين الملك ، عندما يُلقى عليها القبض بعد أن غافلت حرس جثة أخيها ودفنته . فحين يسألها الملك إن كانت تعترف بالتهمة . تجيب ببساطة : نعم ، وحين يسألها إن كانت قد عرفت أمره ، تجيب ببساطة أيضاً : عرفت جيداً ، عرفت كل شيء . وحين يسألها كيف تسمح لنفسها بمخالفة أمره . تجيبه : إن أمرك غير صادر عن الإله زفس.. فإن أمراً كهذا لا يخالفه الإنسان ، ولكن أوامرك أنت ليست قوية بحيث أحافظ عليها . إن قوانين الآلهة غير مكتوبة ولكنها وطيدة ! وتقول بشجاعة : لن آسف على ما سأحاكم به . هل هنالك ما يبهجني أكثر من قيامي بدفن أخي ؟ وتقول عن الآخرين : إن كل الواقفين هنا يوافقون على فعلتي لولا أن الخوف يعقد ألسنتهم وشفاههم ! وفي مكان آخر تصرخ : لم أخلق لأزيد الكراهية.. بل لأزيد الحب !
فيأمر الملك بربطها بصخرة وإلقائها في قاع مهجور . وفي وداعها الحياة تقول بحسرة وإيمان :
((سأهبط إلى الجحيم . إني آخر أسرتي وأشقاها . ولكني سأهبط مملوءة بأمل أن يكون وجودي مبعث سرور لأبي ، وقرة عين لك يا أمي ! ولك أيها الأخ العزيز فإن يدي لم تهمل بعد موتك ما كان يجب من عناية بك . انظر يا بولينيس العزيز ماذا ألقى من جزاء على القيام بواجبي . ولكن قلوب أصحاب الفضيلة لن تبخل عليّ
بإعجابها بي ورضاها عني .
أيها العزيز بولينيس ! آثرتك على كل شيء . جرؤت على كل شيء . ولم أخش الوقوف من كريون موقف العاصية..
إدن إذن ، وضمني إليك ! تقبَّل أختك التي تهبط إلى مقر الموتى !. أي ذنب جنيت على الآلهة ؟ إني لتعسة شقية . ماذا ينفعني أن أرفع نظري إلى السماء ؟ وأية معونة أستطيع أن أسأل ، وقد لقيت من التقوى جزاء الآثمين)) ؟!
وعندما يسمع ابن الملك بأمر والده بقتل أنتيغوني – التي هي خطيبته – يحاول أن يعدل أباه عن أمره . ويدور بينهما حوار نستكشف من ورائه شخصية الملك القاسية الدكتاتورية الذي يحب أن يتكلم ولا يسمع . ويأبى أن يستمع إلى رجاء ابنه.. فيهرب الفتى وينتحر مع حبيبته . وعندما يصل إلى زوجة الملك خبر مصرع ابنها تنتحر هي بدورها . وهكذا ، تنتهي المأساة المؤثرة ، ويصحو الملك على نفسه ولكن بعد فوات الأوان .
. . . . . . . .
كتب أحد الاختصاصيين بالأدب اليوناني : ((إن شخصية ((كريون)) الملك هي إحدى النماذج الممتازة في الأدب العالمي والتي تصلح لأن تكون تحذيراً للأجيال)) ! إن شخصية كريون التي خلدها سوفوكليس منذ سنة 420 قبل الميلاد تقريباً ، لا تزال لافتة حتى أيامنا ، تشير إلى نفسية وتفكير الطاغي والدكتاتور ، وتشير أيضاً إلى مصيره ، وتصوِّر شهوة الحكم في نفسه على حساب موت الناس والمبادئ في سبيلها . لقد حولته شهوة الحكم إلى حيوان مفترس لا يرى ولا يسمع . ويكفي للدلالة على شراسته أنه أراد الانتقام لا من الأحياء فقط بل من الأموات أيضاً . وقال في أحد فصول المسرحية إن عدوه يبقى عدوه وهو ميت . ولهذا أمر بعدم رش التراب على جثة بولينيس بل تركها طعاماً للطيور والحيوانات ليشفي غلة حقده ونقمته ويوطد دعائم عرشه . ولم يتورع عن تنفيذ حكم الموت بحبيبة وخطيبة ابنه.. كل هذا تحت شعار خدمة مصلحة الدولة التي يحكمها – والدولة لا تعني بالطبع إلا كرسي عرشه – وإن كان ذلك قبل 420 سنة قبل الميلاد ، فإن الطغاة حتى اليوم ، لا يزالون يخبئون جرائمهم ، وراء ستار حب الوطن وأمن الدولة التي
يؤذيها دفن ميت ، الذي لا يعني في نظرنا الآن إلا رمزاً يصلح لأن يشير إلى أشياء
أخرى كثيرة تجري في زماننا !
وعندما يجيء العرّاف إلى الملك ليعدله عن رأيه بقتل أنتيجونا ، بلجوئه إلى وسائل العرافة بالطبع ، يدور بينهما حوار هذا بعضه يكشف عن شخصية الملك وتسلطه الشيء الكثير :
العرَّاف : الآلهة لا تتقبل منا الصلاة ، ولا التضحية ، ولا اللهب الذي يرتفع من أفخاذ الضحايا . وليس من بين الطير ما يبعث صوتاً ينبئ بخير ، لأنها قد امتلأت من شحم الإنسان ودمه . فكر في هذا يا بني . إن الخطر شائع بين الناس جميعاً ولكن الرجل الحكيم السعيد إذا أخطأ ، أصلح خطأه ، ولم يصر عليه.. ولا تعاقب جثة هامدة . أي نفع في أن تقتل مرة ثانية من ليس له حظ من حياة ؟
كريون : أيها الشيخ ، إنما أنتم جميعاً كالنبالة تتخذونني غرضاً ، وتصوّبون إليّ سهامكم.. فأما بولينيس ، فإنكم لن تدفنوه ، حتى ولو احتمل نسر زفس بقية جثته إلى عرش الإله في الأولمبس . كلا . سأحول دون دفنه لا أخشى في ذلك مثل هذا الإثم .
العرَّاف : إن الحكمة لأقوم من الخير كله .
كريون : كما أن قلة الحذر هي أعظم الشر .
العرَّاف : ومع ذلك فهو الشر الذي ألمَّ بك .
كريون : كل أمر العرافين جشع .
العرَّاف : وكل أمر الطغاة حب للنفع المخزي .
. . . . . . . .
وتستوقفنا في هذه المسرحية اليونانية ، أن أحداثها تدور على الأرض وبين الناس بدون تدخل قوى خارجية ، تساهم في إجراء أي تغيير في الأحداث والأفكار . والتناقض والصراع فيها كامنان بين أبطالها الناس على الأرض . فرغبة أنتيغوني لا تصطدم برغبة الآلهة الذين أنزلوا اللعنة على أسرتها.. بل ببطش الملك كريون .
ولعل هذه الميزة الباهرة ، هي أحد العوامل التي تفسِّخ المسافة بيننا ، وبين هذه
المسرحية القديمة المتجددة دائماً ، وتجعل مجراها – بالإضافة إلى فكرتها الخالدة –
قريبة منا أكثر من أية مسرحية كلاسيكية أخرى .
وهناك ملاحظة أخرى.. فأنتيجوني وإن كانت الوحيدة في المسرحية التي اختارت الموت انتصاراً لتأدية الواجب الإنساني ، وتتويجاً لتمرد الضمير ، فإنها لم تشكل ظاهرة فردية بالمعنى المحدود للفردية.. الفرد النادر الوجود ، ولكنها كانت انفجاراً يوحِّد حوله ووراءه تذمر وتململ وألسنة لم تتكلم ولم تنفجر لأن الخوف يعقدها.. وأختها التي حذرتها في البداية من مغبة مغامرتها ، أرادت أخيراً أن تختار الموت إلى جانبها.. وحبيبها الذي اختار الموت إلى جانبها – بدافع آخر غير دافعها بالطبع ولكنه يؤلف تمرداً آخر ساعد على زعزعة وتحطيم الملك وإن يكن بعد الأوان.. وكذلك تحذير العراف.. كل هذه العوامل تقنعنا أن مأساة أنتيغوني لم تكن صرخة عابرة في واد سحيق
. . . . . . . .
وبعد ، ماذا نتعلم نحن من مسرحية أنتيغوني ؟ وماذا يستخلص منها الإنسان الإسرائيلي ؟
قد تبدو محاولتي تفصيل ملابس من قماش قديم لأجسام جديدة.. ضرباً من التسلية الفكرية.. أو الغمز الخبيث !
ولكن ، قبل أن أحاول إجراء بعض العملية ، لا أستطيع إلا أن أعبِّر عن خيبة أملي المرة بعد مشاهدتي المسرحية على خشبة مسرح حيفا البلدي.. لم تستطع الممثلة زهريرا حريفاي – التي أبدعت في دور غروشا في مسرحية برخت ((دائرة الطباشير القوقازية)) أن تتحمل الصراع العنيف الذي يلهب صدر أنتيجونا اليونانية . فالحق يقال إن شخصية أنتيجونا – رغم بساطتها – صعبة لأنها محملة بالعواصف.. ولكن زهريرا كانت تفتت عمق ومدى العاصفة بواسطة صرخات قد تكون قوية ولكنها غير صادرة عن القلب ولا تحرك قلب المشاهد الذي بقي لا مبالياً إزاء هذه الصرخات.. هذا بالإضافة إلى أنها لم تلائم انفجارها وصرخاتها مع المواقف .
أما دور الملك كريون.. فإن أبرز نقاط ضعفه صوت الممثل الذي خانه طيلة المسرحية.. إذ سار على وتيرة واحدة ولم يستطع تصوير خشونة وقسوة الملك ولم يعكس دكتاتوريتة ، وقد يثير في قلوب المشاهدين الشفقة أكثر من الغضب ! وأعجبني كثيراً دور خادم الملك الذي أداه ببراعة.. بصوته وحركاته الرشيقة المنوعة .
. . . . . . . .
وبعد ، ماذا تفيدنا أنتيغوني في هذا الزمان وفي هذا المكان ؟
أولاً ، إن سر خلود هذه المسرحية العظيمة يعتمد على أمرين : على اكتمال نضوجها الفني وسحرها الشعري وبنائها الممتع . وعلى خلود موضوعها الذي أشبهه بنوع من النبات يزرع في كل تربة وفي كل مناخ لا يزال فيه مظلوم وظالم. فالسؤال : ماذا على الفرد أن يفعل حين يصطدم ضميره بالقانون الذي يناقض هذا الضمير ؟ سؤال يتجدد كل يوم خاصة في حياتنا وفي بلادنا .
ثم ، إن الرداء الذي يرتديه حامي القانون غير الإنساني ، والإدعاء بأنه يعمل لمصلحة الوطن وحباً للشعب وحفظاً على الأمن ، هذا الرداء الذي كان يخدع بنزاهة الحاكم ، أصبح من الرثة بحيث من المفيد أن نعرض أمثاله من خزانة التاريخ القديم والحديث.. لنثبت أن هذه الظاهرة غير جديدة ، وكما أثبت التاريخ زيف هذا الرداء منذ مئات السنين ، فلا يحتاج الآن في هذا الزمن الصاعد بسرعة البرق ، إلى كثير من الأدلة والبراهين .
وغير ذلك : في هذه المسرحية درس عميق القيمة للذين يحلو لهم التفرج وتقديم أضعف الإيمان : هذا الدرس نتعلمه خاصة من موقف أخت أنتيغوني التي تؤمن بصحة تصرف أختها وتؤمن بعملها ولكنها تنهاها عنه ، لاعتبارات عدم تجاوز القانون.. هذا التجاوز الذي تدفع الحياة ثمناً له.. فالاستقامة عندها أمر مقدس ولكنه محدّد باعتبارات الحيطة والتحفظ والخوف . ولكنها في نهاية المطاف تتمنى الموت مع أختها . ولكن مع أن أنتيغوني راحت قرباناً للغير.. إلا أن موتها كان انتصاراً للضمير والإنسانية والنور عندما وضعت مأساتها أمام اختبار وامتحان التاريخ .


المقال العشرون
حبر..على ورق
على هامش أغاني الدروب

لم يعذبني ميلاد قصيدة ، كما يعذبني ميلاد هذا الحديث.. فمن الصعب أن أجد طرف الخيط لأبدأ في النسيج.. التقيت بسميح القاسم منذ عشر سنوات ومن يومها يكاد يكون لقاؤنا يومياً.. نقرأ سوية ، ونشهد ميلاد قصائدنا سوية ، ونكاد لا نختلف على رأي . ومن هنا يواجهني السؤال المحير : عمن أكتب ؟ عني أم عن سميح ؟ ويعقب هذا السؤال سؤال آخر : كيف أستطيع النظر في قصائد هذا الديوان من الخارج ما دمت قد عشت تجاربها وميلادها ؟
* *
ولذلك ، جلست ليلة كاملة أقرأ هذا الديوان من أوله إلى آخره.. فماذا فعل بي ؟ الجواب يكمن في كلمة واحدة : عراني ! ولعل هذا الفعل يكون مفتاح التأثير وتحسس الدروب لدى القارئ ! لقد رسم الشاعر بدقة وبقسوة صورة الإنسان العربي في هذا الوطن من خلال اتخاذه نفسه رمزاً لهذا الإنسان . فعندما يشكو الشاعر لا توجع شكواه قلبه فقط لأنها ليست ألم قلبه هو إلا لأن قلبه مرصد أحزاننا جميعاً.. فالواقع المر والمميز الذي فرض على حياتنا قد فسخ المسافة التي نقرأ عنها في شعر غيرنا بين ذات الشاعر والناس . ولذلك ، كان النقاش حول هذه القضية عندنا مسألة يكاد يكون مفروغاً منها إذا أراد الشاعر أن يصدق وأن يفلسف هروبه بنظريات يفتتها واقعنا تفتيتاً !
لقد مر سميح القاسم منذ بدأ يكتب على دروب فنية متعددة حتى انتهى به الطواف إلى الوضوح الفكري والفني المميز لأغاني الدروب ، فنسف بهذه التجربة العداء والجفاء اللذين يحاول بعض زملائنا فرضهما على شعرنا.. بين الواقع والفن .

_______________
* الجديد ، العدد 5 ، أيار 1965 .
فكان سميح واقعياً وفناناً ، يلتحم ما يريد أن يعبّر عنه بأداة تعبيره التحاماً لا يتفكك مستفيداً من تجارب شعراء كبار لا مقلداً.. فاتحاً صدره بشتى التيارات دون أن يفقد بطاقة هويته الفنية .
* *
أحياناً ، ينسى الإنسان واقعه.. ينسى أنه يمشي على الشوك.. ينسى أنه سجين وأن سماءه لا تمطر وأن الدود يقطع جذوره ، وأنه يحمل نعشه على كتفه ويمشي.. يحدث ذلك أحياناً . ولكنه عندما يجلس إلى هذا الديوان يتنبه فجأة إلى واقعه ، وقد يسأل نفسه : أحقاً هكذا أنا ؟ ويصفعه سميح بقسوة إنسانية : نعم . هذا أنت !
ليس صحيحاً ما يقال عن سميح أنه رقيق إلا إذا كان السنديان رقيقاً ! والصحيح أنه جارح لا يرحم الجرح حتى يلتئم . ولذلك ، يطيل الوقوف على قبور الأحياء وأشباح الموتى.. يندب.. يصرخ.. يسخر.. من القدر والظالم والله.. يذكرك بأوحش الأسماء : نبوخذ نصر ، نيرون ، الأصنام ، باحثاً عن سواد التاريخ وقصص الأساطير عن رموز ليصطاد عصفورين بحجر ، وليكسب تجربته الفنية غنى .
وسميح ، لا يمتهن الشعر ويحترفه . إنه يكتب لأنه يعيش.. ما جدوى حياتنا بدون شعر ؟ هكذا نسأل أنفسنا ، فلا نعثر على جواب ، رغم أننا ندرك – أو هكذا يخيل لنا – واجب الشعر ! وعدم العثور على الجواب لا يبل عطش السؤال ، ولا يلغي القضية.. دعوها هكذا فلا خطر عليها ما دام الغصن فرعاً من الشجرة .
جلسنا مرة في مقهى صاخب حتى ساعة متأخرة من الليل ، وقلنا : لننس وجهينا ! ولنشرب . كانت ليلة عيد كبير . لم نشعر بالضياع كما شعرنا تلك الليلة . لا أحد يعرفنا . لسنا سوى رقمين بلا صندوق بريد . وعاد كل واحد إلى غرفته ليسهر حتى الفجر . ونلتقي مساء اليوم التالي ليقرأ لي قصيدة ((غرباء)) ولأقرأ له قصيدة ((الحزن والغضب)) . لماذا كتب كل منا قصيدته ؟ مرة أخرى يعود السؤال . لأننا نعيش . وهكذا في أكثر أشعاره.. يكتب ليعرف نفسه.. ليعمل.. ليحتمل الحياة . فهل كانت أشعاره مغلقة على نفسها ؟ مفرطة في الذاتية ؟ أو مسرفة برفع الشعارات ؟ لا . لأنه ليس مزيفاً ولا هارباً ، ولا دعائياً بمعنى الكلمة التجاري .
لأنه شاعر فحسب .
* * *
إن شعره ، أحياناً ، أشبه ما يكون برقصات الزنوج وأغاني الزنوج.. خليط عجيب من الحزن والغضب والكراهية والحقد والحب والتمرد . ولكن أمله ضئيل مع أنه يؤمن بالخلاص . فما يكاد يصل إلى ضوء الأمل المنبعث من أبعاد الغابة.. وراء أشجار الزيتون.. أو وراء أسوار بابل وأنصاب كرمئيل.. حتى يلهث من الألم ولكنه لا ينام قبل أن يقول كلمته الأخيرة كوصية الشهيد سننتصر . وأحياناً ، يكون الأمر غير ذلك : تحدياً فقط . إنه يعلم أن سر الداء فيما يعانيه هو حبه للوطن والحرية والحب.. هذا الحب يغذي كراهية الظالم لنا . تناسب عكسي قائم بيننا وبينه بقدر ما نحب يكرهنا . ونحن ، أحياناً ، أصبحنا نتعلم حب الوطن من خلال كرهنا للظالم.. وخاصة جيل المأساة . ولذلك يخيل لي أن حبنا يحمل من طابع التحدي أكثر مما يحمل من طابع الحب العفوي الخالص . وهذا لا ينفي الحب العفوي الأصيل ولكنه يتغلب عليه . وهنا نعثر على ما يشبه المأساة في أحاسيسنا لو تراكم الحب المتحدي فقط على ما سواه . وليسمح لي أن أنتهز الفرصة لأنبه إلى خطورة هذه الملاحظة التي نشترك فيها نحن جيل المأساة . وسميح أيضاً يحمل هذا الهم الذي نجد ما يبرره بالطبع ، ولكن علينا ألا نبقيه غالباً ، ليصبح حبنا وأملنا محملين – مع التحدي – بالمشاعر الإنسانية والوطنية الخالصة .
ولعل هذه النقطة ترسم لنا خطاً إلى ما يكتبه سميح عن المرأة – رغم الفارق الكبير بين شعره عن المرأة وشعره الآخر.. فأكثر قصائده عن المرأة تمتاز بالرقة والعذوبة والغناء واللطف والهدوء غالباً . ويكاد الشاعر في أكثرها يقلع قدميه من جحيمه فلا يرى أمام المرأة شيئاً سواها وما توحيه من جمال ومغازلة.. وأكثر من ذلك أننا لا نجد سميح القاسم العاشق بل الشاعر المتغزل.. أي أن الشاعر هنا لا يحب بل يتغزل . وأستطيع أن أقول إنه لا يأخذ المسألة بجدية ، فالمرأة في شعره على العموم ليست من همومه البارزة ، وهي ليست إلا صورة جميلة أو ركناً يلجأ إليه لتريحه من صراعه اليومي في دروب حياته ، وهي لا تكاد تظهر على دروب هذا الصراع . وليس هذا عيباً أبداً بل من معالم واقع شعرائنا على العموم.. فأكثر ما نكتبه عن المرأة يكاد يكون غزلاً لا تعبيراً عن حب بل تعبيراً عن إعجاب أو لعبة ورياضة.. وهذه ملاحظة أخرى أنتهز هذه المناسبة لأعرضها للنقاش . لماذا نخاف أو نخجل من التعبير عن حب المرأة ؟ لعل مصدر خجلنا نابع من واقعنا المر.. هذا تفسير وليس تبريراً على الإطلاق ! أو لعل الأمر طريقة شخصية ؟!
* *
رغم أن خيطاً واحداً يكاد يربط قصائد ديوان ((أغاني الدروب)) وهو مأساة العربي الذي بقي في وطنه أو الذي نزح عن وطنه.. وما يلاقيه هنا من عسف وحرمان واضطهاد وما يعطيه من صمود وتحد.. وما يلاقيه هناك من غربة وضياع وما يعطيه من حنين وثقة وتحفز وانتظار . رغم ذلك لم يدخل الشاعر نفسه في صدفة معزولة . إنه يمد بصره على الآفاق وإن كان لا يختار إلا جوانب المأساة فإنه يختار اختياراً عفوياً.. يختار ما يجد أن بينه وبيننا خيطاً ووجهاً متشابهاً . إنه يفتش عن ((الملونين)) والمضطهدين في ثنايا الأرض وثنايا الأساطير ليقول أشياء تقال وأشياء يغنيها الرمز الثاقب عن القول .
وسميح أيضاً يواكب الأحداث.. وهي من مصادر شعره الغنية ، ولكنه – وهذا سر نجاحه – لا يختار الحادثة الصحفية العابرة ، بل الصورة الموحية . والجوهر الباقي بدون أن يضيعه التعميم.. وبدون أن يحول شعره إلى روزنامة تنتهي بانتهاء العام !
ومن مصادر شعره قراءاته التاريخية ، والتاريخ كما نعلم مصدر غني للشعر ولا أعني التفاصيل والحوادث التاريخية التي لا يخرج إيحاؤها إلى موضوع للتهكم.. والفرق أننا سنشارك في السخرية !! أبعد من دوائرها وعندها لا نستطيع وضع العلامة الفارقة بين الشاعر والمؤرخ .
* *
قصائد هذا الديوان متفاوتة في القيمة وإن كانت شخصية الشاعر مطلة من ورائها جميعاً . وقد يرد البعض سبب هذا التفاوت إلى الزمن ، فهي كتبت خلال خمس سنوات ، وقد نضيف إلى مسألة الزمن المسائل الأخرى المعروفة.. فمن غير الممكن أن تقف قصائد أي شاعر على مستوى واحد ، ولكن هذا لم يمنعني من أن أتمنى لو أن الشاعر كان قاسياً على بعض قصائده القليلة فحذفها من الديوان وأدخل بدلاً منها قصائده الجديدة الرائعة ، فأنا ، وأظن أن سميح يوافقني – لا أميل إلى أن يكون ديوان أي شاعر تاريخاً لحياته الشعرية . تسجل فيه كل محاولاته ، وأكفر أيضاً بالخرافة التي يروجها بعض الشعراء أو الفنانين والتي تقول : قصائدي مثل أولادي لا أفضل أحدهم على الآخر !
وفي الديون أكثر من قصيدة رائعة.. ولكن فيه ثلاث قصائد تستوقفني وقفة طويلة لأنها تسجل لافتات فنية باهرة على درب سميح الشعري ، وتشير لنا إلى الإمكانيات الضخمة التي سينطلق فيها الشاعر.. القصيدة الأولى هي ((أمطار الدم)) الزاخرة بالحياة ، سجل فيها الشاعر ، من خلال زاوية صغيرة بسيطة ، عالماً كاملاً معبأً بالمأساة والخواطر والاستسلام والغضب والأسى ، بأسلوب بسيط ناضج اعتمد الصورة والإيحاء ، وغاص إلى أعماق نفسية وحياة هؤلاء الناس ، فأثار قينا من المشاعر والحركة أكثر مما يثيره فينا الشعر الحماسي الذي يعتمد التعميم والضجيج اللفظي . وتداخل الحاضر والماضي في هذه القصيدة تداخلاً رائعاً أمد القصيدة بالحياة والدينامية والحرارة ، وأوحى لنا أننا لم نكن وانتهينا بل كنا ونكون . وأرجو أن يستغل الشاعر هذه الإمكانية – مع تطويرها – في قصائد أخرى .
والقصيدة الثانية قصيدة ((في صف الأعداء)) تشير إلى مقدرة الشاعر على تحويل كل ما يصادفه في الطريق إلى شعر.. وإلى مقدرته على هضم واستيعاب الحدث اليومي البسيط.. والعبور منه إلى عوالم واسعة ، فمن خلال البحث عن أغوار الزنجي البحار الذي صادفه في الطريق ودعاه إلى تناول كأس ، انتقل بنا الشاعر بدون أن يقطع الخيط ، إلى فضح عاصمة ((العالم الحر)) وإلى دقات طبول السمبا في أفريقيا ، وإلى كوبا.. الأنثى الإسبانية . وأثبت الشاعر أن الشعر الكبير يبدأ من الشيء الصغير.. وانطلق في هذه القصيدة من الشكل الدائري إلى الشكل المنبسط الواسع .
والقصيدة الثالثة قصيدة ((المطر والفولاذ)) وهي ذات قيمة خاصة ، فقد برهن الشاعر فيها مقدرته على استيعاب التطور الحضاري الذي يرمز له المصنع . ونسف ما يروج عن الشعر من أنه لا ينبت إلا من الحرمان والتشرد والأغلال والأحزان ويعجز عن الفرح إذا وجد ما يسبب الفرح . إنه استطاع – دون أن يخدش الفن – أن يغازل الآلة ، وتحوّل فهمه لقيمة الصناعة في تطور أمتنا وانطلاقها على درب الحضارة ، إلى إحساس صادق لا زيف فيه ولا تكلف .
*---*---*
وبعد ، إن صدور ((أغاني الدروب)) حدث في حياتنا الشعرية ، يستحق الدراسة والعناية . إنه صرخة فنية عميقة تعكس عمق جرحنا ، وترسم معالم أملنا ، وتوطد صمودنا وإيماننا . وهو إلى جانب ذلك ، مساهمة في رفع شأن شعرنا العربي في بلادنا ، لابتعاده عن أكثر أشكال التقليد الجاف الذي ابتلي به كثيرون من شعرائنا واكتشافه وسائل جديدة للتعبير عن واقعنا الغريب . شكراً يا سميح ! وإلى اللقاء مع أغان أخرى على دروب مشرقة . عندها لا يفرض عليك أحد من حماة القانون أن ((تزين)) ديوانك بهذه الصلبان السوداء التي لم تتمكن من خنق الصرخات الكامنة وراءها . لا تحزن ! لن يذهب أحد من القراء إلى الظن بأنها لون من الرسم التجريدي ، ولكن اسمح لي أن أقول لك على مسمع منهم – ومن أبواقهم وماسحي أحذيتهم – إنها لون جديد من التعبير يفرضه واقعنا الذي ليس جديداً.. فقد عثرت خلال بحثك في أساطير التاريخ عن أمثال هذا الواقع . فماذا كانت النتيجة ؟ احترقت الصلبان.. وبقي الشعر . أذكر أن أحد ((العظماء)) الحمقى غضب من البحر فأمر جحافله بجلده بالسياط ، فماذا كانت النتيجة أيضاً ؟ هل مات البحر ؟! أم ما زلنا نضحك حتى اليوم من تلك الحماقة ؟! ونحن الآن.. تجلد أشعارنا وتخبأ نارها خلف الأقنعة ((الأمنية)) فماذا ستكون النتيجة ؟ غداً ستكون الحكاية !

 

المقال الحادي والعشرون
حبر..على ورق
مهر الكلمة خواطر من السجن الأول

شرف للكلمة لا إهانة ، أن تحظى بالمطاردة.. نصيبها منذ أن عرفت كيف تتكلم ! أن اختبارها في كلمات قليلة هو : أن تسر الأصدقاء ، وأن تغضب الأعداء.. وفي وطني أغضبت كلمتنا الأعداء.. وبتعبير أدق أخافتهم ! ومن هنا ليس مهما السؤال : أيهما أعطاها هذا النصيب القديم – الجديد : قوتها هي أم ضعف أعدائها ؟ لأن الجواب واحد على أية حال .
ما دام الأمر كذلك ، ليسمح لي ، إذن ، أن أعتبر حكاية سجني محاولة خائبة للجم كلمتي .
وليسمح لي أيضاً أن أتعمد بماء شرف كوني أحد الذين يجردون الكلمة في معركة الحب الذي هو جوهر جميع أشكال النضال وقلب الحياة.. لأن هذا الحب الذي لا خجل في الحديث عنه هو الذي يمنحني إنسانيتي.. وشيئاً اتفقنا على تسميته بالفخر لكوني إنساناً .
ولأن هذا الحب المرتكز على فهم الطريق وماهية الهدف – واضحاً كان تمام الوضوح أم غامضاً بعض الغموض – قادر على تفتيت كل ما يعترضنا ، وقادر على تبريره تبريراً متفائلاً ، وقادر على صبغ العراقيل والأشواك والسجون والقيود بلون الأمل والربيع ، ويغير مدلولات الأشياء الناشزة في نظرنا . هكذا مثلاً يصبح السجن بالنسبة لنا عبارة عن ((محطة في الطريق)) ، ويصبح الإرهاب والتعب عبارة عن مهر لأجمل العرائس . وما دام هذا هو الأمر فما همنا إذا ارتفعت جدران السجن أمام الكلمة.. التي هي مفتاح في يد عاشق الحياة !

. . . . . . . .
_______________
* الجديد ، العدد المزدوج 8-9 ، 1965 .
لائحة الاتهام الشكلية ، أدانتني شكلياً أيضاً ، لأني خرجت لبضع ساعات من ((سجني الكبير)) الذي هو وطني فعوقبت بدخول السجن الصغير . ما الفرق إذن بين هذين السجنين ؟
الفرق أكبر من كون السجان متحكماً في جميع ساعات يومي ، مع أن هذا الفارق يحمل شيئاً من الأهمية .
الفارق الأساسي هو : أنني كنت في ((السجن الصغير)) أسيراً لا سجيناً ! ومسألة تحول الإنسان إلى مجرد شيء لا أهمية له بل لرقمه كنت أقرأ عنها في الكتب ولكني هنا في عنواني الجديد أصبحت رقماً في هذه المسألة ، وعشتها طيلة شهرين كاملين . وما يسمى هنا بالمساواة بين السجناء يقنعك بإمكانية فقدان بعض التعابير معانيها الأصيلة.. هنا ينام في غرفة واحدة وعلى سرير واحد.. ويربط بسلسلة حديدية واحدة : القاتل والسارق واللوطي والسياسي والشاعر !
وأخطر من ذلك كله أمر الأسير . فإن الشعور بأنك أسير.. أسير في وطنك هو أخطر ما في المشاعر . هذا الشعور قادر على خلق سلسلة من العقد النفسية التي قد تؤدي إلى الكفر بجدوى الحياة والإيمان بعبثها عندما تشعر أنك منفي داخل حدود وطنك . وهذا ما يرمي إليه أعداؤك . والوصول إلى هذه النتيجة هو علامة انتصارهم عليك !
ولكن عندما لا تتوقع علاقة أخرى ممن لا يؤمن بإمكانية بقائه إلا على انتهاء وجودك.. وعندما لا تتوقع من الذئب إلا الافتراس.. وعندما تدرك أن عدوك هو قبل كل شيء ، عدو نفسه.. لأنه عدو الحياة ، عندئذ ينقلب أمل انتصاره عليك إلى خيبة ، ويتحول سجنك إلى ((دير)) تصلي فيه للحرية صلاة لا كلفة فيها ولا تحفظ ولا مواربة وكأنك تحترفها . ويتحول حبك للوطن إلى نوع جديد من الصوفية لأن فيها الخضوع والقوة والتواضع والكبرياء ، وعندها تأخذ الكلمة من الصلاة عمقها لا خنوعها ، ويتحول صبرك إلى تحد ، وإيمانك إلى روح يسكن في ذراع حرف . وهكذا تعلو على آلام الجرح ، وما يحيط بك من سخافات !

. . . . . . . .
بهذا الشعور ، وبهذا الإدراك ، كنت أبحث دائماً عن البسمة التي تهبني كلمات.. تجعل للحياة طعماً جديداً.. وتكسب الكلمات عمقاً يبتلع الأحزان .
كنت في السجن ، منقطعاً عن كل اتصال مباشر بالخارج . وتشوقي إلى كل ما هو ممنوع عني – أعطى للأشياء قيمة جديدة . هكذا مثلاً ، بدأت أحب القمر الذي كنت أنعته دائماً بالغباء !
أستطيع الآن أن أسجل أن محبتي للقمر ولدت في يوم واضح في الذاكرة.. وساعة واضحة – عندما فتح السجان باب زنزانتي.. كان أول ما رأيت.. القمر يرسل لي بسمات مشاركة في الوحدة أكثر من بسمات الغباء . كان كمن يزف إلي بشرى بقاء الجمال جميلاً ، لم يحدث شيء نحن في انتظارك ! هكذا قالت لي حروفه الفضية ! من السهل على القارئ أن يتصور شاعراً في زنزانة – مساحتها متران ، مظلمة ومعفنة – يفاجئه القمر بزيارة ، يحمل على وجهه هدية هي بسمة غامرة ، فشعرت لأول مرة ، كيف يحرك قرص المرايا والماس ذكرى منسية في القلب ، ورضى عامراً بالدفء كشمس الربيع . وأحياناً ، تتجه خواطري ناحية أخرى : أين أنا وأين سجاني من ((الآخرين)) الذين يسافرون إلى القمر ، بينما لا هم لسجاني ولا طموح إلا إحكام قفل زنزانتي عليَّ !!
هذا السؤال أيضاً يغضب الكلمة ، ويزودها بحرارة الاندفاع ، وتشوق الارتفاع ! . . . . . . . .
أردت في إحدى قصائدي أن أتحرى السنا في الدمع ، ولكني لم أعرف بالضبط كيف يكون ذلك . بل استسلمت للاعتقاد القائل بإمكانية التجربة..
ولكن ، عندما أمرني السجان بحمل المعول والحفر في الأرض ، وقمت بذلك صرت أتنفس بصعوبة ، وأدميت راحتي التي لم تكن معتادة – لسوء حظي ولأسفي – إلا على الورق والقلم وأكف الأصدقاء ، وشعر الحبيبة ! وعندما انحنيت رأيت كيف يمتزج كياني كله بجسد الأرض المستسلمة . وعندما رأيت حبات العرق الفضية تتدحرج عن جبيني وتمد خيطاً طاهراً يربطه بالتراب ، شعرت بمجد الفلاح.. وقداسة غضبه ، برؤيته حبات عرقه ، وقطرات دمه ، تجري في جيوب المستغلين ، وشعرت عندها بسر الحب الأسطوري بين الفلاح والأرض.. ولماذا تمدد فلاحون عرب أمام التراكتورات التي جاءت لتفرق بين المحبين هنا.. وجدتها .
وجدت الضوء في العرق – الذي هو دمع الجلد !
. . . . . . . .
إذا كان مسموحاً لي أن أمضي في الحديث عن نفسي في هذه المناسبة المعطاة لي بلا كلفة.. فإني أعترف – مع إحساس بالخجل وبالذنب – بأني لم أر شروق الشمس ولكني في السجن رأيت هذه العروس الطالعة من بحيرة الضوء والسحاب مع كامل مراسيم الجمال والفتنة ، التي تعري الناظر إليها من كل تحفظ واكتفاء في الحب . أسأل نفسي بعتاب : كيف كنت بعيداً عن هذه الجميلة التي شربت الشاي مع ماياكوفسكي ؟
ولكني لم أقف أمام عرشها الذي أبايعه الولاء والطاعة ، لأدعوها لتناول الشاي.. بل لأشكو لها.. لأشهدها على ما يفعلون بي أمامها وبدون حياء منها ! يداي في القيد.. وقلبي يحترق !
كان ذلك عندما نقلوني مكبلاً بالحديد من سجن إلى سجن في ساعة مبكرة .
. . . . . . . .
بعد ذلك يُسأل سؤال : هل معنى ما أقوله أن السجن مدرسة ؟
- لنا ؟ لا .
- إذن ، كيف شعرت بأشياء جديدة وجميلة بفضل السجن ؟
الجواب : إن هذا بالأساس ، بفضل عدم الخنوع للحزن والألم ، واستخلاص ما يُمكن استخلاصه منهما ، ما دام السجن حقيقة واقعة.. وضريبة لا بد من دفعها للحكام الذين يكنون لنا البغضاء والعداء لأنهم أعداء أنفسهم وأعداء شعبهم .
. . . . . . . .
والآن ، بعد إطلاق سراحي يستطيع هؤلاء أن يسائلوا أنفسهم : هل يكف درويش عن ((ارتكاب الجرائم)) ما دام قد حاز على ((شهادة إنهاء)) من المدرسة ؟ وهل يتجرأ
على العودة مرة أخرى ؟
أجيبهم كما أجاب برتولت بريخت على لسان أحد السجناء في سجن فاشستي كتب السجين اسم لينين على جدار الزنزانة.. وعندما عجز السجّان عن محو الاسم الخالد بشتى الوسائل.. ((نصحه)) السجين : ((اهدم جدار السجن)) !
وآخذ من النبي محمد جوابه الخالد : لو وضعوا الشمس في يميني ، والقمر في يساري...
وأكثر من ذلك ، إن محاولة حبس كلمة الحب ، لا تقل غباء عن محاولة أحد الطغاة ((معاقبة)) البحر بجلده بالسياط لأنه رفض الانصياع إلى رغبة الطاغي . ولذلك ، سأتابع المسير ، فإن عدو الكلمة واحد في كل مكان وزمان.. يبدل ملابسه وعنوانه من فترة إلى أخرى ، ولكنه هو.. هو !
وللقراء أقول : سأستمر في دفع مهر الكلمة الغالي ، سوية مع رفاق الدرب.. العرب واليهود .


المقال الثاني والعشرون

حديث الشهر : كي تكبر
الكلمة..كي تعلو..كي تنتصر
!

الحديث عن الحي يأخذ ، عادة ، وحيه من مناسبة أو ذكرى . وقد اعتدنا في مجلة ((الجديد)) أن نطيع مناسبة الذكرى السنوية ونتحدث عن قضايا مجلتنا ومتطلباتها ونجري مع أنفسنا ومع القراء حساباً مكشوفاً نخرج منه دائماً مدينين للقراء ، ملقين على أنفسنا مسؤولية التعهد بإيفاء هذا الدين.. لنبقى دائماً في موضع الثقة الدافئة منهم ، لأن استمرار مجلتنا بدون هذه الثقة العزيزة لا مبرر له إلا المكابرة الحمقاء!
...............
والآن ، كما ترون ، نكشف أوراقنا بصراحة.. في موعد متأخر وفي مكان آخر . ويؤسفني أو بكلمة أدق يحزنني أن هذا الحديث كان صراعاً قاسياً بين النعي والبشرى . كاد يكون هذا المقال إعلانا بنهاية.. سبقتها علامات غياب طويل دام بضعة شهور ولكن إصرارنا على تطويع الصعب جعل البشرى آخر كلمة في حوارنا مع الظروف . ولهذا ، اطمئن أصدقاءنا الكثيرين الذين واجهونا بأسئلة تحمل من القلق بقدر ما تحمل من الثقة ، بأن ((الجديد)) ستعود إليهم سليمة معافاة كالكلمة المؤمنة التي تعاني العذاب ولكنها تنتصر في النهاية .
...............
أعرف ، أن المطلوب هو الكتابة في ((الجديد)) وليس الكتابة عن ((الجديد)) ولكن الغيبة التي عذبتنا شهوراً جعلتنا نلتفت إلى الوراء.. إلى تاريخ ((الجديد)) الذي هو حقاً تاريخ أدبنا العربي في وطننا وسجل شعبنا الثقافي ، وقصة صراعه مع النسيان والتجهيل واقتلاع الجذور والذوبان في الدوامة . ومن الإثم أن نضع الآن نقطة وراء هذا التاريخ الذي لم يتجاوز مرحلة الغضب، لأن وضع هذه النقطة ضرب من

_______________
* الجديد ، العدد 1 ، 1966 .
خيانة المسؤولية.. وتشويه لقضية مقدسة.. واستسلام لأمر واقع خطير.. وجناية على أزهار تظمأ للندى والنور والهواء.. وحرق لجسر هام يصلنا بالفكر العربي والعالمي .
صحيح ، أن الحديث عن ((الجديد)) هنا ، يبدو للوهلة الخاطفة اعتداداً بالنفس نبيحه لأنفسنا بدون حق ! ولكننا نتحدث عن مجلة فريدة في إخلاصها للمسؤولية والهدف .. لا تخص فئة.. بل تخص قضية ، والقضية قضيتنا جميعاً ، والإسراف في تجاهل قيمتها ، لا يثمر إلا التفريط بقضيتنا الأدبية ، وجعلها عرضة لسياسة صرف النظر والإثارة والتحريض الجنسي ، المتحررة من مطالبنا وهمومنا والملتزمة بتحريرنا منها !
وصحيح أيضاً ، أن النظر المتهافت إلى الماضي.. علامة من علامات الشيخوخة.. حيث يتحول المستقبل إلى ماض حين تعجز خطى الحاضر عن المسير ولكن نظرة الشباب إلى الخلف لإجراء الحساب وتحري الخبرة للدفع نحو المستقبل تقوية للخطوة المندفعة إلى الأمام . وعلى هذا الضوء نلتفت إلى ماضي ((الجديد)) الذي لا يزال الحاضر يسير على تراثه الباقي نحو المستقبل الأجمل . لأن في ماضينا ما يحرضنا على المثابرة ودفع ثمن حمل الراية الشريفة .
...............
ليس سراً أن الأزمة التي تصارع ((الجديد)) دائماً هي الأزمة الاقتصادية.. وأزمة الثقافة العربية التقدمية التي تتصدى لها قوى سوداء أو في لون لا يقترب إلا من السواد.. أزمة كل شعب مظلوم في وطنه يقاوم بالكلمة . ولكن عصوراً وقوى أكثر سواداً في التاريخ البشري حاولت أن تطفئ الكلمة فاشتعلت الكلمة ملأ الدنيا ، ولا تسأل عن الرماد !
من الإثم ، إذن ، أن نطوي العدة أمام هذه الأزمات.. لأن المسؤولية الملقاة على عاتقنا تتجاوز حدودنا . إن قضية أدب المأساة المطروحة على بساط البحث الأدبي في العالم العربي.. تهمنا أكثر من غيرنا.. لأننا أبناؤها أولاً ، ولأننا نعيش في مركزها ثانياً ونعانيها مباشرة.. وهذه الحقيقة جعلتنا محط الأنظار . فلا يمكن ، في رأي كثيرين من النقاد ، أن يعالج أدب النكبة معالجة صحيحة وشاملة.. بدون أن يؤخذ أدبنا بالحسبان ! وهذا هو السبب للاهتمام المتزايد ، في المدة الأخيرة ، بأدبنا في أنحاء العالم العربي وغيره . وهذا يشير إلى أن صرخاتنا لا تضيع في واد . وبالطبع ، حين نتحدث عن أدبنا فإننا نتحدث مباشرة عن ((الجديد)) أعلى منبر في بلادنا لهذا الأدب.. وأبرز عنوان له . هل من السهل أن نتجاهل هذه المسؤولية الكبيرة ؟ إن الضمير الأدبي يديننا أشد الإدانة لو تنازلنا عن هذا السلاح الحاد .
...............
لا حاجة بنا ، الآن ، إلى العودة مرة أخرى ، إلى تسجيل الدور الذي تؤديه ((الجديد)) في حياتنا الثقافية ، وإلى الأهداف التي تسعى إليها ، وتجند كتابنا لها . إن ما يُكتب في ((الجديد)) أو طابعه العام ، يعكس هذا الدور والهدف ويؤكدهما في كل مرة . ولكننا ، هنا ، نحب أن نؤكد أن معركتنا من أجل الحقوق والديمقراطية وتقرير المصير والسلام ، تقوى وتعجّل إعطاء الثمار إذا قوينا شخصيتنا الثقافية وأبرزنا لأبناء شعبنا مكانهم في التاريخ البشري ، فجوهر الثقافة الإنسانية وميراثها الباقي هو رفض الظلم.. وتجميل حياة الإنسان وسيطرته على الطبيعة والظروف وبناء الغد الجميل . ولهذا ، من الصعب اضطهاد شعب مثقف !
وعلينا مسؤولية أخرى.. مسؤولية التفاعل مع الثقافات الإنسانية ، مع ثقافات أبناء شعبنا العربي في وطنه الكبير ، ومع الثقافة الإنسانية الشاملة في أنحاء العالم . لن نكون معزولين ، فكرياً ، عن العالم الرحب ، ولن يُشوه الميراث الثقافي الذي قدّمه الفكر العربي خلال عصور طويلة للعالم ، ولن يربى جيلنا الطالع على العدمية ولن تقام بيننا وبين الشعوب الأخرى الجسور . هذا دورنا . وهذا هدفنا .
...............
وبعد ، قال شاعر أسبانيا لوركا : ((إن شعباً بدون مسرح هو شعب ميت)) . وكم بالحري شعب بدون مجلة أدبية !
نحن على ثقة أن شعبنا الباقي في وطنه لن يموت.. وكلمة شعبنا لن تموت..مدوناً يا أصدقاءنا القراء والكتّاب ، بالمال والحروف كي تكبر الكلمة..كي تعلو..كي تنتصر!



المقال الثالث والعشرون
حبر..على ورق
القاتل..حبيبنا
..!

أغرب صراع بين امرأة وأخيها على أغرب ميراث : قاتل أبيهما !!!
فشل في الدروس..
فشل في أكثر من وظيفة..
فشل في التمثيل..
فشل في الزواج..
سرق كمية من الكتب..
ألقي القبض عليه..
سجن ستة أشهر..
وعندما أطلق سراحه بصق في وجوه الناس والمجتمع كلمات على ورق.. انتقلت إلى المسرح ، فأصبح ، بين ليلة وضحاها ، واحداً من نجوم الأدب .
وعندما كان يمطر الناس بالبصاق والشتائم ، كان رد الناس الإغراق في الضحك والتصفيق . وكان رد ((النقد)) منحه جائزة رفيعة ، كصاحب أحسن مسرحية انجليزية عام 1964 .
وهو الذي قال : ((في السجن ، تكشَّف لي كل شيء.. لقد رفعت المدام مجتمع أمامي تنورتها ، وصدقوني : كانت العفونة شديدة)) !
وأكثر من ذلك غرابة ، إن كثيرين من النقاد اعتبروا مسرحيته أخلاقية . وقبل أن نستعرض المسرحية علينا أن نعرف اسمه .
اسمه : جو أورتون .
وعندما كتب مسرحيته كان عمره 25 سنة . وقد حطم جميع ((الأرقام القياسية)) في

_______________
* الجديد ، العدد 1 ، 1966 .

أدب زملائه الغاضبين ، حتى إن جون أسبورن يعتبر ، في نظري ، بالنسبة له بارداً وهادئاً !
. . . . . . . .
اسم المسرحية ((عزيزنا السيد سلون)) .
وسلون ، كما يفترض المؤلف ، شاب وسيم خفيف الدم يجمع بين البراءة والجريمة ! كان طفلاً عندما مات والداه ، فتربى في ميتم . يقول عن والديه : ((أذكر أنهما كانا محترمين ، عندهما تلفزيون بالتقسيط وحدائق هنا وهناك كما يتطلب الأمر في المجتمع الراقي . وفي كل عام أقوم بزيارة قبريهما.. آخذ معي سندويتشات وأحوِّل زيارة المقبرة إلى نزهة لطيفة)) !
وفي إحدى المرات ، عندما كان عائداً من المقبرة ، التقى برجل غريب دعاه إلى وجبة ساخنة وفراش نظيف ، شريطة أن يصوِّره بعض الصور العارية . لأن هذا الرجل كان مصوراً . وافق عزيزنا السيد سلون . وفي الليل أفاق عزيزنا وندم على فعلته ، وقرر أن يأخذ الفيلم . وفي اللحظة نفسها أفاق المصور أيضاً فظن أن الضيف ينوي سرقته . فتشابكا وقُتل المصور .
حتى الآن ، لم يعرف أحد بالجريمة .
يصل عزيزنا السيد سلون إلى بيت واحدة اسمها كيتي.. وهي امرأة في الأربعين تدَّعي أنها أرملة ولكنها لم تتزوج في حياتها زواجاً شرعياً ! إنها ثمرة ناضجة تنتظر عابر سبيل . ملابسها الزاهية فاقعة الألوان تكشف لنا عن نفسيتها المراهقة والطيبة ! يستأجر عزيزنا سلون غرفة في بيتها المبني على مزبلة المدينة . تؤمن كاتي تدفئة لفراشها وعواطفها التي تفتش عن حب . قالت له مرة : ((سأكون أمك . أريد أن تحبني.. سأخجل منك في الصباح)) وتطفئ الضوء.. ((أي طفل كبير وثقيل أنت.. طفل كبير وثقيل)) !
لسوء حظ عزيزنا سلون و((أمه)) كاتي ، أن والد كاتي ((بابي)) كان شاهداً على جريمة القتل.. إذ كان يعمل لدى المصور . وبابي هذا نصف أعمى ولكنه ذو ذاكرة حادة.. وهو الشخصية الوحيدة ((الناشزة)) في هذه المسرحية.. ونشازه يعود إلى أنه الشخصية الوحيدة الطبيعية ، فهو من بقايا الناس الذين لا يزالون يحافظون على القيم والتقاليد والأخلاق في وقت ، كما يرى المؤلف ، لا يقبلها . وقبل عشرين سنة دخل بابي ، فجأة ، إلى غرفة ابنه فوجده يرتكب إثماً ما ، ومنذ ذلك الوقت لا يبادله الكلام . يكتشف الأب ، منذ البداية ، العلاقة بين ابنته وبين سلون ، فتضطره الغيرة على الأخلاق إلى التنازل عن مقاطعة ابنه ليروي له سيرة أخته مع هذا الشاب الذي يستهتر بكل القيم المقدسة . يقول لآدي ، وهذا هو اسمه : ((إن سلون ينام كل ليلة تقريباً مع كاتي.. وبطنها في المدة الأخيرة أشبه ما يكون بكيس خيار.. ليس من الأكل بالطبع)) ثم يكشف النقاب لأول مرة ، عن جريمة القتل التي ارتكبها سلون . ولكن مسألة الجريمة لا تشغل بال آدي فلا يعيرها اهتماماً ، لأن الغيرة التي أخذت في أكل قلبه تصرفه عما دونها . وعلينا أن نعرف هنا أن أدي مصاب بالشذوذ الجنسي ، وهو رجل أعمال ناجح وساطع.. سيارة فاخرة آخر موديل.. حسابان دسمان في البنك.. ثياب حريرية.. وبدلات أنيقة.. وكل متطلبات رجال الأعمال في مجتمع راق . وكان في بداية القصة قد غضب على أخته لأنها ((تتعاطى الحب والجنس)) مع الشاب الغريب سلون . ولكن عندما رأى الشاب الوسيم غيّر رأيه فقرر جس نبضه لكي ((يتعاطى)) معه الجنس ! وبلهجة تهكمية لاذعة يقول المؤلف على لسان أدي لسلون : ((أنت تعرف أني أعلّق أهمية كبيرة على الأخلاق ! لا أريدك أن تلعب مع أختي !)) ولكن سلون شاب ذكي ((يلقطها على الطاير)).. وبعد خمس دقائق يصبح سائقاً لسيارة أدي.. فيرتدي بنطلوناً ضيقاً ، وقميصاً أبيض ومعطفاً جلدياً . وتتوزع ((خدمته)) على جبهتين : في النهار ((يخدم)) الأخ ، وفي الليل ((يخدم)) الأخت .
ويضحكنا كثيراً عندما تعترف الأخت لأخيها أنها حبلى وفي بطنها طفل . يقول لها أخوها : بطنك تحوّل إلى بستان أطفال !
وعندما يروي الأب لابنه عن كاتي.. يغار أدي كما قلنا ، فيسأل سلون : هل هي حبلى ؟ أنكر ذلك يا ولد ! أقنعني أن هذا غير صحيح ! أي بندوق أنت ! ولكنه
يعانقه في النهاية !
. . . . . . . .
من هذه الملامح ، يتضح لنا مثلث غريب وشاذ : الأخ ، الأخت ، وسلون.. ومن الواضح أن الأب ، كما أراد المؤلف ، لا مكان له هنا إلا تعكير الجو لهذا ((المجتمع)) الحديث.. خاصة أنه يعرف عن ماضي سلون أكثر مما يجب . فقد يبلغ الشرطة ويلقى سلون في السجن .
وسلون طبعاً ، لا يحب أن يكون في السجن..
وكاتي أيضاً لا تريد..
وآدي بالطبع لا يريد !
إذن ، ما العمل لحماية سلون ومصالح كاتي وأدي من الخوف والمفاجآت ؟
على الأب أن يغادر المسرح.. وهو لن يغادره إذا لم يغادر الحياة !
يقول سلون بسخرية : ليس لي أي شيء ضده . ولكنه عاش كثيراً من السنين إلى درجة أنه أصبح أشبه ما يكون بالمرأة العجوز لا بالرجل . عليه أن يمضي !
وفي اتفاق جنتلماني مع الابن ، يقتل سلون الأب ، وتجري عملية القتل بحالة نفسية جيدة من القاتل.. وببساطة متناهية أشبه ما تكون بالسادية من المؤلف.. الذي يطلب من الجمهور أن يضحك بحرية وانطلاق !!
ويموت الأب ، ((يحرر)) المؤلف ((المجتمع الحديث)) من التقاليد والأخلاق والمضايقات !
هكذا.. بالضبط !!
. . . . . . . .
لا تزال الجثة ساخنة..
وهنا ، يولد سؤال لم يخطر في بال ((المثلث)) الغريب : من ينال الميراث الباقي ؟ والميراث هو : القاتل الجميل .
كاتي تريده لها وحدها..
وآدي أخوها يريده له وحده.. والقاتل الجميل ، أسيرهما ، لا يستطيع أن يقرر من
مصيره شيئاً . فأي رفض يبديه ، أو أي تخاصم بين الأخ والأخت ، يلقيه في السجن . إنه لا يستطيع لا الاختيار ولا الفرار ! وكأن المؤلف يقول إن هذه العقوبة أشد من عقوبة السجن العادي .
يجري هذا الحوار بين الأخت والأخ حول الميراث :
كاتي : أنا أعطيته ثلاث وجبات يومياً . ماذا يمكنه أن يطلب أكثر من ذلك ؟
آدي : الحرية .
كاتي : هو حر عندما يكون عندي .
آدي : أنت غير أخلاقية !
كاتي : أنا طبيعية .
آدي : الخطوط الزرقاء تحت عينيك تثير اشمئزازه وقرفه !
كاتي : هل هذا صحيح يا سيد سلون ؟
سلون : في كثير أو قليل !
ثم تقول كاتي إنها ستخبر الشرطة أو والدها سقط عن الدرج ((هذا يتلاءم ونظرتي الأخلاقية ، ولكنك يا سيد سلون إذا ذهبت مع آدي وتركتني فسأخبر الشرطة بالحقيقة)) .
يقترح سلون حلاً بسيطاً وسهلاً : أن يقطع رقبتها . يقول ذلك ويوجه لها ضربة قاسية . ولكن كاتي تقول وهي تشهق ((ما زلت أنسى وأصفح)) ! ثم تنهض وتمضي لتغسل الدرج لكي يبدو أملس ، ولكي تقتنع الشرطة بأن والدها تزحلق عليه .
ولكن المسألة المعقدة لم تحل : من يأخذ سلون ؟ فإن ابني القتيل مولعان بالقاتل !!
وأخيراً ، تتفتق ((عبقرية)) آدي عن حل مقنع وهو : أن يتقاسم وأخته القاتل الحبيب.. يبقى معه ستة أشهر .
توافق كاتي وتطلب السماح له بزيارتها خلال ستة الأشهر التي يكون فيها من نصيب أخيها .
ثم يوقعان على الاتفاق..
وقبل أن يسدل ستار الختام ، يلخص آدي هذا اليوم قائلاً : كان يوماً جميلاً ، منذ
الصباح !!
. . . . . . . .
الغريب أن هذه المسرحية التي تتحدث عن الشذوذ الجنسي والدم هي مسرحية.. كوميدية ! يريد المؤلف فيها أن يضحك الجمهور على نفسه .
ماذا يريد المؤلف أن يقول ؟
حين تسأله يصب غضبه على المجتمع الصناعي ، دون تمييز بين أصحاب الرأسمال في هذا المجتمع وبين العمال . يضع الجميع في كيس واحد .
وحين تسأل : كيف يعرض القتل في مثل هذه السهولة وفي جو الضحكات ؟ وهل من الطبيعي أن يتحرر الإنسان من إنسانيته بمثل هذه السهولة ؟
قد يقول البعض إن الأخ يمثل ((الفئة العليا)) من المجتمع ، التي تهاجم الإثم ((لتحتكره)) لنفسها .
وقد يقول البعض إن المؤلف يريد أن يقول لنا إن ((العالم السفلي)) ((والعالم الراقي)) هما جانبان لدائرة واحدة ، وإن المجرم ليس إلا أداة في يد الأسياد .
وقد يقول البعض إن براعة المؤلف في الحوار وموهبته القوية ، تصفحان عن لا إنسانيته .
مهما يكن من أمر فالمسرحية تضحكنا في بادئ الأمر ، ولكنها تجعلنا في النهاية نهب سؤال كبير عن مصير هذا الأدب الغاضب المتحرر من المسؤولية.. وتدفعنا إلى الغضب عليه .



المقال الرابع والعشرون
حبر..على ورق
الأطلال المحنطة

هذا المكان نفي للمنطق !
إذا تركت للفكر فيه أن يعمل ، فلن يولد إلا الشر . وإذا اكتفيت بقراءة السلام على الأطلال ، فلن تسمع إلا إصرار الريح على النسيان . وإذا تحجرت على حجر فلن تصبح إلا نصباً لقبر كلب . وإذا مشيت في بحيرة الشوك على غير هدى فقد تغوص في جمجمة جدك . وإذا حاولت النوم فيه بقيت أجفانك مفتوحة.. معلقة على شبح لا يستقر ولا يمضي ! وإذا حاولت الرجوع منه تصدى لك البحر وحوّلك إلى خرافة حيّة . هذا المكان نفي للمنطق !
. . . . . . . .
كأنه شطيرة.. السماء عنده التقت بالأرض على ظهر هضبة . وعلى كتف الهضبة الأيسر أشجار سألنا عن اسمها فقيل هو الزيتون.. ألا تعرفون أنه منديل السلام ! قلنا : نذكر أنا قرأنا يوماً عما يعنيه الزيتون.. وأكثر من ذلك قال لنا التاريخ : كان بعض الغزاة في عودتهم منتصرين يحملون أغصان الزيتون.. أليس هو هذا الذي نراه . قيل لنا بفرح غبي : بالضبط !
وعلى كتف الهضبة الثاني أشجار في لون الأشرطة المنشورة على قبور الأولياء مشطتها الريح فاستقامت ، ونفضت عنها الغبار ، وعبأتها بالعصافير التي نسيت في هذا الأفق الأخضر متاعب رحلتها فوق البحر الأزرق.. ولعلها لا تغني ، الآن للرحيل بقدر ما تغني للبقاء.. وهذا حسن !
وعلى كتف الهضبة الأمامي وهو مرتفع ، تصاعدت من الغابات الخضراء أحجار في لون الذكريات وفي شكل الوشم ، قيل لنا عنها : يسكنها عرب !

_______________
* الجديد ، العدد 2 ، 1966 .

بقي المدخل ، وهو واحد لا يفضي إلا إليها.. إلى الهضبة . وكأنه يقول : هنا يأتي الناس ولا يعودون . وإذا سألت هذا الطريق الوحيد : من أين إذن خرج الأولون.. الذين عمَّروا وجعلوا هذه الصخور خضراء ؟ لعله يقول لك : هذه حالة خاصة ! وإذا حاولت محاورة الأشياء هنا طال بك الحوار وما انتهيت إلا إلى محاورة نفسك فتزدحم بأشياء سميناها الأحزان ولكنها تفكر.. والتفكير هنا – كما قلنا – لا يولد إلا الشر.. لأن هذا المكان – كما قلنا – نفي للمنطق !
المدخل – وحذار أن ننساه – على بعد زفرة قصيرة من البحر.. حتى إذا وصلت الهضبة اختلطت رائحة الملح البحري بالملح الأرضي.. برائحة نوَّار الزيتون والشوك الذي يعيد طفولته من جديد.. بتنفس أشجار اللوز الناشرة مناديلها البيضاء الشفافة.. ومن ثم برائحة الماضي التي تغلب كل شيء.. فتمشي في شبه إغماءة لا تصحو منها إلا بضربة على الرأس عندما تسمع قصة هذا المكان من جديد.. وفي كل مرة تسمع فيها جديداً .
. . . . . . . .
الحياة هنا حقيقة.. لم يحدث شيء ! وعابر السبيل إذا مر في النهار.. صفق للشمس التي تصقله بالنور ، وإذا مر في الليل.. استسلم بفرح وبلا كلفة للقمر الذي يغتسل بالندى ، ويغسل عابر السبيل بالرضا والود مع الأشياء . وعابر السبيل إذا عاد من رحلة الخرائب التي تثير فيه فضول الآثار التاريخية.. جلس في المقهى وعب ما يشاء في نشوة يروي لذاتها لأيامه القادمة . وعابر السبيل يسمع هنا بعيداً عن السرعة الهارب منها ، حوار الطبيعة الصامت ، لأنه لا يرى إلا السطح . ما جاء ليتحرّى أو يبحث.. بل جاء ليخضع لما أوهم نفسه أنه النبع أو الجذور بلا صنعة أو تكلف.. جاء ليتعرّى.. أمام الشمس والنسيم .
الحياة هنا ، بالنسبة له ، حقيقة.. بدليل أن كل شيء يكمل مهمته . هذه الزهرة مثلاً لا يرى فيها إلا أنها تكوِّن نفسها ، من أين تأخذ غذاءها.. ومن حوَّل لها الصخر تراباً ؟ هذا سؤال لا مكان له في ذهن عابر السبيل .
الحياة هنا حقيقة ! رغم أنها جاءت من موتي.. وهذه مسألة لا تهم سواي . ما طعم هذه الحياة لمن يهنأ فيها ؟ ولماذا لا يهمه ولا يعنيه هذا التساؤل ؟ أنانية ؟
غباء ؟ لا إنسانية ؟ أم شيء لا يخضع ككل شيء هنا للمنطق !
تعالوا نحاور هذا التمثال الصغير.. إنه تمثال امرأة تفكر . لقد خلد لنا رودان.. المفكر ، بإبراز عضلات ظهره ، فكيف يفكر هذا التمثال الصغير الواقف على فتحة هذا المكان ؟ أبرز ما في هذه المرأة المنحوتة نهداها.. وهي تفكر ، أي أنها تفكر بواسطة نهديها.. وهذا حسن ، ويساعدنا على الفهم ، فليكن هذا التمثال دليلنا في هذه الرحلة !
. . . . . . . .
هنا بلد الفنانين !
هذا إعلان يثير الهيبة فيمن منحوا ((الفن)) طأطأة الرأس ، وأحاطوه بتصورات جعلته عزيز المنال ، وبايعوه عن بعد بالحياد المستسلم ، وغفروا له ما جعلهم أصغر منه بكذبة ! وأنا لا أحب أن أكون فظاً ، ولكني أتمتع بالفظاظة لكي أميز بين المهر والتيس . وأنا – ما دمت فظاً – أرفض احترام الفن ما دام لا يأخذني في الحسبان.. أريده أن يخدمني ويعبدني لكوني إنساناً ، والجمالية لا تخدعني ما دامت تناقض جوهر إنسانيتي ، وتكتفي باستخدامي نعلاً لها ! أريد منها – ما دامت عاجزة عن فهمي أو ما دامت أسيرة نفي المنطق – أن تعبّر عن الندم ، لأن الندم اعتراف بشيء من الذنب . أما أن لا يعنيها من وجودي غير كوني لوناً.. أو لوحاً.. أو سبباً ، فإني أختار الفظاظة لأميز بين المهر والتيس !
ولكن الإعلان ما زال يستجدي الإعجاب : ((هنا بلد الفنانين)) !
إن الذين بنوا هذا البلد صار اسمهم.. لاجئين . وكلمة لاجئ إذا لفظناها ببطء وصاحبنا اللفظ بهزة رأس مع غمضة عين ، لكفانا الحزن نبش الجروح.. ولكن الفنانين هنا لا يتركون للجروح أن تنام ، لأنهم يستوطنون هذه الجروح ، وبواسطة شفاهها القرمزية يقبِّلون المجد قبلات جعلتهم في سكرة . أفكر : إذا كان القتل بطولة ، فإن تحويل جرح اللاجئ إلى فراش وثير ، ومضاجعة المجد فيه .. بطولة
خارقة في زمن خارق !
إن الذين بنوا هذا البلد صار اسمهم.. لاجئين ! ولكن بيوتهم لم تتحول إلى أطلال لأن الذين لجأوا إليها أرادوها أن تكون متاحف.. تحمل شهادات انتصار التراكتور على الثور ! إن هذه البيوت التي استبدلت أرواحها وروائحها وصلواتها ليست أكثر من أطلال حية.. أو جثث غير مدفونة.. جثث محنطة لا يفهم الأغبياء صراخ الصمت فيها ! فهل يستطيع جنون الموسيقى وصياح الأقداح إلى الأبد أن يغلق ثغور هذا الصمت المتمرد ؟!
ليالي الفنانين هنا.. كليالي الفنانين ! في هذا المرقص ترى دائماً نساء يحملن صدوراً طافحة بالعاصفة المشحونة بالأشعة.. تندلق عليها الخمرة فتزداد ألقاً.. ويتحرك في أجساد الرجال وجع اللذات المتربصة بانطفاء الموسيقى التي تستفز الصبر ! في هذا الوادي المرمري الذي يشق تفاحتين.. وجدت لي وطناً.. هكذا ترتجف فتحات الأنوف . هذا الضوء الشاحب قادر ، الليلة ، على مخادعتي . لو عرفت الحقيقة للعنت حب الاستطلاع . أعرف الآن : في هذا المكان.. هذا المرقص.. هذا النادي الليلي ، كان يلتقي الناس بالله.. بلغة خاشعة ضارعة . إن هذا جامع !!
نعم . قبل أن يأتي الفنانون.. قبل أن يعثروا على وطن.. كان هذا البيت جامعاً ! أقول لك أكثر من ذلك ، لكن تعال معي.. ومشينا بين بيوت الطين والحجر.. وفي إحدى الطرق دخلنا معصرة القرية الباقية لتثير المتعة في الفنانين والسياح.. حتى وصلنا إلى ساحة صغيرة مفروشة بالشوك.. رفعنا بعض الأشواك لنعبر.. فعثرنا على أنصاب قبور . قالت لنا فنانة هربت من هتلر : هذا المكان كان مقبرة ! انظروا فوق هذه التلة.. هناك تسكن أسرة عربية طلبت من الفنانين هنا أن تسيِّج المقبرة ، لكنهم رفضوا . وقبل أسابيع مات أحد كلاب القرية.. فدفنوه في هذه المقبرة . نعم دفنوه في هذه المقبرة..!!
. . . . . . . .
وبعد ، كنت أحكي لكم عن قرية كان اسمها قبل 18 سنة عين حوض بقيت بيوتها
من الخارج كما هي.. لم يحدث فيها شيء إلا ((انقراض)) أصحابها العرب.. الذين استبدلوا بفنانين غير عرب ! وأدخلوا إليها الكهرباء .
من السهل أن يحدث هنا كل شيء... إلا شيء واحد هو ترجمة الاسم . لقد أصبح
الاسم : عين هود.. وهو ترجمة غير دقيقة لعين حوض.. لأن حرف ((الضاد)) حرف عنيد.. لن يكون إلا عربياً . كل شيء يمكن التغيير هنا إلا الانتصار على هذا الحرف الخالد.. وفي هذا الخلود رمز كبير ، فإذا زرت عين حوض يوماً واغرورقت عيناك بالدموع من هول ما ترى.. امسح دموعك بحرف الضاد وحاول أن تغازل الشمس !



المقال الخامس والعشرون

حديث الشهر
هذا الاهتمام.. يهمن
ا

أسمح لنفسي ، باسم زملائي العمال في مصنع الكلمة ، بأن أرحب بالاهتمام الأخير الذي تحظى به كلماتنا لدى أخوة لنا خلف الحدود شموا من خلالها عبير البرتقال ورائحة الأرض المختلطة بالعرق والعطر والدم ، في الوقت الذي تحظى فيه كلماتنا هنا بنصيبها الدائم منذ عرفت كيف تقاوم.. نصيب الملاحقة والمطاردة والحرمان والسجن .
لا خجل ، متسترين تحت مبررات التواضع الفارغ والتنصل الهارب والكبرياء المهينة ، من الاعتزاز بالثقة التي تولي لنضالنا القلمي ، إنها شهادة نعتز بها.. وحافز يملأ نفوسنا بالرضا والاكتفاء.. ومسؤولية أخرى جديدة تلقى على أسنان أقلامنا ، نرحب بها ونعمل لنتمكن من الوقوف على مستواها .
لقد أدرك بعض أخوتنا الكتّاب في العالم العربي أن الحديث عن شعر النكبة لا يصح إذا خلا من الاهتمام بما يكتب من شعر عربي في إسرائيل ، بصفتنا نحن العرب هنا ، جزءاً لا يتجزأ من الشعب العربي الفلسطيني ، نحيا مأساة مزدوجة.. مأساة القضية الفلسطينية العامة.. ومأساة الاضطهاد القومي وما تلقيه من ظلال . ومضى بعض الكتّاب إلى أبعد من ذلك ، رأوا أن الاهتمام فقط بأدبنا هنا ، ليس هو التقويم الصحيح لأدب النكبة ، بل إن شعرنا نحن وحدنا هو شعر النكبة الصادق والمعبِّر عنها بإخلاص وقوة .
وأبعد من ذلك مضى البعض.. لقد طرح السؤال عن دور شعرنا في الشعر العربي المعاصر كله.. لا في شعر النكبة فحسب . لم يصلنا كل ما كتب في هذا الموضوع ولم تصلنا جميع الأجوبة على هذه الأسئلة الهامة . ولكن ، مجرد طرح السؤال على

_______________
* الجديد ، العدد المزدوج 4-5 ، 1966 .
هذه الوجوه.. هو مصدر راحة نفسية على الأقل لنا.. وضوء يسلط علينا رغم الأسلاك.. ومحاولة لوضعنا في الأمكنة التي نستحقها على خارطة الشعر العربي . وفي رأيي أن هذا الأمر لا مفر منه للمراقب الأدبي والناقد والمؤرخ ذوي النظرة الشاملة . لأن شعرنا شعر عربي وكوننا في وضع خاص بعيدين بعض الشيء عن التفاعل والاحتكاك المباشرين بالحركة الأدبية في العالم العربي ، لا يصح أن يكون مبرراً لطمس هذا الجدول الشعري الذي يصب في نهر الشعر العربي الثوري .
وعلى هذا الأساس ، أخذ الاهتمام بحركتنا الشعرية هنا ، في المدة الأخيرة يحمل طابع السباق بين بعض الكتّاب في العالم العربي . ولعل صدور كتاب الأستاذ غسان كنفاني في بيروت أقوى لافتة تنصب على هذا الطريق . لا أعرف الزاوية التي أطل منها كنفاني على أدبنا ، ولكن محاولته هي الأولى من نوعها.. تشد أنظار القراء إلى ما يجري في الشعر العربي في إسرائيل . إن المهم هنا كبداية هو مجرد التعريف بأدبنا . وهذه سابقة أكاد أقول إنها قد تصب الزيت على موقدنا الشعري وتحرر بعضنا من شكوى قلة عدد القراء ، والإحساس بما يشبه الضياع في وطن أصبح شبيهاً بالسجن .
لم نقرأ مقال الكاتب إبراهيم أبو ناب في مجلة ((الآداب)) بعنوان ((الجذوة الشعرية الفلسطينية)) وهو دراسة لشعر بعض شعرائنا العرب في إسرائيل . ولكني قرأت مقال المفكر العربي الكبير محمود أمين العالم تعقيباً على مقال أبو ناب . كتب أمين العالم : إن هذا المقال طيب للغاية ، يعرض فيه لمعنى جديد لشعر النكبة ، ثم ينتقل بنا بعد ذلك إلى دراسة شعر النكبة في الشعر الفلسطيني في إسرائيل . وقد لا يكون من حقي في هذا المقال أن أقيّم الشعر ، ولكني أستميح القارئ عذراً لأقول إنني قرأت في مقال الأستاذ أبو ناب نماذج شعرية بالغة الجمال والروعة . وأكاد أحس بشوق غامر إلى مثل هذا الشعر الزاخر بالصدق والحيوية والحرارة . أقول ذلك رداً على من يعتقدون أن ما يسمى بالشعر الجماهيري قد انتهى عهده وأنه لا سبيل إلا لشعر الجذور والأعماق والأعالي . مرحباً بشعر الجذور والأعماق والأعالي ولكن في غير انفصال أو انقسام عن حركة الحياة والواقع والإنسان العربي .
بنماذج من شعرنا يرد محمود أمين العالم على المعترضين على الشعر الجماهيري وهذا التقدير الصادر عن مفكر مسؤول ، يصلح أن يكون تحذيراً وتنبيهاً لبعض شعرائنا الذين يغويهم سراب الغيبية والتجريدية ، بالبحث عن موضوع ((عالمي)) للضياع.. ويصلح أن يكون تأكيداً على المحتوى الثوري الذي يمتاز به شعرنا في هذا الوطن.. وتحية عزيزة من ناقد عزيز على الأدب العربي المعاصر .
إن أهمية شعرنا الموضوعية تكمن في التحام هذا الشعر بكل ذرة من تراب أرضنا الغالية.. بصخورها ووديانها وجبالها وأطلالها.. وإنسانها الذي يظل مرفوع الرأس رغم ما ينوء به كتفاه من أعباء ، وما يشد يديه وإرادته من قيود.. إنسانها الذي قاوم ولا يزال يقاوم الظلم والاضطهاد ومحاولات طمس الكيان والكرامة القومية والإنسانية ، وكأني به يقول ((اللهم لا أسألك حملاً خفيفاً.. بل أسألك ظهراً قوياً)) ثقيلة هي الأحمال.. وقوية هي الظهور . هذا الإنسان الذي يحمل بطولة الجبل ورقة العشب ، قسوة الماضي والحاضر وجمال الغد ، عطش الصحراء وخصب الربيع يبذل التضحيات غير خاضع إلا لأمر واحد هو حاجته إلى الحرية ، هو المثل الأعلى لأدبنا ، وهو قادر على تأدية دوره مع قوى الضوء المندفعة إلى أمام . ولذلك ، لا حياة لأدبنا إلا إذا كان سلاحاً لهذا الإنسان وزاداً له . ومن هنا ، أتحفظ من الكلمة التي قالها واحد من إخوتنا الكتّاب اللبنانيين ، قال : إذا لم يكن لعرب إسرائيل من فضل إلا إعطاؤهم هؤلاء الشعراء ، فذلك يكفيهم فخراً)) . عكس الجملة هو الأصح : إذا لم يكن لهؤلاء الشعراء من فضل إلا إخلاصهم لهذا الشعب ، فذلك يكفيهم فخراً.. لأننا شعراء قضية قبل أي شيء آخر .
وبعد ، رأينا من واجبنا أن نقول كلمتنا في ذلك الاهتمام البارز ، وأن نرحب به بصرف النظر عن أي اعتبار . ونستطيع أن نستخلص أمراً آخر نرد به على سلطاتنا التي تحاول أن تفرض على المثقفين العرب في إسرائيل ناطقين باسمهم تختارهم من ملفات خدامها المخضرمين والمعاصرين ! لقد رفضنا هذه المحاولة.. لأن الذين يخلصون في الدفاع عن كيان شعبهم هم الممثلون الحقيقيون له ، والذين لا يرون في الأخوة بين الشعبين تنازلاً عن الكيان والكرامة.. بل إن المحافظة على الكيان والكرامة القومية يشكلان قاعدة متينة للأخوة الحقيقية . إن خدمة الأخوة لا تعني تنازل طرف ما عن حقوقه وكيانه القومي .
أخيراً ، كل ما مضى يدفعنا إلى التأكيد على أهمية ((الجديد)) وهو المنبر الوحيد للكلمة الحرة الذي يجتمع عليه أدباء القضية العادلة . ((الجديد)) هو العنوان الصحيح للأدب التقدمي المناضل.. والمصدر الصحيح لمؤرخ الأدب العربي في هذه البلاد . فلنسع جميعاً لمساندة هذا المنبر لكي تعلو كلمتنا أكثر.. فأكثر !



المقال السادس والعشرون
محاولة لوضع حركتنا الشعرية في مكانها الصحيح : أنقذونا من هذا الحب القاسي
!

قد يبدو هذا الحديث نشازاً في جو الانسجام البارز بين حركتنا الأدبية هنا وبين الكتّاب الذين أولوها جُل ما لديهم من إمكانيات ووسائل النشر والتعميم على مساحة الأرض العربية الواسعة . لقد كان من حق حركتنا الأدبية ، بما تمثله من صراع ناسها مع واقعهم الخشن ، أن تفرح وتعتز بالمكانة الطيبة التي احتلتها في مسيرة الأدب العربي العامة ، وكان من المقدر لهذا الاهتمام المشرِّف بشعرنا خاصة ، أن يزوِّد شعراءنا بقوة جديدة من دوافع السعي نحو الإبداع ، وأن يحملهم مزيداً من المسؤولية والاجتهاد الدائم لتحقيق انجازات أدبية أكبر . فإن المراقبة الإيجابية لأعمالهم ، بهذا القدر من التقدير ، لا تحتاج إلى كثير جهد ، للإشارة إلى الدور الذي بوسعهم تأديته ، في حركة الأدب العربية . ولعلنا في غنى ، الآن ، عن تسجيل مجموعة المدلولات الثمينة لما يشبه التهافت على هذا الشعر في المجلات والصحف وأدوات الإعلام في العالم العربي . ولكننا لن نمل تكرار القول إن طرف الخيط في هذه المسألة هو الاندماج أو الالتحام التام بين الكاتب وواقعه . لم يكن أدبنا خارق الموهبة حين عرف كيف يختار مكانه في حركة الصراع . إن المواجهة الحادة واليومية كانت أعنف من أن تتيح لنا فرصة الوقوف طويلاً أمام أبواب المدارس الفكرية المختلفة . ولعل هذه الخاصة ، بما تفرع عنها من جوانب ، هي اللافتة التي استوقفت المراقبين في العالم العربي . فعندما كان قسم كبير من إخواننا الكتَّاب خلف حدود بلادنا يعطفون على القضية الفلسطينية ويتضامنون مع ضحاياها كان القسم الأكبر من كتابنا يعيشها ويذوب فيها . وحين حلّت نكبة حزيران وشاعت عدوى الإحساس بالمأساة ، ثم سقط طرفا حبل ، كان يلوح على مساحة معينة من

_______________
* الجديد ، العدد 6 ، حزيران 1969 .
الفكر العربي هما : الطبل.. والتمارض العصري ، ثم اقتحمت ضرورة مواجهة الحقيقة بشجاعة كل مواطن ، وصارت المجابهة والصراع قدراً ، وانهارت قيم سياسية وأخلاقية كثيرة.. عندها ارتدى الاهتمام بما يكتب لدينا من شعر وقصة طابعاً جديداً يمتاز بأكثر من حب ، أضفى على الكثيرين من النقاد والكتاب ميزات العاشق القديم الذي لا يرى في الحبيبة إلا ما يبرر العبادة . وقد نتجت عن ذلك أشكال من سوء التفاهم تحرضنا على هذا الحديث الذي قد يبدو نشازاً في جو الحب العميق . ولكن لا يجوز لنا ، ونحن نقف في دائرة هذا الاهتمام ، الاستمرار في تلقي مظاهر كل هذا الحب دون أن نقول : شكراً ، أولاً.. وأن نعترف ، بصراحة العاشق العصري ، بأننا لسنا أهلاً للتقديس في زمان لا يجوز فيه التقديس كما لا يجوز فيه اليقين المطلق .
إن أخطر ظاهرة تستوقفنا في هذا السياق ، هي أن وتيرة الحب قد أوصلت بعض المراقبين الأدبيين في العالم العربي إلى محاولة وضع شعرائنا ليس في مكان أوسع منهم فقط ، وإنما إلى محاولة وضعهم على امتداد مساحة الشعر العربي المعاصر بحيث يغطونها كلها . إن ما في هذه المحاولة من خطورة يتعدى حدود المبالغة الفنية والتنكر غير المسؤول للواقع إلى الاعتداء على حركة تاريخ . ولا يغفر لهذا الموقف كونه ناشئاً عن نية طيبة وحماس حقيقي ، وعطف عميق على ظروف الحركة الشعرية في بلادنا . ولعل جذور الخطأ الذي أوصل إلى مثل هذا التطرف في معاملة شعرنا هي إسقاط انتماء هذا الشعر إلى حركة الشعر العربي العامة في ماضيها وحاضرها ، وتسليم أصحاب المبالغة والتطرف بالاعتقاد بأن هذا الشعر هو بمثابة صاعقة انفجرت فجأة . إن شعرنا غير منقطع أبداً عن حركة الشعر في البلاد العربية ، وإن كان غير مواكب لها مواكبة يومية . وشعرنا ليس نداً أو بديلاً للشعر العربي المعاصر.. إنه جزء غير متجزئ منه ورافد من روافد النهر الكبير . لقد تربينا على أيدي الشعراء العرب القدامى والمعاصرين ، وحاولنا اللحاق بأسلوب الشعر الحديث بعدما تعرفنا على رواد هذا الشعر في العراق ومصر ولبنان وسوريا . ونحن لا يمكن إلا أن نعتبر أنفسنا تلامذة لأولئك الشعراء . ولا يصعب على الناقد ، حتى الآن ، العثور على بصمات هؤلاء الشعراء على أكثرية إنتاجنا . ولكن المسألة ، كما نراها ، ليست صعوبة الرؤية لدى الناقد ، وإنما هي أن الناقد لا يزال مشغولاً بالفرح الذي يملأه نتيجة اكتشافه هذا الشعر دفعة واحدة ، ولا يزال العطف على الشباب الذين يكتبون هذا الشعر ، في ظروفهم السياسية الخاصة ، هو المعيار الأول في عملية نقد شعرنا . وقد يكون لهذا الدافع ما يبرره في فترة ما ولكن امتداد هذه الفترة محاط بالمحاذير التي تخلق نتائج ضارة قد تتطور إلى ما يشبه الخداع.. خداع القراء العرب ، وخداع شعرائنا أنفسهم الذين يواجه بعضهم خطر الإحساس بالكمال . ولذلك ، فإن الضرورة تلح على وضع حركة الشعر في بلادنا في مكانها الصحيح . والضرورة تلح بادئ ذي بدء ، على معاملة هذا الشعر على أنه شعر ، بالتخفيف من تسليط الضوء على شخصيات الشباب الذين يكتبونه . ولا نعني بذلك إسقاط الرابطة بين النماذج الشعرية وبين الظروف التي فرزتها أو التي جرت فيها عملية خلق هذه النماذج ، وإنما نعني أنه آن الأوان لإجراء عملية موازنة ، بالتأكيد على استخدام المعايير الفنية لا السياسية وحدها . فإن الموضوع المطروح على بساط البحث ، في آخر المطاف ، هو الشعر لا الإخلاص ولا النوايا الطيبة . ثم ، إن الزاوية السياسية في هذا المجال تفتقر إلى ضرورة التأكيد على أن هذا الشعر الثوري لا يعبِّر عن ثورية أصحابه معزولين عن حركة جماهيرية يعبرون عن صراعها . أي أن هؤلاء الشعراء ليسوا مجموعة من أشجار النخيل النابتة في صحراء قاحلة . إن كونهم شعراء يملكون أصواتاً مسموعة لا ينبغي أن يخلق الانطباع بوحدانيتهم وبانقطاع انتمائهم إلى جماهير تملك ماضياً وحاضراً ثوريين . إنهم أبناء هذه الجماهير وهي التي ربتهم وأعطتهم الجذور .
ومن حقنا أن نرى دورة الالتباس ، فيما يتعلق بمكانة حركتنا الشعرية من حركة الشعر العربي العامة ، تبدأ من انشغال المواطن العربي ، بكل حواسه ، بالقضية الفلسطينية وبالنزاع الإسرائيلي-العربي . فقد كان من نتائج حرب حزيران أن مشاغل المواطن العربي كلها ، باستثناء ما يتعلق بمعركة تحرير الأرض ، قد وُضعت في الظل وفي مرتبة دنيا من الاهتمام . وقد انعكس ذلك على معاملة المواطن للأدب أيضاً ، ولأن شعرنا صادر من لحم القضية الفلسطينية ، فقد حظي بالقدر الأكبر من الاهتمام ، ودفع حتى بعض الكتّاب والنقاد إلى إجراء عملية مفاضلة بينه وبين مجموع الشعر العربي المعاصر . إن الخطأ يكمن في مجرد إجراء عملية المفاضلة ، فليس من الضروري ولا ينبغي أن تكون القضية الفلسطينية ، منذ نشأتها حتى حزيران ، هي المحور الأوحد الذي يدور حوله كل الأدب العربي المعاصر . وإلا ، فإننا نصاب بأقصى أشكال ضيق النظر ، ونعتبر أن كل التطورات السياسية والاجتماعية في العالم العربي ، منذ ما يزيد عن عشرين سنة ، غير جديرة بتعامل الأديب معها ، أو نعتبرها ضرباً من ضروب الكماليات لمجرد عدم التصاقها المباشر بقضية فلسطين . ولعلنا لا نختلف على اعتبار هذا الموقف تنكراً لمسيرة التاريخ العربي . ومن هنا ، لا يمكن تقويم أعمال الشعراء العرب بميزان مدى تفاعلهم مع قضية فلسطين ، كما أن أحداً لم يجر مثل هذه المحاسبة مع الشعراء العرب في مدى إشادتهم بالثورة الجزائرية مثلاً أو التحولات الاجتماعية العميقة في الجمهورية العربية المتحدة وغيرها . وإذا لم يكن مفر من إجراء عملية المفاضلة أو المقارنة ـ وذلك أصح ـ فلا يجوز ذلك إلا إذا حصرنا الأمر في إطار الشعر المتعلق بالقضية الفلسطينية . وهنا نعثر على الحلقة المفقودة في سلسلة المناقشات . عندها ، قد يكون من الجائز ـ إلى حد ما ـ القول إن الشعر العربي الذي يكتب في إسرائيل ، بشكل عام ، أقرب إلى صدق التجربة والأصالة من غيره في تصويره صراع الإنسان الفلسطيني . وكلمة ((الصدق)) لا غيرها هي الجديرة بتركيز الانتباه حولها في سياق المقارنة التي تمتد إلى ميزات أخرى لهذا الشعر ، يفتقر إليها شعر القضية الفلسطينية الآخر . وإلحاحنا على عنصر ((الصدق)) هنا جاء ليعبر عن تحفظ فني . فالصدق ـ كما نعرف ـ ينتمي إلى مجموعة الصفات الخلقية الحميدة ، ولكنه ، وإن كان شرطاً من شروط الأدب الإنساني ، ليس ضماناً لنجاح العملية الفنية ، ولا يمكن أن يكون ، وحده ، معياراً للنقد الأدبي . وإذا كان من الجائز تسجيل ملاحظة هامشية في مجرى حديثنا عن ميزة الصدق في حركتنا الشعرية ، فإننا لا نظلم أحداً إذا لاحظنا أن المبالغة في تقدير شعرنا قد أدت إلى أن يقوم بعض شعرائنا الناشئين بعملية تصميم قصائدهم وفقاً لمقاييس غريبة عن الصدق وكأنهم يستوحون قصائدهم من تصورهم لكيفية استقبال تلك الإذاعة لها ! .
وملخص القول إنه آن الأوان ، لأن توضع حركتنا الشعرية في مكانها الصحيح بصفتها جزءاً صغيراً من حركة الشعر العربي المعاصر عامة . وذلك يستدعي تخلص الناقد العربي من الخضوع التام لدوافع العطف السياسي ، وحدها ، على أصحاب هذه الحركة ، فلا يكفي هذا الشعر أنه يكتب في إسرائيل . إن وضع الحركة في مكانها الصحيح هو خير طريقة لنموها وتطورها لارتياد آفاق أوسع خاصة إذا تذكرنا دائماً أنها ما زالت في المراحل الأولى من الطريق الطويل .
تبقى جوانب أخرى معاكسة للمبالغة في التقدير ، وأمور أخرى تتعلق ببعض التفاصيل قد نتناولها في مرة قادمة .



المقال السابع والعشرون

((المسيح الهارب من الصليب الشيوعي))
وأسئلة للتفكير
..

يحاول المراقبون في الغرب ، إقناع أنفسهم بأن قضية الكاتب السوفييتي أناتولي كوزنتسوف ، هي أعنف ضربة نزلت بسمعة الاتحاد السوفييتي في السنوات الأخيرة .
ومنذ بداية القضية حتى الآن ، لم يسعفنا الحظ في قراءة محاولة جادة لطرح قضية جادة من وحي قضية كوزنتسوف على بساط البحث الفكري . ولم يقنعنا أحد من الراقصين في مهرجان هذا ((النبي الشهيد)) بأننا مدعوون إلى معالجة قضية فكرية جديرة بالجهد العميق من الدراسة والتحليل .
لقد كان من سوء حظ هذا ((المسيح)) الهارب من ((الصليب الشيوعي)) ، ومن سوء طالع الأطباء الغربيين الذين يداوون جراحه ، إنهم لم يتمكنوا من إفلات المسألة كلها ، ومنذ اللحظة الأولى ، من جبهة الحرب الباردة ، لكي يواجهوا الفكر الاشتراكي بسؤال صعب ، فقد رضي أناتولي كوزنتسوف ، ورحب الغرب بتطوعه جندياً جديداً في الحرب الباردة ضد الاتحاد السوفييتي .
وبلغ الحماس بالكاتب كوزنتسوف حداً جعله يتنكر لكل ماضيه الأدبي والسياسي . ولاسمه أيضاً لكي يمحو كل أثر من آثار وطنه ، فاستبدل اسمه باسم جديد هو أ. أناتول . وأعلن عن نفسه ((أن كوزنتسوف أديب جبان)) واعداً بذلك بميلاد كاتب جديد وشجاع ، يبدأ تاريخه منذ اللحظة التي تنازل فيها عن وطنه وعن شيوعيته وعن اسمه .
ولا يبدو أن أناتولي كوزنتسوف كان ذكياً ، عندما عجز عن اختراع قضية عينية يشرح بها السبب الذي جعله يحدث هذا الانقلاب الكلي في حياته الأدبية وفي سلوكه

_______________
* الجديد ، العدد 7 ، آب 1969 .
ولكن الطريقة والسرعة اللتين أجرى بهما هذا الانقلاب تخلقان الانطباع القوي بأن كوزنتسوف لم يصب بخيبة أمل مفاجئة ، ولم يعثر ، في لحظة صفاء على لحظة الحقيقة في الفترة الأخيرة . وإنما كان يهيئ نفسه لمهمته الجديدة منذ زمن أبعد وأن ما ادعى أنه مجرد نقد للنظام كان عداء عميقاً متأصلاً فيه ، فلا يمكن أن يكون الانتقال من معسكر الاشتراكية إلى معسكر الرأسمالية ضرباً من ضروب التعبير عن تنافس في حب الاشتراكية ، ومغامرة بريئة بحثاً عن الحرية المفقودة .
ومما نشرته الصحف الغربية عن أدب كوزنتسوف ، نستطيع التعرف على جراح هذا ((النبي المعذب)).. في روايته الأخيرة ((النار)) التي تدور أحداثها في مصنع خيالي ، يصف كوزنتسوف فيه عمال بلاده بأنهم ((أنذال وساخرون ورواد سجون ومدمنون على الشراب)) ، وأن المصنع ((يسوده الانحلال التام)) ، وأن سكرتير فرع الحزب الشيوعي هناك ((شخصية نذلة)) . لقد كتب هذا الكلام وطبع وصدر ونشر في الاتحاد السوفييتي دون أن تقيد حرية الكاتب في الشتم . ولكن كوزنتسوف الذي أوصله العداء للنظام إلى احتقار عمال بلاده ، يفسر أسباب لجوئه إلى بريطانيا بأن أحدها هو غياب الحرية الفنية في الاتحاد السوفييتي واقتصارها على أولئك الذين يمجدون النظام السوفييتي . ولذلك لجأ إلى بريطانيا بحثاً عن حريته في التعبير وتوفر فرص الإسراف في العداء ((للأنذال السوفييت)) . وبوسعنا هنا أن نتخيل الصورة التي سيرسمها كوزنتسوف ، وهو في بحبوحة ((الحرية)) في بريطانيا لبلاده وشعبه .
ولا ينبغي أن ننسى هنا ، أن كوزنتسوف لم يزعم أنه تعرض إلى الإرهاب والاضطهاد في بلاده ، ولم يدع أن الرقابة منعت طبع كتبه . أكثر من ذلك أنه عُيِّن في الفترة الأخيرة محرراً في أوسع الصحف الأدبية انتشاراً في الاتحاد السوفييتي . ولكنه يقول : إن توازن القوى في هيئة التحرير لا يروقه ولا يمكنه من البت في الأمور !
ولكن الذي أثار كوزنتسوف وجعله ((نبياً معذباً)) هو أن بعض النقاد اتهمه بأنه لا يرى في بلاده إلا الجوانب السلبية ، ويتغاضى عن الجوانب الإيجابية . فهل يكون تعرض كاتب – أي كاتب لاعتراض ناقد – أي ناقد سبباً كافياً للكفر بالاشتراكية ؟ ومع ذلك ، ورغم أن قضية كوزنتسوف – كما اختارها أن تكون – تفتقر إلى الإقناع لغياب الجوانب العينية ، إلا أنها – بعيداً عن جبهة الحرب الباردة – تثير فينا شعوراً عميقاً بالأسف الإنساني على ظاهرة الردة التي تصيب أدباء وفنانين كانوا ينتمون إلى الثورة ، سواء كانت دوافع الظاهرة ما يسمى بأزمة المنتمي إلى الثورة ، أو كانت نزعة عدم الرضا لدى الفنان الحقيقي الأصيل عن وتيرة التطور عندما يفقده تطلعه الشديد إلى الكمال إمكانية التمهل لفهم عملية التطور المصحوبة بالتعرج والصعود والهبوط .
وينبغي أن نؤكد هنا أننا نعالج ظاهرة ردة الفنان الحقيقي المنتمي إلى الثورة لا المعادي لها . إننا مدعوون إلى طرح السؤال من جديد حول علاقة الفنان بالنظام : هل من المحتم أن تتسم هذه العلاقة دائماً بالتناقض ؟ وهل ينبغي أن تفلت رؤيا الفنان البعيدة من حدود الرؤية الآنية التي لا تعكس دائماً أحلام الفنان ؟.
إن صعوبة هذه الأسئلة تنشأ عن كونها تدور في مجتمع متحرر من صراع الطبقات يمثل النظام فيها إرادة الطبقة العاملة ورغبتها . لقد بلور تاريخ الفكر الإنساني جواباً واضحاً على هذه الأسئلة عندما تطرح في مجتمع طبقي ، فالمبادئ – كما يقول مثل فرنسي ، هي دائماً لدى المعارضة.. لدى اليسار . ولكن تجربة البناء الاشتراكي – وكان حلماً – تجعل محاولة العثور على موازنة بين عدم رضا الفنان الناجم عن تطلعه إلى الكمال ، وبين ما استطاعت الجبهة المنتمي إليها أن تحققه ، واصطدام أحلامه الأثيوبية [كذا] بنواقص وجوانب سلبية في التجربة تجعل المسألة أقل سهولة وأكثر حساسية .
وتمسك الفنان بما يسمى بالخلقية المثالية يضعه أحياناً في مواجهة السياسي الذي يولي الاهتمام بالمجرى العام للتطور التاريخي المرتبة الأولى من الاهتمام حتى لو اصطدم الموقف السياسي بالخلقية المثالية ، أو العدل المطلق أحياناً ، من أجل المصلحة الأوسع للتطور .
إن النظام الاشتراكي يفهم ويراعي نزعات الفنانين نحو الكمال وحساسيتهم الشديدة
تجاه السلبي ، وهو لا يسعى إلى إخضاعهم لقوالب نظامية ضيقة . وقد أتاحت لي زيارتي الاتحاد السوفييتي في العام الماضي وعلاقتي الوثيقة بالكتّاب وخاصة الذين يسميهم الغرب ((الغاضبين)) أن أرى عن كثب أن هؤلاء الكتّاب والشعراء ينتقدون جوانب الضعف بصوت مسموع . ولكن القضية هي في عدم ضياع الخيط الرفيع الفاصل بين النقد بدافع الانتماء إلى الثورة والحرص على طهارتها من اجل المزيد من البناء ، وبين الهدم الناجم عن العداء للثورة والتشهير بمنجزاتها . المسألة تصبح مسألة موقف . أين يقف الفنان ؟ الموقف هنا يحدد وجهة النظر وطريقة النقد وأسلوبه . إذا كان الفنان يلتزم بموقف الانتماء إلى الثورة ، وينتقد منجزاتها انطلاقاً من هذا الموقف ، يكون أشد إخلاصاً لها من الذي لا هم له إلا تمجيد منجزاتها . وقد يتحول ما يسمى التناقض بين الفنان وبين النظامية إلى فائدة .
إن أحداً لا يطلب من الأدباء السوفييت تشكيل جوقة إنشاد للجنة الحزب الشيوعي السوفييتي المركزية . من حقهم وواجبهم أن ينتقدوا الجوانب السلبية من البناء بدون التعامي عن الأساس الجوهري.. إن الرضا ، وحده ، عن كل ما هو كائن وموجود وتعليب الطموح إلى الأفضل هو عملية خداع وتجميد . ولكن الكفر بالقيم الاشتراكية الجديدة والإنسان الجديد وانجازاته الهائلة والتشهير بكل هذا هو عملية عداء . وهذا ما يعيه الأدب السوفييتي في مسيرته النبيلة والشاقة ، لأنها جديدة ورائدة ، ولأن بطل هذا الأدب بطل جديد.. بطل يبني ، وهذا ما تنكر له أناتولي كوزنتسوف واختار موقف العداء للإنسان الجديد والمجتمع الجديد ، فسقط.. وقد لا يكسب إلا.. جائزة نوبل !.



المقال الثامن والعشرون
الحصـــار

ماذا يعرف القارئ العبري عن حركة الأدب العربي هنا ؟ لقد آن لنا أن نطرح هذا السؤال ، بصيغة اتهام ، بعدما استطاعت حركتنا الأدبية أن تثير اهتماماً واسعاً بها في العالم العربي كله ، وبعدما تمكنت من التسلل إلى أوساط غير ضيقة من قراء اللغات الأجنبية .
إن موشه ديان ، وهو مصدر مقبول على أوساط واسعة من الرأي العام الإسرائيلي ، يدلي بشهادته في هذا السياق ، ويقول : ((لقد أحزنني رد الجمهور اليهودي على لقائي بالشاعرة الفلسطينية فدوى طوقان)) . قرأت هذا النقد : كيف تقرر أنت ، يا موشه ديان ، يا وزير الدفاع ، الجلوس مع فدوى طوقان ، ثم تقترح علينا دعوتها إلى ((هيكل الثقافة)) في تل أبيب لكي نستمع إلى أشعارها)) ؟ ويرد ديان على هذا الانتقاد بالاعتراف التالي : ((لست أنا الذي جعل فدوى طوقان شاعرة ولست أنا الذي استكتبها قصائدها القومية . ولكن ، بسبب وجود جمهور فلسطيني له شعراؤه ، فإني أقترح على الجمهور الإسرائيلي الإصغاء إلى الشعراء الذين يحبهم الجمهور العربي لكي نفهمهم)) .
لا يهمنا هنا الوقوف على دوافع وزير الدفاع للتعرف على مشاعر الشعب العربي الفلسطيني من خلال شعرائه . إن ما يهمنا الآن هو تسجيل حقيقة ينسبها ديان إلى امتعاض اليهود من الإصغاء إلى العرب ، ورفضهم إجراء حوار معهم ، دون أدنى رغبة منه في تفسير الظاهرة ونسبها إلى أسبابها الحقيقية ، إذا كانت موجودة فعلاً بمثل هذا العنف .
يهمنا هنا تسجيل حقيقة غياب الطرف الثاني من الحوار ، وطرح هذا السؤال : هل أصغى الجمهور اليهودي طيلة عشرين سنة ، إلى المواطنين العرب في إسرائيل من

_______________
* الجديد ، العدد 8 ، أيلول 1969 .
خلال شعرائهم ؟. وهل يعرف القارئ العبري شيئاً عن حركة الأدب العربي في إسرائيل ؟
إننا نلاحظ في المدة الأخيرة اهتماماً واضحاً بالنماذج الانتقادية من الأدب العربي الحديث ، في البلدان العربية ، وخاصة في الجمهورية العربية المتحدة ولبنان . يكتبون هنا ، بغزارة ، عن تأثير الخامس من حزيران على الأدب العربي . يكتبون عن غربة الإنسان الفلسطيني عند ذوي القربى . يكتبون عن الإرهاب الفكري الذي يتعرض له الأدباء العرب الشباب . ويكتبون أبحاثاً طويلة عن تيارات الشعر العربي المعاصر وغيرها من القضايا الفكرية والأدبية الهامة .
يكتبون كل ذلك ، ويترجمون . ولا شيء عن وجود حركة أدبية عربية في إسرائيل ، في الوقت الذي صارت تشكل فيه هذه الحركة رافداً عزيزاً من روافد الأدب العربي المعاصر .
لماذا ؟ إن ظاهرة التجاهل التام لهذه الحركة لا يمكن أن تكون ناجمة عن الصدفة أو الإهمال البريء . أو.. لا يمكن أن تكون موقفاً نقدياً على اعتبار أن هذا الأدب لا يقف في مستوى النقد وغير جدير بالملاحظة .
لماذا إذن ؟ قد يكون مضمون هذا الأدب وطابعه هو الإجابة المباشرة على هذا السؤال . وإذا أدركنا أن موجة الاهتمام الإسرائيلي بالأدب الانتقادي في العالم العربي تحركها دوافع سياسية لإدانة الأنظمة العربية ، بدليل نوعية الاختيار والرتب العسكرية العالية التي يمارس الآن أصحابها في إسرائيل لعبة الاهتمام بالأدب العربي المعاصر ، أدركنا على الفور أن هؤلاء الخبراء بعيدون عن التمتع بالنزاهة الأكاديمية ، وأدركنا أيضاً أن ممارستهم الاهتمام بحركة الأدب العربي في إسرائيل تضعهم في موقف حرج لأنه يُدين الواقع الذي أنبت هذه الحركة ويدين ، بعنف السياسة التي يتباهى بها هؤلاء الخبراء .
إن جوهر الأدب العربي في إسرائيل هو الرفض والإدانة . وتقديم هذا الأدب إلى القارئ العبري يضع أمامه صورة مغايرة لما ألفه . فقد ألف القول إن العرب في إسرائيل يعيشون فيما يشبه جنان الخلد وإن الحديث عن اضطهاد وتمييز يتعرضون
له ليس إلا ضرباً من ضروب الدعاية العربية المعادية .
ولا يريد هؤلاء الخبراء في الاستشراق أيضاً أن يعلنوا الرابطة العميقة بين حركة الأدب العربي هنا وبين حركة الأدب العربي المعاصر ، لأن هذا الإعلان يؤكد الانتماء القومي للعرب في إسرائيل . وإذا عدنا إلى شهادة موشه ديان التي طالب فيها بالتعرف على مشاعر العرب الفلسطينيين من خلال شعرائهم ، نجد أن المشار إليهم هم أولئك المقيمون في الضفة الغربية وقطاع غزة ، أما العرب المقيمون في إسرائيل فإنهم يستثنون – على ما يظهر – من حساب الحوار والاهتمام . إن الفاصل الذي يضعه ديان بين العرب في إسرائيل وبين الشعب العربي الفلسطيني والأمة العربية.. ليس فاصلاً أدبياً ناجماً عن تقدير ملامح مختلفة في أدب كل من الجانبين بالطبع ، ولكنه فاصل سياسي جوهري ومبدئي للقضاء على الانتماء القومي للعرب في إسرائيل .
نخلص من ظاهرة هذا التجاهل التام إلى وجود حصار غير معلن على حركتنا الأدبية الصارخة ، يضعها بعيداً عن مسامع اليهود ، للحيلولة دون ترك أي تأثير أخلاقي على الرأي العام اليهودي ، ويدفعها إلى الإحساس بالعزلة والغربة والكفر بإمكانية التفاعل . إننا نخاطب جمهوراً لا يفهمنا . ونجري حواراً ضائعاً .
ويزيد هذا الحصار خطورة الموقف غير الطبيعي لكتّاب يهود يحلو لهم أن يعلنوا التقدمية والإنسانية . إن هؤلاء الأدباء الذين يتميز أدبهم بالروح الإنسانية ورفض الجو العسكري الشائع في هذه البلاد ، لم يفكروا حتى الآن بإجراء أي شكل من أشكال الحوار الإيجابي مع الأدباء العرب . تصبح المسألة معيبة إلى حد ما عندما ندرك أنهم لا يعرفون شيئاً عن وجود حركة أدبية عربية هنا . لقد كنت أشعر بالحرج الشديد أثناء لقائي بمختلف الأدباء الأوروبيين ، في عدة مناسبات في أوروبا عندما كانوا يسألونني عن تفاعل أدبنا بالأدب العبري الحديث ، وعن التأثير المتبادل بين هذين الأدبين ، وعن عملنا المشترك . كان جوابي دائماً : لا أحد يعرفنا !. وإذا جرى حوار ما ، وهو نادر ، فإنه يكون حواراً بين ضدين .
أين هم ؟ أين هؤلاء الأدباء الغاضبون ؟! إني لا أتحدث هنا عن التضامن ، وعن
مسؤوليتهم عن إطلاق صرخة احتجاج على ما يتعرض له زملاؤهم في هذه البلاد الصغيرة . إني أطالب هنا بمجرد التعارف واللقاء وإجراء حوار نستمع فيه إلى بعضنا البعض . إن صرخة كاذبة أو صادقة يطلقها أديب مغمور أو معروف في أقصى الأرض تثير ضمائر هؤلاء الأدباء وحساسيتهم المفرطة دفاعاً عن حرية الكلمة . أما أن يوضع شعب كامل في حصار ، وأن تطمس صرخات أدبائه ، فتلك مسألة أخرى..
وإذا حظيت حركتنا الأدبية بلفتة صحفية عابرة ، فإن التزييف الرخيص يطغى على هذه اللفتة :
يصورون أدباءنا التقدميين بأنهم مجموعة من حملة الشعارات المعادية لليهود . أما الأدب العربي الحقيقي في إسرائيل ، فهو ((الأدب الإيجابي)) الذي يصور حركة البناء الواسعة التي اجتاحت القرى العربية.. وكيفية انتقال المجتمع العربي في إسرائيل من البداوة إلى الحضارة.. وهو ذلك الأدب الذي لا ينسى البكاء أمام شباك الحبيبة.. وعلى ضوء القمر النعسان . وحين لا يجدون معبرين حقيقيين عن هذا الأدب الوهمي ، لا بأس من اختراع أسماء لا يسمع بها حتى القارئ العربي هنا ويقدمونها إلى القارئ العبري ممثلة عن الشعر العربي في إسرائيل ، كما فعلت صحيفة ((معريب)) في سلسلة مقالات عن شعراء عرب لم نسمع بهم ، مما عزز الاعتقاد الساخر الشائع عند العديد من المثقفين اليهود وهو : أن كل شاب عربي أنهى دراسته الثانوية يكتب شعراً !.
لقد آن للأدباء اليهود التقدميين أن يفتحوا ثغرة في هذا الحصار ، وأن يمسحوا عن وجه حركتنا الأدبية هذه البقع المهينة من الزيف والتشويه . وليرفع الصحفيون الساخرون أيديهم عن قصائدنا . فإنها صرخات شعب أسير .
وحتى ذلك الحين ، يبقى السؤال – الاتهام معلقاً : ماذا يعرف القارئ العبري عن حركة الأدب العربي هنا ؟



المقال التاسع والعشرون
شيء عن الوطن

هذا الوطن الصغير ، كقبضة اليد ، الواسع مثل كتاب الأبد . هذا الرائع.. هذا الجارح والمجروح.. هذا الوطن ، هل يتحول إلى سجن لأبنائه ؟
لقد تمرس كثيراً ، بكل الأشكال والألوان . مات كثيراً ، وعاش كثيراً . أسماؤه تتغير ، وأشجار تموت وتحيا . ونحن نعانقه عناق الموت – حتى الموت . ومن هذه الحقيقة الساطعة كالشمس والخنجر ، من هذا الانتماء المبدع ، نأخذ أسباب الخضرة : لنا وطن .
ومن داخل هذا العناق المتوهج ، نرى مرور الزوابع التي تنكسر على سواعدنا الملتفة حول هذا الوطن ، حتى لو أصبح سجناً ومنافي .
نحن مدعوون ، دائماً ، وكلما غاص سكين في هذا العناق ، إلى إعادة الاعتراف بالحب – القدر لكي نملك مزيداً من القدرة على الاستمرار في العناق .
ونحن لا نغني الآن . ولكننا بهذا الاعتراف الشديد الشبه بالغناء ، نقاوم محاولة الإيقاع بيننا وبين هذا الوطن الملتف على كل الأجساد الحية والميتة . بمزيد من الحب نتحدى التحدي . بمزيد من السخرية نقاوم . وبمزيد من الموت الراضي نقاتل كل محاولات إكراهنا على التراجع عن معانقة هذا الوطن .
نحن لم نبحث عنه.. عن هذا الوطن في حلم أسطوري وخيال بعيد ، ولا في صفحة جميلة من كتاب قديم . نحن لم نصنع هذا الوطن كما تصنع المؤسسات والمنشآت . هو الذي صنعنا . هو أبونا وأمنا . ونحن لم نقف أمام الاختيار . لم نشتر هذا الوطن في حانوت أو وكالة . ونحن لا نتباهى . ولم يقنعنا أحد بحبه . لقد وجدنا أنفسنا نبضاً في دمه ولحمه ونخاعاً في عظمه . وهو ، لهذا ، لنا ونحن له !. ولكن ، لماذا نقول هذا الكلام الآن ؟

_______________
* الجديد ، العدد المزدوج 9-10 ، 1969 .
لم يشهد تاريخ اضطهادنا الطويل مثل ما يشهده الآن ، من عنف وفظاظة في ملاحقة أبناء هذا الوطن . كلهم متهمون.. كلهم مهددون.. وكلهم مضطهدون . وحكومتنا التي تشغل نفسها في استصراخ العالم للتيقظ إزاء ما تعتقد أنه إرهاب في أي مكان من العالم ، ومن أجل أن تعترف الدنيا كلها بأن هذا الوطن هو وطن كل اليهود ، لا تعترف بحق الذين غرسوا زيتونه ، وتمارس ضدهم أحد أشد صور الإرهاب عنفاً.. وفي وطنهم . والعالم لا يدري كل شيء .
إننا نوضع ، الآن خاصة ، أمام هذا التحدي : إما أن تصغر أكتافنا ، وترتد جباهنا عن الشمس . وإما أن نتنازل عن البقاء في هذا الوطن . ولكننا فرضنا تحدياً آخر : البقاء والكفاح .
وبين هذا وذاك نمر في سلسلة طويلة من أنواع السجون :
بأمر عسكري صغير يقال لنا : أنتم.. لا يحق لكم الخروج من هذه المدينة أو هذه القرية !.
وهذا سجن .
ويقال لنا أيضاً : أنتم.. لا يحق لكم الخروج من البيت منذ غروب الشمس حتى شروقها .
وهذا سجن .
ومتى يحلو للبوليس ، المزود دائماً بأمر قانوني من المحكمة ، يجري عمليات التفتيش في بيوت الناس وحقائبهم وجيوبهم.. وفي رؤوسهم أيضاً ، بحجة البحث عن متفجرات .
وهذا سجن..
ومتى يحلو له أيضاً ، يسوق العشرات والمئات إلى غياهب المعتقلات بحجة التحقيق عن أسباب الاضطراب الأمني ، وبدون حجة..
وهذا سجن..
وفي الأيام الأخيرة ، طور الاضطهاد القومي أسلوبه : قرية كاملة مثل سولم يضرب الحصار حولها ، وتمنع من التجول في داخل نفسها . وقرية سولم وما جرى لها هي بداية خطيرة تصلح لأن تكون ناقوس خطر ، ونذيراً خطيراً بتصعيد الإرهاب . وإذا استمر هذا التصعيد ، وبهذه الوتيرة ، فسيصبح من الطبيعي الحديث عن اعتقال شعب كامل .
وهذا ، فعلاً ، سؤال :
هل تريد حكومة إسرائيل أن تسجن كل العرب ؟ وهل تريد تحويل هذا الوطن إلى سجن ؟
إن منطق الشك والإرهاب الذي يوجه خطى الحكومة يوصلها إلى وضع مثل هذا الاحتمال : إقامة المزيد من معسكرات الاعتقال !.
ولكن ، هل هذا الاعتقال الجماعي يضمن لها ما تريد ؟ وهذا ، فعلاً ، سؤال : ماذا تريد منا ؟
إن كل ما تقوم به يجري بذريعة الردع الوقائي لحفظ الأمن . ولكن ، هل العرب في إسرائيل مسؤولون عن تزعزع الأمن ؟. هذا السؤال يجب أن يدرسه ، بعمق وجدية ، أولئك الخبراء بالشؤون العربية . ولكن ، هل يجرؤون على الاعتراف بأن احتلال أراضي الآخرين ونهب حقوق الآخرين هو السبب الأول والأخير لما يسمى بالقلق الأمني ؟.
إن التحقيقات الواسعة التي تجريها الشرطة وأجهزة المخابرات مع مئات المعتقلين تتركز في نقطة واحدة : الانطلاق من أن كل عربي مشتبه به ومتهم ومحاولة وضع جميع العرب في إسرائيل في خدمة الشرطة وابتزاز وعد منهم بالتعاون السياسي معها . وقد لاحظنا أثناء وجودنا في الاعتقال بأن اتهامنا في عمليات التفجير لم يكن إلا غطاء للانتقام السياسي من ناحية ، ولشراء بعض الضمائر من ناحية أخرى . ولكن ، لماذا يصعدون الإرهاب ضد العرب في إسرائيل الآن ؟
علينا ، أولاً ، أن نلاحظ أن هذا التصعيد صدى تعيس لوضع الاحتلال التعيس في المناطق العربية المحتلة بعد الخامس من حزيران . والرابطة بين ملاحقة العرب في إسرائيل وبين تصاعد المقاومة في المناطق المحتلة وفشل الاحتلال في كسب رضى الشعب المحتل ، أصبحت علاقة عميقة لا مجرد تقدير . وهكذا ، تترك سياسة الحرب والاحتلال إحدى نتائجها الخطيرة على الداخل . وعلى الجماهير اليهودية أن تدرك أنها لن تبقى بمأمن من آثار هذه السياسة ، خاصة أن النضال السياسي الذي يشنه العرب في إسرائيل ، ضد الاضطهاد القومي وضد الحرب والاحتلال ، متلاحم بنضال القوى التقدمية اليهودية ضد هذه السياسة .
وعلى حكومة إسرائيل أن تدرك أنها ترتكب خطأ فادحاً إذا اختارت العرب في إسرائيل كبش فداء لفشل احتلالها وإذا استمرت في معاملتهم بمنطق الرهائن . كلا!. لسنا رهينة في يدها تقاوم بنا مقاومة الاحتلال . ومعاملتها لنا تقدم دليلاً قوياً على كذب دعواها القائلة إنها تسعى إلى تحقيق السلام أو أنها تستطيع تحقيق السلام مع الشعوب العربية على أساس الأمر الواقع . لقد عجزت هذه السلطة عن تحقيق السلام مع أقلية قومية منذ عشرين سنة ، لأنها حرمتها حقوقها القومية واليومية ولا أدل على احتقارها لهم من مطالبتها إياهم بمنحها صك غفران عن عدائها ، في كل انتخابات ، وتهديدها الوقح من أن انتخابهم الشيوعيين سيلحق بهم أفدح الأخطار . وعلى ذلك ، فإن السجان العاجز عن ابتزاز ولاء السجين ومبايعته وكسب رضاه عاجز أيضاً عن إرغام شعوب كاملة على الاستسلام . إن استمرار العنف ضد العرب في إسرائيل ، ينسف كثيراً من الجسور ، ويؤدي إلى أخطار يجب أن تحسب السلطة لها حساباً .
لقد اختار العرب في إسرائيل طريق نضالهم السياسي بالخبرة الطويلة والممارسة القاسية . وهم باقون في هذا الوطن لأنه وطنهم . ولن يزيدهم عنصر التحدي إلا سبباً جديداً للبقاء . والبقاء والإصرار عليه – في مثل هذه الحالة – ليس تعلقاً جمالياً ورومانتكياً بمهد طفولة ، ولكنه معركة نبيلة.. معركة مشروعة يجب أن يصل صداها إلى الرأي العام اليهودي والعالمي . فحذار من دفعهم إلى اليأس لأن اليأس سيف ذو حدين !.
ولو تحول هذا الوطن الصغير كقبضة اليد إلى سجن فسنبقى على حبه لأنه وطننا . وأن من صار سجنه وطناً أو وطنه سجناً لخير ممن يجعل الاحتلال وطناً له !. ويا أيها الوطن الذي نرى أشجاره وحقوله وهضابه عبر الأسوار – لقد صرت أجمل!..



المقال الثلاثون
من المونولوج..إلى الديالوج
!

* هل كان لقاء الأدباء اليهود والعرب في حيفا.. لقاء تفاهم ؟
إن مزاج تلك الساعات الحارة التي قضيناها في المناقشات ، والمزاج الذي خلقته وجبة الغداء المشتركة فيما بعد ، هو الذي يجعلنا نصدق الاسم الذي أطلق على الاجتماع ((لقاء تفاهم)) .
ولكننا حين نلاحق ، الآن ، ردود الفعل التي أثارها الاجتماع ، وانطباعات الأدباء اليهود عنه ، والمناقشات الدائرة في الأوساط الأدبية والصحفية ، نكتشف أن الاجتماع لم يكن ((لقاء تفاهم)) ، ونكتشف أنه من السابق لأوانه ، على ما يبدو الحديث عن لقاءات التفاهم بين الأدباء اليهود المؤمنين بعدالة الصهيونية وبين الأدباء العرب المؤمنين بأخطار الصهيونية .
لا أسجل هنا خيبة أمل أو ندماً . ولكني أسجل تحول الانطباع ، والاعتراف بأن الإقدام على الحوار لا ينبغي أن يجعلنا نحلم بالاتفاق السريع . ومن ناحية أخرى أسجل ارتياحنا الشديد ، من مجرد الحوار الذي بوسعه أن يزيل لهجة العداء والانطباع السلبي السابق عن العلاقات بين الأديب اليهودي والأديب العربي ، وقبل كل شيء يفتح ثغرة في حائط الجهل التام بقضية الأديب العربي في هذه البلاد .
* كان الاجتماع حواراً قاسياً أو مواجهة . ولعل كونه كذلك هو ما يمنحه هذا الاهتمام المدهش الذي تبديه الأوساط الأدبية العبرية . لقد كان ((سوء التفاهم)) ودياً إذا صح التعبير . وكان بمثابة جس نبض أو فحص أولي لاستعداد كل منا للتفاهم ولشروط التفاهم . ومن حسن الحظ أنه قد توفر فيه الحد الأدنى من حسن النية ولكن كشف الحساب الذي قدمه كل واحد من المجتمعين دل على عمق الهوة التي تفصلنا عن بعضنا البعض .

_______________
* الجديد ، العدد 11 ، 1969 .
وكان بودنا ، نحن الكتّاب العرب ، أن نحدد موضوع الاجتماع : أن نحصره في موقف الأديب اليهودي من الوضع الذي يعيشه الأديب العربي المضطهد . وحددنا نوع الأخوة التي نريدها : لا أخوة الفارس والفرس ، بل الأخوة بين المتساوين وهذا يعني – على مستوى العلاقات بين أدباء الشعبين – أن يقوم الأديب العبري الإنساني برفض كل أشكال الاضطهاد والملاحقة التي يتعرض لها زميله العربي ، لأن السكوت على اضطهاد الأديب العربي أو التفرج عليه ينفي عن الأديب العبري صفة الأمانة الأدبية .
وعلى هذا.. اتفقنا .
كل الأدباء اليهود المشتركين في الاجتماع نددوا بكل أشكال الاضطهاد هذه ودعوا زملاءهم إلى التضامن مع الأديب العربي ، وأكدوا على أن وضع العربي يهدد بالخطر زميله اليهودي . ولكن الأديب العربي – قلنا – يضطهد بسبب قضيته وهو ينتمي إلى أقلية قومية مضطهدة ، تنتمي إلى شعب مشرد . والأخوة – على مستوى العلاقات بين الشعبين – تستدعي النضال من أجل تغيير السياسة الإسرائيلية الرسمية تجاه المواطنين العرب في اتجاه منحهم المساواة التامة في الحقوق والنظر إليهم كمواطنين لا رعايا .
وعلى هذا اتفقنا..
كل الأدباء اليهود الذين اشتركوا في الاجتماع طالبوا ، بدرجات متفاوتة من الصراحة ، بمساواة المواطنين العرب مع اليهود ، لأن معاملة إسرائيل لهؤلاء المواطنين هي المحك الحقيقي لنواياها تجاه مستقبل علاقاتها مع الشعوب العربية . إذا عجزت عن إقامة سلام مع أقلية قومية ، فكيف تطلب السلام من دول ؟. إن الحق الأولي يستدعي وقف سياسة التمييز والاضطهاد تجاه المواطنين العرب في إسرائيل .
ولكننا ، نحن الكتّاب العرب ، أبناء شعب يعيش في الخيام والمنافي . ونرى أن دائرة سفك الدم المفرغة في منطقتنا ومتطلبات إحلال السلام على المنطقة وعلى أرض الزيتون والدم ، تستدعي الاعتراف بحقوق الشعب العربي الفلسطيني .
* وهنا ، تختلف التصورات والتقديرات . وتنطلق المقاطعات من القاعة ومن منصة رئاسة الاجتماع . ونكتشف أن اتفاقنا على قضايا جزئية لا يطول ، ما دمنا غير قادرين على تلافي بحث القضايا الجوهرية .
* وللأمانة ، يجب أن أسجل هنا ملاحظتين : الأولى – أن زملاءنا اليهود لم تكن تشغلهم قضية الأديب العربي ، منذ البداية ، بقدر ما تشغلهم القضية الأهم : الحرب والسلام في المنطقة .
والثانية – أن هؤلاء الزملاء غير متفقين فيما بينهم على وجهة نظر واحدة وهم – جميعاً – لا ينتمون إلى أي إطار أو تنظيم سياسي موحد . إنهم مجموعة من الأدباء الذين تقلقهم قضية الحرب المستمرة ويعانون حيرة فكرية مؤلمة توصلهم إلى الباب المسدود .
كانت أكثريتهم ترى أن الجوهر يكمن في هاتين النقطتين : أولاً – هل نعترف بحق إسرائيل في الحياة ؟ وما هي الحدود التي نعترف بها لإسرائيل ؟ وثانياً – ما هو موقفنا من عمليات الإرهاب العربية ؟
ومن مظاهر سوء التفاهم بيننا ، أن الإجابة على هذين السؤالين كانت واردة في سياق كلماتنا التي قلناها في الاجتماع . ولكن ، لأن أغلبية الجمهور الجالس في قاعة سينما ((ميرون)) والقسم الأكبر من الأدباء اليهود الجالسين في القاعة وعلى المنصة ، لأنهم يعتقدون أن هذين السؤالين هما الجوهر ، كررا السؤالين وبشكل استفزازي . وفي المقالات العديدة التي كتبت عن هذا الاجتماع الهام ، كان السؤالان محور التأكيد ودائرة الضوء والاهتمام . اتهمونا بأننا تهربنا من الإجابة . وراح كتّاب آخرون ، لم يشتركوا في الاجتماع ، يستخلصون النتائج من هذه ((القضية)) ويطعنون في جدوى الحوار بين الأدباء اليهود والعرب ، ويصفون مثل هذا الحوار بأنه حوار بين صم . وكتب أحد الأدباء اليهود ممن اشتركوا في الاجتماع ((نحن اليهود تحدثنا عن الإرهاب . طلبنا من العرب الإسرائيليين محاربة الإرهاب الذي سيقضي عليهم في نهاية الأمر . وهم – العرب – تحدثوا عن عذابهم عن كونهم مواطنين من الدرجة الثانية ، عن الاعتقالات وسلب الأراضي وغيرها .
نحن تحدثنا عن المبدأ ، وهم تحدثوا عن التفاصيل)) .
* المبدأ.. والتفاصيل . هذا هو السؤال فعلاً . ولكنني أعتقد أننا نحن الذين تحدثنا
عن المبدأ ، وأن الكثيرين من زملائنا اليهود تحدثوا عن التفاصيل . كيف ؟
أيتهما القضية المبدئية : الموقف من قضية حق الشعب العربي الفلسطيني ، أم بعض أشكال ردود أبناء هذا الشعب على إنكار حكومة إسرائيل لهذا الحق ؟ هل الإرهاب هو الذي خلق مأساة الشعب الفلسطيني.. أم مأساة الشعب العربي الفلسطيني هي التي خلقت الإرهاب ؟.
لقد تحدثنا عن حتمية الاعتراف بحق هذا الشعب ، تحدثنا عن مبدأ الاعتراف كشرط لا مفر منه لوضع العلاقات العربية – الإسرائيلية على أساس آخر غير أساس القوة وحسم السلاح والحرب الدائمة . وحددنا موقفنا من المقاومة . قلنا بوضوح وصراحة : يؤسفنا أن تنسف البيوت ويقتل الأطفال والنساء والمدنيون الآمنون في حيفا أو مستوطنة يهودية . ولكن اسمحوا لنا أيضاً أن نأسف لنسف البيوت العربية وقتل المدنيين العرب . إننا نعارض مثل هذا الإرهاب من الجانبين . أما ما يجري في المناطق العربية المحتلة من أعمال مقاومة ؟ فنحن لا نقرره . لكل شعب محتل حق مقاومة الاحتلال بالأسلوب الذي يختاره . وإذا كنتم لا تريدون أن يقتل أبناؤكم في المناطق المحتلة فليس أمامكم إلا طريق واحد : الانسحاب .
أيهما المبدأ ، إذن ، المطالبة بإلغاء أسباب الإرهاب أم التنديد بأشكال الإرهاب ؟. ثم ما هو المبدأ.. وما هي التفاصيل في قضية الاعتراف بحق الشعب الإسرائيلي ؟. قلنا : إن نقطة انطلاقنا هي أن للشعب الإسرائيلي والعربي حق تقرير المصير في هذه البلاد.. إن تمسكنا بحقوق شعبنا المهضومة لا يعني تنكرنا لحق الشعب الإسرائيلي . على العكس ، إن الاعتراف بحق الشعب العربي هو الضمان البعيد المدى لصيانة حق الشعب الإسرائيلي ، لأنه يضمن إحلال السلام . وبالحرب لا تضمنون شيئاً في المدى البعيد .
والحدود ؟ هذه هي المسألة التي تتعلق بالتفاصيل . لنتفق أولاً على مبدأ الاعتراف
بالحق . ثم قولوا أنتم ما هي حدودكم ؟ لا أحد في الدنيا يعرف ويعترف بحدودكم
حتى أنتم لا تعرفون ولا تعترفون . فلماذا يوضع موقفنا من هذه المسألة شرطاً لقدرتنا على التفاهم ؟.
* ولا تزال ردود الفعل تطرح قضية أخرى بلهجة تحريض ، أو إيحاء بعدم جدوى الحوار مع الأدباء العرب المنتمين إلى الحزب الشيوعي . وقال بعض الأدباء اليهود ممن اشتركوا في الحوار أنه لو علم ، من قبل ، أن الحوار سيجري مع أدباء شيوعيين لما جاء إلى الاجتماع ولكنه اكتشف أن الحوار كان هاماً ومفيداً . وكتب أديب آخر ((خير لنا أننا لم نعرف قصائدهم من قبل . لو عرفناها لما جئنا إلى أي اجتماع معهم . إن شعرهم يثير فينا مقاومة شديدة . ولكننا – بمفهوم معين – قد اعتدنا التطرف العربي . وبذل الجهود لمحاورة المتطرفين هو إحدى الطرق التي تبقت لنا . فإن الحوار مع ((الأعوان)) على أضرابهم محكوم عليه بالفشل ، ولا يفيدنا)) . وكتب آخر يبرر جدوى الحوار معنا – على الرغم من تطرفنا وشيوعيتنا – ((إن هؤلاء الذين يتكلمون بصراحة ، ويدلون بتصريحات غير مريحة لا يشكلون الخطر . فإن الاعتزاز والكرامة أمر جوهري وهام لكل إنسان)) . وكتب أديب آخر ((يجب أن يجري الحوار بين متساوين)) .
هذه النتائج التي توصل إليها جميع الزملاء اليهود هي نتائج مشجعة وفي منتهى الإيجابية . ولعلها تشكل نقطة تحول في النظر إلى قضية الحوار مع العرب . ومهما تكن الحقيقة جارحة إلا أنها دائماً خير من خداع النفس . لم يبق الآن إلا أن تعمم هذه الاستنتاجات التي تؤلف ضربة قوية لسياسة السلطات الإسرائيلية . فإن العربي المتشبث بكرامته القومية وبحقوق شعبه هو العنوان الصحيح للحوار . وقد شاءت الصدفة أو غيرها أن تكون أكثرية الأدباء العرب الحقيقيين من الشيوعيين على الرغم مما في هذه الحقيقة من نشاز في الأذن الإسرائيلية . والأديب اليهودي – غير الشيوعي أو المعادي للشيوعية – الذي يريد الحوار المجدي ومواجهة الحقيقة لن يجد مفراً بعد الآن من كسر الحصار المضروب علينا ، ومحاورته الأدباء ((الإيجابيين)) الذين يشيدون بالنعم التي أغدقتها إسرائيل على العرب ، لن تكون إلا تسلية مهينة وضرباً من الأوهام .
وبعد..
إن أهم علامة صحة في هذا الحوار الأول ، الذي جرى في ذلك الصباح الرمادي في مدينة حيفا المختلطة ، هو أنه عكس رغبة حقيقية لدى الأدباء اليهود غير المتعصبين في ملء ثغرة خطيرة في دورهم كأدباء في محاولتهم فهم قضايا الأديب العربي في إسرائيل . وكون مناقشات هذا الاجتماع صريحة إلى هذا الحد يجعلنا نعتقد أنه لم يكن بمثابة رياضة فكرية معزولة عن الواقع . إنه حوار حقيقي حاول كل واحد منا أن يصغي إلى الآخر وأن يفهمه . ليس من الضروري أن نتوصل إلى اتفاق وإلى تماثل في الآراء . المهم أن نستمر في الحوار الذي يثير مناقشات واسعة حول وضع المواطنين العرب في إسرائيل ، ويطرح على المواطن اليهودي أسئلة جديدة .
ومن أهم النتائج التي حققها الاجتماع ، من ناحيتنا ، هو أننا استطعنا أن نكسر جداراً خطيراً من سوء الفهم العدائي والشكوك ، وأن تطلع وجوهنا – كما هي وبدون تشويه – حزينة.. ولكنها غير حاقدة . إنسانية.. ولكنها غير مستسلمة . مضطهدة.. ولكنها ليست ذليلة .
وجاءتنا وجوه مجموعة غير قليلة من الأدباء اليهود : قلقة ، ودية ، مضطربة وتتطلع إلى أفق أجمل .



المقال الحادي والثلاثون
ثلاث كلمات على إيقاع واحد

الكلمة الأولى :
* لأمر ما ، قرر المسؤولون في دائرة الإرشاد والتنوير الرسمية أن يكون هذا الشهر مكرساً للتنوير . سيشن فيه الدعاة حملة قوية من ((نور الإيمان)) بالوضع القائم على المواطنين العرب في إسرائيل في مختلف أنحاء البلاد . وقد خصص حوالي ثلاثمائة محاضر لهذا الغرض ، يقودهم : نائب رئيسة الحكومة ووزير المعارف والثقافة ، وزير الشرطة ، ومستشار رئيس الحكومة للشؤون العربية . وفي الأسبوع الماضي ، افتتحوا في الناصرة ((شهر التنوير)) باجتماع كبير تحدث فيه يغآل ألون ، والمستشار طوليدانو ، ومدير الشرطة العام ، ومدير دائرة التنوير ومجموعة من المواطنين العرب المربوطين بعجلة التنوير .
ويقال ، رسمياً ، إن الهدف من هذه الحملة الواسعة هو : خلق مزيد من التفاهم بين الشعبين في هذه البلاد .
ونحن لا بد لنا هنا من الاعتراف بالحاجة الملحة إلى مبادرة تشجع على التفاهم بين أبناء الشعبين ، خاصة بعدما ارتفعت درجة حرارة العداء والشكوك ارتفاعاً خطيراً في السنة الأخيرة . ولا بد لنا أيضاً ، من النظر إلى هذه القضية بمنتهى الجدية والعمق .
ولكننا ، من ناحية ثانية ، مضطرون إلى السؤال عن سبب تدهور هذه العلاقات وإلى السؤال عن هوية هؤلاء الذين جاؤوا ، في هذا الشهر ، لبناء جسور التفاهم . إن عشرين سنة من التجارب الغنية بالمرارة قد أثبتت للجميع أن الشرط الجوهري للتفاهم بين الشعبين هو : المساواة بينهما . وأثبتت أيضاً ، أن دعاة السياسة الرسمية في تجاهلهم هذا الشرط ، كانوا يجرون حواراً مع وجوههم في المرايا..كانوا يلعبون

_______________
* الجديد ، العدد 1 ، كانون ثاني 1970 .
بالظلال – وكانوا يقيمون صداقة فريدة : صداقة الفارس والفرس . وقد أثبت هذا الطراز من الصداقات فشله التام . والدليل على ذلك حاجتهم الآن ، إلى الإعلان عن شهر التنوير ، هذا من جهة . ومن الجهة الثانية ، كانت دروس الحث على الصداقة والكرز الدعائي موجهة دائماً إلى المواطنين العرب ، على اعتبار أنهم المسؤولون عن تدهور العلاقات بين الشعبين . كانوا يعلمون العرب بالكرباج في الوقت الذي كانت فيه الشوفينية اليهودية خارجة من عقالها ، وتهدد الخلقية اليهودية بأخطار يحذر منها الآن عدد كبير من رجال الفكر والأدب . إن يغآل ألون – فارس التفاهم بين الشعبين – مطلع ولا شك على المناقشات الدائرة في هذا المجال فإذا كان معنياً – حقاً – بصدق الشعار الذي يرفعه هذا الشهر ، فلماذا لا يعلن أسبوعاً واحداً للصداقة وعدم كراهية العرب بين الجماهير اليهودية ؟ ثم إنه لو فعل ذلك ، لما صدقه أحد هناك . لأن الشوفينية الجامحة والروح العسكرية العالية لم تأت من الحائط – كما يقولون . لقد خلقتها السياسة الرسمية التي تنهب حقوق الآخرين وتعتدي على أراضيهم ومستقبلهم ، وتربي الشعب اليهودي على تحقيق الأساطير التوراتية . ويغآل ألون – هو واحد من فرسان هذه السياسة .
وسؤال آخر : لماذا يختارون في الحوار هؤلاء الموظفين الذين يقولون : نعم . ولماذا لا يجرؤون على الشروع في حوار مع أولئك الذين يقولون : لا ؟ لماذا لا يفتشون عن أسباب ((لا)) وادعاءات ((لا)) ويفندونها ؟ لماذا لا يواجهون لا ؟ الحوار لا معنى له – وهو ليس حواراً إذا جرى بين فارس وفرس . وهذا الشهر الذي يروجون له ، تدفعنا كل الأسباب إلى الاعتقاد بأنه عاجز عن تحقيق الهدف المعلن : التفاهم بين الشعبين . وأكثر من ذلك – نحن نشك في أن هذا هو الهدف . إن هذا الشهر هو واحد من تاريخ سياسة التدجين والوعظ السياسي الرسمي . وإشاعة نور الإيمان بالوضع القائم .


الكلمة الثانية :
* وفي هذا الشهر أيضاً شهدنا حواراً من نوع آخر كان الحوار بين ((نعم)) و ((لا)).
لقد شعرت ((منظمة الكتّاب العبريين)) ، لعدة أسباب ، أنها ماضية في ممارسة إثم
أدبي . الرأي العام في الخارج يتساءل عن وضع المواطنين العرب في إسرائيل وعن وضع أدبائه . إنهم يتجولون – بحرية – بين الاعتقال والاعتقال المنزلي وأوامر الإقامة الجبرية ! ويصرخون ويحتجون ، ومنظمة الكتّاب الرسمية في البلاد لا تعرف أو لا تريد أن تعرف شيئاً . وقبل مدة ، بادر عدد من الكتّاب العبريين الإنسانيين إلى إجراء حوار في حيفا ، مع الأدباء العرب المضطهَدين . وكانت للحوار أصداء واسعة قد يكون أحدها مبادرة منظمة الكتّاب العبريين إلى الاجتماع بالكتّاب العرب حول مائدة مستديرة حافلة بالشراب والسندويتشات في ((بيت الأديب)) في تل أبيب .
من المكاسب التي أحرزتها مبادرة منظمة الكتّاب هو أنها استطاعت أن تصدر لنا تصاريح سفر إلى تل أبيب . وكان ذلك فرصة لتندر أحد الكتّاب الساخرين فكتب أن الحكم العسكري قد ألغي ليوم واحد . وجاء الكتّاب العرب إلى تل أبيب التي تبدو لهم كما تبدو باريس للإسرائيليين . ولعل قدرة منظمة الكتّاب على إتاحة هذه الفرصة النادرة لنا من بين الأسباب التي دفعتها إلى اتخاذ قرار بكتابة رسالة احتجاج إلى رئيسة الحكومة تحتج فيها على أوامر الإقامة الجبرية المفروضة على الكتّاب العرب .
كان ذلك هو النتيجة العملية الوحيدة التي أسفر عنها حوار شديد القسوة والصراحة استغرق خمس ساعات اتفقنا بعدها على ألا نتحدث عن إمكانية الاتفاق ، وألا نحلم به ما دامت أمامنا صفوف طويلة من الخلافات الفكرية والأيديولوجية العميقة .
لماذا ؟
إن نوعية الجانب اليهودي من الاجتماع ، في غالبيتها ، صهيونية بلا مواربة . وتؤمن حتى النخاع بحتمية السيادة اليهودية المطلقة على فلسطين . وبعد ذلك ، لا مانع لديها في أن يتمتع السكان العرب في إسرائيل بالمساواة في الحقوق . وهي ترى أن المسؤولية عن استمرار الصراع العربي – الإسرائيلي الدامي لا تقع على السياسة الإسرائيلية – الصهيونية ، المتنكرة لحقوق الشعب العربي الفلسطيني والمتطلعة إلى التوسع الإقليمي . المسؤولية كلها تقع على تنكر العرب لحقوق الشعب اليهودي وعلى رفضهم الاعتراف بالسيادة اليهودية المطلقة على فلسطين . والكثيرون من هؤلاء الأدباء يريدون اختبار واقعية الأديب العربي بالتسليم للأمر الواقع والكف عن التمسك بحقوق شعبه الفلسطيني ، وبتنديده المتلاحق بكل يد ترتفع على إسرائيل ، وبعمليات المقاومة في المناطق المحتلة ، وبالاعتزاز بإسرائيليته . وكانت نوعية الكتّاب العرب ، في غالبيتها ، تقدمية تؤمن بإمكانية التعايش بين الشعبين إذا انطلق الجانبان من الاعتراف بحقوق بعضهما البعض ، ومن أن التمسك بسيادة قومية واحدة مطلقة على فلسطين ستبقي العلاقات العربية – الإسرائيلية في دائرة الدم . وأن الإرهاب العربي الذي تتحدثون عنه لا يجب أن يشغلنا بالظاهرة عن السبب . إن استمرار الاحتلال والتنكر لحقوق مليون إنسان هو الذي يخلق المقاومة .
لقد كان هذا الاجتماع الأول بين ممثلي منظمة الكتّاب العبريين وبين مجموعة من الكتّاب العرب بمثابة مواجهة فكرية شديدة الصراحة والعنف ساعدت الجانبين على الاعتقاد بجدواها لأن الأديب العبري أدرك حقيقة قضية الأديب العربي ، وأن هذه القضية في جوهرها ، ليست المطالبة بتصريح سفر إلى تل أبيب وبحرية شخصية . إنها قضية شعب . ومما شجعنا على الاعتقاد بضرورة استمرار الحوار هو أن التعامل بيننا لم يكن تعاملاً دبلوماسياً .
مثل هذا الحوار الذي يجري بشرف وكرامة ، هو الحوار الذي قد يؤدي إلى بعض التخلص من سوء الفهم ، وقد يكشف عن بعض الحقائق الجديدة . ولهذا ، آن لنا أن نتخلص من محاورة الأعوان على أنواعهم .
ومثل هذا الحوار هو المطلوب حتى لو كشف لنا عن الهوة السحيقة الواقعة بيننا . إن رؤية الهوة خير من تجاهلها !


والكلمة الثالثة :
* وامتداد لهذا الموضوع واكتشاف الهوة كتب لي أحد الأدباء العبريين البارزين : ((إني لا أسلي نفسي بأمل التفاهم بين اليهود والعرب قبلما يحل السلام الحقيقي . إذا شئنا أم لم نشأ فإن ما يفصل بيننا أكثر مما يجمع، وكلما ازداد الفهم قد نكتشف عمق
الهوة وحجم العداء)) .
هذه الكلمات ، بكل ما تتضمنه من تشاؤم صريح ، تضع قضية جوهرية هامة : استحالة التفاهم الحقيقي قبل حلول السلام الحقيقي . إن السعي نحو التفاهم الفعلي بين الشعبين مرتبط بالسعي نحو السلام . فلا يمكننا أن نصدق ((شهر التنوير)) الذي يعلنه آلون ، مثلاً ، في الوقت الذي يعلن فيه البقاء في المناطق المحتلة .
نتفق على هذا التقدير . ولكن الزاوية التي ننظر منها إلى الأحداث مختلفة ومتناقضة إلى حد الاعتراف بالهوة العميقة . إني أصدق كل الكتّاب العبريين الرسميين وشبه الرسميين حين يتحدثون عن رغبتهم في السلام . ولكني لا أصدق أن الطريق الرسمي الذي يبررون السير عليه في العلاقات الإسرائيلية – العربية يؤدي إلى السلام . كيف يحل السلام بين القاتل والضحية حتى لو كان الغضب هو السبب الوحيد للقتل . ولنفترض أن حرب حزيران كانت – كما تؤمن أغلبية الإسرائيليين – حرباً دفاعية ومن أجل السلام ، فإن الإعلان السافر عن الضم والتوسع والحصول على خارطة جديدة أشياء لا تنسجم مع الرغبة في السلام . السؤال المطروح الآن أمام الإسرائيليين هو الاختيار بين أحد اثنين : المناطق ، أم السلام.. الخارطة الجديدة – أم السلام ؟
وفي هذا العدد ، ننشر استفتاء أجريناه بين بعض الكتّاب اليهود حول موضوع ((لو كنت أديباً عربياً)).. وهو صيغة صحفية لرغبتنا في أن نسأل الأديب اليهودي : لو كنت مكاني ، لو كانت لك مثل قضيتي.. فماذا تفعل ؟ ونحن نعترف بأن السؤال افتراضي ، نقصد منه اختبار الضمير ، وحث الأديب العبري على مطالعة وجوه الغير وقراءة نفسيتها ، فاليهودي الذي عرف العذاب مدعو إلى التمتع بحاسة العذاب الذي يصيب الآخرين .
ونحن نجري هذا الاستفتاء ، بالإضافة إلى رصد الحياة الفكرية الإسرائيلية ، لكي نضع أمام القارئ العربي صورة متواضعة عن أسلوب واتجاه التفكير الإسرائيلي فيما يتعلق بالعرب . ونعترف بأن بعض الردود المنشورة في هذا العدد والتي لا نوافق عليها أبداً لم تصبنا بأية خيبة أمل كما يتصور أصحابها ، فنحن لم نقصد ابتزاز موقف إنساني . لقد أردنا الحصول على الصورة كما هي وبدون رتوش وألوان زاهية . وسيلاحظ القارئ أن بعض الكتّاب الصهيونيين لم يتمكن من الوقوف الافتراضي في المكان الذي يقف فيه العربي . وعندما استطاع أحدهم أن يقف هناك ألغى العربي ، كما فعل إهود بن عيزر حين تحدث عن المصير الذي حدده له جده المهاجر إلى قرية ملبس ، فحرث أرض العربي وزرعها وعاش فيها . وحدد مصير الأجيال اليهودية القادمة في أرض العربي.. ولكنه لم يسأل نفسه – في حالة صفاء نفساني – أين العربي.. وما هو مصيري ؟
وهكذا ، ما دام الطرف الصهيوني من الحوار الجاري بيننا عاجزاً عن الاعتراف بحق الآخر ، ومصراً على تحويل أرض الآخرين إلى مصيره ومصير الأجيال القادمة ومصير الآخرين إلى الضياع ، فسنبقى بعيدين عن التفاهم.. وبعيدين عن السلام.. وقريبين من الهاوية !



المقال الثاني والثلاثون
واقع الكاتب العربي في إسرائيل

أيها الأصدقاء المحترمون..
اسمحوا أن أعلن هنا أني أشعر بالسعادة . إني أتكلم بصفة شخصية ، ولكنني قد أعبّر عن مشاعر زملائي الكتّاب والشعراء العرب المضطهدين في إسرائيل والذين يدافعون عن حقهم في التنفس وعن حق شعبهم في الحياة.. وظهورهم إلى الحائط . إن المعركة التي نخوضها في بلادنا هي معركة الإنسان المسحوق الذي يرفض الاعتراف بالموت . كل قوى التقدم في العالم تعلن تضامنها مع الشعوب العربية ومن بينها الشعب العربي الفلسطيني ، في كفاحها العادل ضد العدوان الإسرائيلي على أراضيها وتاريخها وحقوقها . ولكن هذا الرأي العام العالمي لا يعرف كثيراً عن البقية الباقية من الشعب العربي الفلسطيني التي تعيش في إسرائيل وتتعرض لمختلف أشكال القهر والاضطهاد منذ أكثر من عشرين سنة . وأنتم تعرفون ، أيها الأصدقاء ، أن الصهيونية في الممارسة اعتمدت على شعارين أساسيين لتحقيق أهدافها . هذان الشعاران هما : احتلال الأرض ، واحتلال العمل . وهكذا ، تزاوج منذ البداية جانبا الاضطهاد الذي يتعرض له الإنسان العربي في إسرائيل !
الاضطهاد القومي ، والاضطهاد الطبقي .
ونحن هنا في مؤتمر كتّاب . وهذا يستدعي مني أن ألفت نظر الكتّاب الآسيويين – الأفريقيين إلى واقع الكاتب العربي المقيم في إسرائيل ، هذا الكاتب الذي كان يشعر بالمرارة المشروعة من نجاح السلطة الإسرائيلية في حصر صوته في مكان ضيق . إن أجمل أعمالنا الأدبية كتبت في السجون.. في السجون السياسية وفي السجون المعنوية.. في السجون العلنية وفي السجون السرية . ونحن لا نستطيع ، حتى الآن أن نمارس أبسط حقوق الإنسان ، أعني حق الإنسان في التعرف إلى وطنه .

_______________
* الآداب ، العدد12 ، كانون أول 1970. كلمة الشاعر في مؤتمر نيودلهي للكتّاب الأفريقيين الآسيويين.
إن وطننا صغير ، صغير كحذاء طفل ، ونحن محرومون من حرية أن نراه .
ونحن لا نستطيع اللقاء بقرائنا . إن كل شعرائنا وكتّابنا خاضعون لأوامر الإقامة الإجبارية العسكرية التي تمنعهم من مغادرة أماكن سكنهم ، وأحياناً تمنعهم من مغادرة بيوتهم منذ غروب الشمس حتى شروقها . حتى أشعار الحب ، أيها الأصدقاء ، لا يسمح لنا بنشرها إلا بعدما تمر تحت يد الرقيب العسكري .
ولكن صوت الشاعر..صوت الحرية..صوت الأرض لا يمكن أن يحبس في زجاجة ولا يمكن أن يعتصر كما لا يمكن اعتصار الظل . وأصواتنا هي ظل الأرض . ومن هنا ، أقول إني أشعر بالسعادة . لقد كانت القصيدة بطاقة إلى السجن في بلادي ولكنها الآن بطاقة حب إلى قلوبكم . ولقد منحتموني من الحب ما يجعلني أطمئن إلى أني سلكت الطريق الصحيح ، ودفعت الضريبة التي لا بد من دفعها لكي أكون جديراً بضم صوتي إلى نشيدكم الرائع . لا . ليست الجائزة التي منحتموني إياها أمس باقة زهر على قبر ضائع ، ولكنها باقة زهر لميلاد شعبي المتجدد . لقد قتل شعبي كثيراً.. سنة بعد سنة.. مجزرة وراء مجزرة ، ولكنه دائماً يهب من الأنقاض واقفاً ، وقد تعلم كيف يمارس حريته الوحيدة..حرية اختيار الموت في سبيل الحياة . والمناضلون – وحدهم – قادرون دائماً على تغيير المفاهيم . وهكذا يصبح مفهوم الموت – مفهوم الحياة .
ونحن جزء من هذا الشعب الذي يخدش وجه الموت . إن انتماءنا ليس وجهة نظر وليس رأياً للمناقشة إنه حقيقة تاريخية حاولت الصهيونية – ولا تزال – تشويهها . ولكن كل محاولات ترويضنا وتدجيننا باءت بالفشل . ونحن نقول دائماً إن الموقف الذي تتخذه السلطة الإسرائيلية من المواطن العربي في إسرائيل هو المحك الحقيقي لنواياها فيما يتعلق بمستقبلها في الشرق العربي . فإذا كانت هذه السلطة قد فشلت في التوصل إلى سلام مع العربي المقيم في إسرائيل ، فليس من حقها – خلقياً - أن تتظاهر بالطموح إلى السلام مع دول!. لقد صنعت منا برهاناً عميق المنطق والدلالة
على حقيقة نواياها .
وإننا نشعر بالإهانة لأننا مضطرون إلى الإعلان دائماً أننا لسنا شوفينيين . هذه هي
التهمة التي توجهها إلينا السلطة التي تشكل مركز الشوفينية والتعصب القومي في الشرق الأوسط ، وأحد مراكز العنصرية في العالم . إن القاتل هنا يتظاهر بالبكاء ! وطيارو الفانتوم الذين يقتلون الأطفال العرب ويهدمون المصانع العربية يتظاهرون بالبكاء . لقد أصبح التظاهر بالبكاء جواز سفر الحكام الإسرائيليين إلى الرأي العام العالمي . ومن المؤسف ، أنهم استطاعوا تضليل بعض أوساط هذا الرأي العام فصدقهم.. وصدق أنهم يريدون السلام .
ونحن ، لا نبارز هذا الأسلوب الخبيث بالطريقة ذاتها . إننا لا نحتكم إلى الأساطير القديمة لنبرر شرعية وجودنا وحقنا . إننا نحتكم إلى الواقع وإلى مبادئ العدل . والحقيقة السهلة هي أن الأديب العربي في إسرائيل يدافع عن كرامته وعن كرامة شعبه ويحافظ على طابعه القومي دون أن يصطدم ذلك مع موقفه الإنساني . نحن لسنا مذنبين لأننا نحمل بطاقة هوية إسرائيلية . إن منحنا هذه البطاقة ليس منة وليس صدفة . لقد اخترنا البقاء في وطننا . ومن يسمح لنا بالاستمرار إنما يفعل ذلك مرغماً.. لأننا صامدون . وهذا وطننا ، لأننا ولدنا فيه . فهل نحن شوفينيون لأننا نريد البقاء في وطننا ؟ وهل نحن شوفينيون لأننا نقول إن السلام والعدوان لا يشكلان معادلة سليمة ؟ وهل نحن شوفينيون إذا قلنا إن السلام مفهوم يختلف عن مفهوم الاستسلام ؟
إننا نؤمن بإمكانية أن يعيش العرب واليهود معاً ، فالتاريخ العربي لم يعرف العداء لليهود . ولكن لماذا لم تتحقق هذه الإمكانية ؟ لأن الصهيونية – بمساندة الإمبريالية – هي التي تريد فلسطين بدون عرب . وهي لا تعترف ، حتى مجرد اعتراف شكلي ، بوجود الشعب العربي الفلسطيني .
لسنا شوفينيين . نحن ضحايا الشوفينية ، ولكننا من الناحية الأخرى لا نأخذ الحكمة من الجلاد الذي كان ضحية النازية ، ولم يتعلم من هذه التجربة القاسية إلا تقليد قاتله في قتل الآخرين . وهنا ، اسمحوا لي أن أشيد بمواقف بعض العناصر والقوى الإسرائيلية وعلى رأسها الحزب الشيوعي الإسرائيلي ، التي تحارب هذه الحكمة القاتلة ، وترى أن الاعتراف الصريح والعملي بحق الشعب العربي الفلسطيني في تقرير مصيره الحر هو وحده الذي سيحرر الشعب اليهودي من كارثة قومية يقوده إليها حكام إسرائيل . إن المصالح الحقيقية للشعوب لا تتناقض وإذا بدا هنالك تناقض ، فإن ذلك يشير إلى وجود خطأ فادح . وحكومة إسرائيل ترتكب أخطاء مميتة بحق شعبها قبل كل شيء ، باغتصابها حقوق الآخرين .
هذا هو وجهنا الحقيقي.. هذا هو ضميرنا . وإننا نجد في بلادنا صعوبة فائقة في تطهير وجوهنا من الزيف ، ونجد صعوبة في الكلام.. ولكننا نتكلم وندفع ثمن الكلام . إن أشعار السجون قد وصلت إليكم ، أيها الأصدقاء الأعزاء ، وهذا اللقاء ذو الجمال اللاذع يهبنا طاقة هائلة على الصمود ، ويشكل برهاناً عميق المنطق والحيوية على هزيمة السلطان أمام القصيدة . لقد أعطيتمونا فأساً كبيرة فتحنا بها طاقة في الزنزانة التي أصبحت عارية أمام الشمس والعيون . شكراً لكم أيها الأصدقاء.. إننا أكثر من أصدقاء وأكثر من حلفاء . نحن أجزاء تكمل بعضها . وسنشعر بعد الآن بمزيد من الثقة ما دمتم معنا . إن عذابنا ليس بلا نتيجة وأجراسنا ليست مختنقة ما دمتم معنا ، إننا نزحف معكم في كل مكان.. في غابات أفريقيا المستيقظة وفي سهوب آسيا المنطلقة . لا أسماء لنا وماذا يهم الاسم !. نحن رموز.. نحن صوت.. نحن قضية . والسكين التي تغوص في لحم واحد منا تثيرنا جميعاً . ومن حسن حظنا أن أبناء ثورة أكتوبر معنا.. أبناء الثورة التي غيرت مناخ الكرة الأرضية ومزاجها . يسعدنا كثيراً أننا أصدقاء أيها الأصدقاء السوفييت .
ومن حسن حظنا أن أروع الأساطير معنا . أساطير تمشي على أقدام ، أساطير أبطالها بشر . إن الفيتناميين معنا . شكراً لكم أيها الأصدقاء الفيتناميون لأنكم أصدقاؤنا ، ومن حسن حظنا أننا هنا في ضيافة أصدقائنا الكتّاب الهنود على أرض الهند العريقة.. الهند التي تجدد نفسها.. شكراً لكم ، وأرجو أن تنقلوا أعمق مشاعر الامتنان إلى شعبكم وإلى رئيسة الوزراء السيدة إنديرا غاندي .
ومن حسن حظنا أن كل واحد منكم معنا.. كلنا معنا ، ونحن بدون أسماء . نحن أوركسترا واحدة يعزف كل واحد منا فيها على آلته الصغيرة ، فلنضع لحمنا على الأوتار . إن صوت اللحم هو الذي يغني !

 

 

 

 

 

القسم الآخِر ـ الحوارات


الحوار الأول
مع الشاعر محمود درويش
حياتي وقضيتي وشعري

* إبان انعقاد مهرجان صوفيا العالمي التقى الشاعر محمود درويش بالأديب اللبناني محمد دكروب ، ثم التقى به ثانية في موسكو ، وخلال هذين اللقائين سجل محمد دكروب إجابات محمود درويش على عدد من الأسئلة الهامة ، ونشرها في العدد الخاص من مجلة ((الطريق)) المكرس للأدب العربي الثوري في إسرائيل . ويسر ((الجديد)) أن تطلع قراءها على جزء كبير من تلك المقابلة ، متجاوزة القضايا التي يعرف القراء هنا تفاصيلها .

طفولتي : بداية المأساة

* حدّثنا عن نشأتك.. البيئة والجو والناس.. وانعكاس أحداث تلك الفترة الأولى على نفسك ومسيرتك فيما بعد..
ـ أضع أمامكم طفولتي ، لا لأني من أولئك المولعين بالحنين إلى ((البراءة المفقودة)) ، ولا لأني أنتمي إلى الذين يعاملون مرحلة الطفولة على أنها العنصر الحاسم الذي يحدد اتجاه الشاعر . ولكن الطفولة ، في مثل حالتنا اكتسبت ميزة خاصة ، وستساعدنا ولو قليلاً على فهم هذه الصلة التلقائية المبكرة بين الخاص والعام . إن طفولتي هي بداية مأساتي الخاصة التي ولدت مع بداية مأساة شعب كامل . لقد وُضعت هذه الطفولة في النار ، في الخيمة ، في المنفى ، مرة واحدة وبلا مبرر تتمكن من استيعابه . ووجدت نفسها ، فجأة تعامل معاملة الرجال ذوي القدرة على التحمل ، ولا تُستثنى من مصيرهم . فالرصاص ، الذي انطلق في تلك الليلة من صيف 1948 في سماء قرية هادئة (البروة) لم يميز بين أحد .
ورأيت نفسي ، وكان عمري يومها ست سنوات ، أعدو في اتجاه أحراش الزيتون
_______________
* الجديد ، العدد 3 ، آذار 1969 .
السوداء فالجبال الوعرة.. مشياً على الأقدام حيناً ، وزحفاً حيناً . وبعد ليلة دامية مليئة بالذعر والعطش وجدنا أنفسنا في بلد اسمه : لبنان .
وحين صحا ذلك الطفل الممزق الثياب من التعب والرهبة ، كان رأسه يزدحم بالأسئلة التي هاجمته دفعة واحدة وبلا تسلسل . ومنذ تلك الليلة ، انقلبت الصفة الخاصة لعالم الطفولة ، وأصبح ذلك الطفل محروماً من الأشياء واللغة التي تميزه عن الكبار . والغريب ، هو أن تلك الليلة أكسبته شعوراً غامضاً بأنه ، منذ الآن لن يختلف عن الكبار . والتصقت بذهنه وعاطفته كلمات جديدة صار يعرف أنها مصيرية : الحدود ، اللاجئون ، الاحتلال ، وكالة الغوث ، الصليب الأحمر الجريدة ، الراديو ، العودة ، وفلسطين... إذ لم تكن به حاجة ، على ما يبدو ، لأن يعرف أنه من فلسطين قبل الآن .
من هنا ، ألاحظ أن ارتباطي الأول بالقضية بدأ بتعرفي المفاجئ على كلمات . وعندما كنت أسأل أهلي عن ترجمة هذه الكلمات ، كنت أدخل في عالم قضايا جديدة وألتصق بها رغماً عني ، مبتعداً بوتيرة سريعة ، عن عالم الطفولة إذا كان يعني ما يحظى به الطفل من تفوق وتمييز ، وصرت أقترب ، بوتيرة سريعة أيضاً ، من عالم الطفولة الذي صار يعني المكان الذي ستخلصني العودة إليه من هذه الكلمة الجارحة : لاجئ . وهكذا ، تحولت عواطفي إلى أسيرة لكلمة ((العودة)) التي تعني المصلحة والانتهاء من العار . وصرت أنتظر ، حيث أصبح الإحساس المرهف بالحرمان والظلم والتشرد مسيطراً على ذهني الصغير . وكل ما ورثته من حب للدنيا استبدله الواقع الجديد بضيق شديد بها . ولهذا – أذكر – فقدت موهبة اللعب وتسلق الشجر وقطف الأزهار ومطاردة الفراش.. وورثت عن أهلي عادة التأفف والركون إلى الصمت والتأمل . وأستطيع الآن أن أحدد ، من بعيد ، أن الموهبة الأولى التي قادتني إلى الشعر كانت موهبة التأمل ، بمعنى أنها أوصلتني إلى الارتباط المرهق بهموم الكلمات الجديدة ، وسط جو كثيف من الغربة ، فعمقت إحساسي بالشكوى والسبب .
ومن هنا أيضاً أستطيع أن أحدد منبع حساسيتي الشديدة تجاه العدوان ، فإن طفولتي
كانت ضحية عدوان . وأجد الآن ، خلال هذه المراجعة ، أن الطفولة لم تكن تعني مرحلة من مراحل حياتي ، وإنما كانت وطني . وفي وطن الطفولة كنت أشعر بالمراحل : الحرمان ، الخوف ، طرح الأسئلة ، العزلة ، التأمل ، ثم الغضب على شيئين : على الواقع الجديد ، وعلى الذين احتلوا طفولتي – وطني ، وقادوني إلى هذا الواقع .
هذه هي تجربة ((الطفولة المنفية)) ، وتليها تجربة أخرى :

العودة.. منفى آخر !

ـ قيل لي في مساء ذات يوم : الليلة نعود إلى فلسطين..
وفي الليل ، وعلى امتداد عشرات الكيلومترات في الجبال والوديان الوعرة ، كنا نسير.. أنا وأحد أعمامي ورجل آخر هو الدليل . والدليل رجل خبير بمسارب الجبال . استغل هذه الخبرة لتصبح مصدر رزق .
في الصباح ، وجدت نفسي أصطدم بجدار فولاذي من خيبة الأمل : أنا الآن في فلسطين الموعودة . ولكن أين هي ؟ لا . هذه ليست فلسطين . تلك الأرض السحرية.. الخلاص من الظلم والحرمان ، لا تحتضنني كما تصورت . وهذا الصبي العائد ، بعد سنين من الانتظار ، يجد نفسه أسيراً لمصير المنفى ذاته بأسلوب آخر وعلى أرض ليست له.. ليست له ! هذه هي الحقيقة الثانية التي ما زالت ، حتى الآن ، أعنف يد تحرك إحساسي بالمأساة ، كما كانت أول محاولة شعرية لي . لم أعد إلى بيتي وإلى قريتي ، فقد أدركت بصعوبة بالغة أن القرية هدمت وحرثت . كيف تهدم القرى ؟ ولماذا ؟ وكيف يعاد بناؤها ؟ ثم أجد أن اللغة الجديدة ما زالت تلبسني ، اسمي الآن : لاجئ فلسطيني في فلسطين !! . وأعود مرة أخرى إلى وكالة الغوث والغربة ومطاردة الشرطة ، لأننا لم نكن نحمل بطاقة هوية إسرائيلية.. لأننا متسللون !
وإذا كان من المتاح الآن تقويم هذه التجربة ، تجربة اللاجئ في وطنه ، فإني أشعر
بأنها تبعث على خطر القتل النفسي ، بصفاقة أقسى من تجربة المنفى . في المنفى
يتوفر لديك الإحساس بالانتظار ، وبأن المأساة مؤقتة فتتنسم رائحة أمل . وتحمُّل عذاب المنفى شيء مبرر . والتصور للمنزل والحقل والجمال المنشود والسعادة القصية وغيرها أمر مشروع . أما التجربة الأخرى ، اللجوء في الوطن فإنه أمر غير مبرر وصعب الاستيعاب في حدود وعي الطفل والصبي . إنك تشعر بالغصة والقهر حتى في أجمل أحلامك . وتكتسب ملامحك انعكاسات واقع هي أقرب ما تكون إلى الرموز . كنت أشعر بأني مستعار من كتاب قديم يخلق فيّ انطباعاً غامضاً لأني لا أحسن قراءته .
ولكن الكابوس لا يستمر بهذا الشكل . فإن ((اللاجئ الفلسطيني في فلسطين)) لم يُترك ((حراً بحرمانه)) . وهنا يضاف عنصر جديد هو عنصر التحدي من جانب السارق ، وهو ذو حدين : الحد الأول يزيد من الشعور بالتمزق ، والحد الثاني يفجِّر هذا الشعور في نقطة ما.. في التحدي المضاد الذي يتطور إلى طريق عمل وكفاح .

عن القصائد الأولى

* كيف بدأت تتلمس الطريق إلى الشعر ؟ حدثنا عن الأشعار الأولى.. القصيدة الأولى التي نشرت لك ، وتأثير نشرها على نفسك وفي حياتك.. ثم التيارات الأدبية والسياسية التي تأثرت بها في تلك الفترة..
ـ لا أذكر متى بدأت ، بالضبط ، محاولة كتابة الشعر . ولا أذكر الحافز المباشر لكتابة ((القصيدة)) الأولى ، وإن كنت أذكر أني حاولت ، في سن مبكرة ، كتابة ((قصيدة طويلة)) عن عودتي إلى الوطن ، حذوت فيها حذو المعلقات ! فأثرت سخرية الكبار ودهشة الصغار . وأذكر أن بعض الصحف بدأت بنشر محاولاتي عندما كنت في المدرسة الابتدائية ، وكنت أحدِّق طويلاً باسمي المطبوع في الجريدة فأطمع إلى أن يُطبع مرات أخرى ! . وخلال دراستي الثانوية صارت كتابة الشعر تحتل الجزء الأكبر من اهتمامي . وكنت سريع التأثر بالشعراء الذين أقرأ لهم مؤخراً . وكانت محاولاتي تتسم بالزخرف والنغم المسموع جيداً . وكان اندفاعي وراء الانسياق الموسيقي ينسيني أو يُضيِّع عليَّ الفكرة . في تلك السنوات كنت دائم البحث عن نفسي وعن الطريقة الأفضل للكتابة . ومن المؤكد أن الرومانسية تستهوي كل أبناء هذا الجيل ، ولكن هذا الشعر الجديد الذي كنا نقرأه في الاتحاد والجديد للشرقاوي ، والبياتي ، والبغدادي ، وبسيسو ، والسياب ، وغيرهم يشعرنا بعلاقة أقرب ، ويلهبنا بالحرارة لصلته المباشرة بالواقع ، فأخذني هذا الشعر إلى أول الطريق . وانفصلت عن حبي الجارف لشعراء المهجر وعلي محمود طه . ولكن لم أجد ، بعد ، وسيلة التعبير . كانت تشغلني في هذه المرحلة كيفية التعبير عن قلقي وتمزقي وغضبي كشاب ينتسب إلى شعب مضطهد ومسحوق ، بما يخيل لي أنه أفضل الأشكال وأقربها إلى القلب . ثم ، كيف أجمع بين حبي لفتاة وارتباطي بالقضية العامة . وكانت تلك السن تصوِّر لي أن في الصورة شخصيتين متناقضتين وكنت أتأثر بأي انتصار ثوري في أي مكان في العالم ، فأسارع إلى ((تخليد)) هذا الانتصار !

انتميت إلى الحزب الشيوعي
وتحددت معالم طريقي

وفي تلك الفترة ، تعرفنا على عملية غسل الدماغ الثقافي الذي نتعرض له . اكتشفنا أنهم ، في المدرسة ، يعلموننا عن تيودور هرتسل أكثر مما نتعلمه عن محمد ، والنماذج التي ندرسها من شعر حاييم نحمان بيالك أكبر بكثير من نماذج شعر المتنبي . ودراسة التوراة إجبارية ، أما القرآن فلا وجود له ، فأحسسنا أن غزواً ثقافياً لنشر العدمية يزحف إلينا ناعماً كالأفعى ، فكان لا بد لنا من أن نمنح أنفسنا الوقاية . وازداد اقترابنا من الأوساط اليسارية ، وصرنا نقرأ مبادئ الماركسية التي أشعلتنا حماساً وأملاً . وتعمق شعورنا بضرورة الانتماء إلى الحزب الشيوعي الذي كان يخوض المعارك دفاعاً عن الحقوق القومية ودفاعاً عن حقوق العمال الاجتماعية . وحين شعرت أني أملك القدرة على أن أكون عضواً في الحزب دخلت إليه في عام 1961 ، فتحددت معالم طريقي وازدادت رؤيتي وضوحاً وصرت أنظر إلى المستقبل بثقة وإيمان . وترك هذا الانتماء آثاراً حاسمة على سلوكي وعلى شعري .

عن دواويني وشعري :
من المباشرة إلى الرمز الشفاف

* ديوانك الأول.. اسمه ، طابعه العام . ماذا يمثل في المضمون ، في الشكل في حياتك الخاصة ، وفي الشعر العربي داخل إسرائيل ؟ الديوان الثاني ، والثالث والرابع.. ماذا يمثل كل ديوان ، في نظر النقاد عندكم ، وفي نظرك ، وفي حركة التطور الشعري عندك ؟ هل وضعت شعراً وأنت في السجن ؟ تأثير السجن في نفسك وشعرك..
ـ أول ديوان لي ، لا يستحق الوقوف . كان تعبيراً عن محاولات غير متبلورة . صدر عام 1960 واسمه ((عصافير بلا أجنحة)) .
أما الديوان الثاني ((أوراق الزيتون)) الصادر عام 1964 ، فإني أعتبره البداية الجادة في الطريق الذي أواصل السير عليه الآن . الطابع العام المميز لقصائده هو التعبير الجديد ، بالنسبة لشعرنا ، عن الانتقال من مرحلة الحزن والشكوى إلى مرحلة الغضب والتحدي ، والتحام القضية الذاتية بالقضية العامة ، منتقلاً من سمة ((الثوري الحالم)) إلى الثوري الأكثر وعياً . وتشيع في جو الديوان رائحة الريف وآلام الناس ، والتغني بالأرض والوطن والكفاح ، والإصرار على رفض الأمر الواقع ، وحنين المشردين إلى بلادهم ، ومحاولة العثور على مبرر لصمود الإنسان أمام مثل هذا العذاب .
عاشق من فلسطين
وشاعر في السجن

الديوان الثالث هو ((عاشق من فلسطين)) صدر عام 1966 . إن طريقتي في التناول هنا تختلف عنها في ((أوراق الزيتون)) مما نتج عنه تغيّر في النبرة . صوتي هنا أكثر انخفاضاً وهمساً وشفافية . تخلّصت من شرح تفاصيل الصورة واكتفيت بالإشارة الموحية . وحين أنظر إلى الأشياء لا ألتصق بها فقط ، وإنما أتوغل فيها أو هي تتوغل فيّ . كان وعيي ووجداني يدخلان في معادلة واحدة . ولعل التزامي هنا لم يعد مبدأ أو وجهة نظر أو طريقة ، وإنما صار نبضاً في الدم . وأعتقد أن للتجربة التي خلقت ((عاشق من فلسطين)) فضلاً على ما أدعيه . القسم الأكبر من الديوان كتب في السجن أشبه ما تكون بعملية التقاط سريع أو اصطياد خاطف وماهر في نغمة أشبه ما تكون بالدندنة ، حيث لا تكون للشاعر هناك أدوات الكتابة المادية التي اعتاد عليها .
وقد يكون المكان المريح الذي يكتب فيه الإنسان ، شاء أم لم يشأ ، أحد العوامل التي تدفعه إلى العناية الشديدة بالأناقة . من هنا تجد أن قصيدة السجن قصيرة مكثفة ، وتحتوي على فراغ جميل ذي إيحاء ، فإنك تشعر أن هذا الشاعر السجين لم يقل كل شيء ، لم يستهلك تجربته ، وما زالت هنالك ظلال غير مرئية . وهذه الميزة – ميزة الانطباع بوجود ما لم يُقل – تعجبني كثيراً في الشعر ، كقارئ من حقي المطالبة بأن يتعدى دوري جهاز الاستقبال ، إلى المشاركة في العملية الابداعية . ومع ذلك ، فإننا نظلم المسألة إذا جعلناها وقفاً على عنصر المكان إلا بقدر ما يعنيه من وعاء للتجربة أو مسرح لها . إن السجن يرغم المرء على المراجعة والتأمل في كل شيء . وكون السجين مقطوعاً عن العالم الخارجي ومحروماً منه يجعل ارتباطه العاطفي والفكري به أكثر التحاماً وصميمية . كل شيء في هذه الدنيا الطليقة خارج الأسوار يصبح ذا ذكريات ومواعيد . لدي موعد مع كل شيء.. عندما يطلق سراحي سأقف طويلاً لكي أمتلئ بزرقة البحر وملوحته وفي السجن ((اكتشفت)) الشجر بكل ما فيه من مودة ، كرد فعل للون الرمادي . وهكذا تصبح الألوان مثار اهتمام من نوع جديد . ما زلت أقول إن النفي الحقيقي للإنسان هو أن تبعده عن الشجر . كل عشبة تتحول إلى رمز . وفي السجن تكتشف علاقاتك الحميمة بالناس ، ويزداد الانتماء حناناً ، وترى أهلك من زاوية أخرى لم تنتبه لها من قبل . لقد كنت مضحكاً جداً عندما كتبت إلى أهلي: ((اكتشفت أني أحبكم
بلا حدود . لا تؤاخذوني على هذا الاعتراف)) ، ولكني كنت صادقاً .
ملخص القول إن العالم الخارجي الذي يتحول إلى وحدة رمزية واحدة يتداخل في السجين من أجل قضية ، وتصبح كل العناصر مشاركة في هذه القضية التي يلح عليك السجن بالتشبث بها .
هذا ما حاولت أن أكتب عن حنيني إليه بطريقة قتلت فيها عنصر الحنين ، لأن السجن لم يبعدني عن الناس والأشياء والقضية ، وإنما جعلني أهضمها بشهية وفهم وهكذا ، أرى أني خطوت خطوة نحو المزج بين الأشياء مما استدعى صيغة أكثر مرونة تتسع لحركة المزج ، أسفرت عن إنزال ضربة ، غير مقصودة لذاتها ، ببناء القصيدة الكلاسيكي . وقد حدث ذلك بما يشبه التلقائية ، إذ لا خيار لك وسط هذه الحركات والرموز في أن ((تقرر)) شكلاً ما ، فالعملية هنا هي التي أخذت إطارها وشكلها .

((آخر الليل..)) : مشكلة
الرمز.. والوضوح.. والقرّاء

ـ آخر دواويني هو ((آخر الليل)) . وأراني في غنى عن تقديمه لكم لأنه نُشر في العالم العربي على نطاق واسع . ولكني أشعر بأن مسافة التطور الفني ، بينه وبين ((عاشق من فلسطين)) أوسع من المسافة الممتدة بين ((عاشق من فلسطين)) و ((أوراق الزيتون)) . أشعر أن كلمات ((آخر الليل)) أكثر ظلالاً وإيحاء . وصار الرمز عندي أغنى بالكثافة ، وإن كان الجو العام شفافاً . واستطعت ، كما يبدو لي ، أن أحقق الصداقة بين الحلم والواقع ، بين سبب الرمز ومدلوله ، وتلقائية العلاقة بين الفكر والوجدان . وفي الحوار القاسي أو الصراع بين الموت والحياة انتصرت على الموت دون أن أجعل أيديولوجيتي تتدخل ، ظاهرياً .
ولكن ((آخر الليل)) الذي أعتبره أفضل ما كتبت ، استقبل بفتور علني من أغلبية القراء في بلادنا . قال لي عشرات من المثقفين : ((يا محمود ! عد إلى الوراء . إذا كان هذا هو التقدم الفني فليتك لم تتقدم)) . وقيل لي ، بشفقة ، ليتك لم ترحل عن القرية.. هذا الشعر غير مفهوم !. ومجمل رأي القطاع الأوسع من القراء هو أن هذا الديوان يمثّل بداية سقوطي . يضاف إلى ذلك أن الذين يكتبون النقد في بلادنا عادة ، لم يعيروا الكتاب أي اهتمام . وكتب أحد رفاقي مؤنباً : هل سيأتي كل قارئ إلى الشاعر ليفسّر له هذه الرموز ، أم يبحث عن منجم ، وأعرب عن أسفه لانجراري وراء الشعراء الرمزيين !!
من المكابرة القول : إني لم أشعر بعذاب نفسي . هل يترتب عليّ ، لكي لا ينقطع التفاعل بين شعري وبين الناس ، أن أعود إلى التعبير المباشر ، والحث الصريح على الكفاح والتمسك بالأمل والعقيدة ؟. هل أعلِّل هذه الظاهرة بعدم وجود نقاد جادين ؟ هل هذه الظاهرة تطرح قضية ((التناقض)) الفني بين متطلبات التجديد عند الشاعر وبين مدى الإمكانيات الفنية المتوفرة لدى قطاع واسع من الناس ؟ هل أصبحت صوري ورموزي وطريقة تناولي معتمة ؟ هل غامرت كثيراً ؟. إن هذه الأسئلة تشغل بالي بشكل ملح ، خاصة أني أعتبر نفسي شاعراً ثورياً يخاطب الجماهير . ويطرح أمامي سؤال للمستقبل : كيف أوفق بين شق الطريق أمام الكلمة لتمارس مفعولها بين الجماهير بصفتها كلمة ثورية من ناحية ، وبين متطلبات الشروط الفنية المتطورة لهذه الكلمة ؟. ثم ، إنني مليء بالإحساس في أن ((اللعبة الفنية)) عندي مكشوفة خلف منديل شفاف .
* ثم رد محمود درويش ، بإسهاب ، على سؤال حول المعارك الفكرية والاجتماعية الكثيرة التي مارسها ، وعن محاربة السلطة له ولشعره وعن السجن .

حزيران.. الدماء والدروس

* حرب حزيران.. كيف واجهت وطأتها ؟.. تأثيرها في حياتك وموقفك.. والطابع الذي اتخذه شعرك في تلك الفترة المريرة ، وبعدها .
ـ أدبياً ، لم تخلق تأثيراً مفاجئاً ، ولم تقلب أفكاري رأساً على عقب ، ولم تحطم قيمي كما فعلت – ومن الخير أنها فعلت – بالكثيرين من الشعراء العرب خارج بلادي . لم أكن جالساً في برج حمام لكي تقنعني ، بمثل هذا الدليل الفادح ، على ضرورة النزول إلى الشارع . ولكنها كانت مكاشفة جارحة . وأضافت ، لمن لم يصدق حتى ذلك الحين ، برهاناً جديداً على ضرورة ممارسة العمل والفكر الثوريين الحقيقيين ، وعلى أن الأدب ليس سلطة أو متعة . وهذا ما كنا نؤمن به حتى النخاع ، قولاً وعملاً ، وما زلنا بعد حزيران أشد إيماناً . ومن الضروري أن يفيد منها أولئك الذين سودوا أطناناً من الورق ضد التزام الأديب بقضية ، وضد تسلح الأديب بفكر ثوري حقيقي . ومن الموجع حقاً أن يحتاج أديب إلى مثل هذه الكارثة لاكتشاف ما يشبه البديهيات . وأذكر أني قلت لفدوى طوقان ، في لحظات لقائنا الأول في حيفا : هل ترين يا فدوى أن شهراً واحداً من الاحتلال قد حل عندك ، كل المناقشات الطويلة حول الشعر ؟ مشيراً إلى الانعطاف الواضح في شعر فدوى بعد احتلال نابلس . وقلت لها ، بكثير من الوجع ، ((آمل أن يستفيد الجميع مما حدث ، لئلا يأتي نزار قباني ، مثلاً ، لزيارتنا في حيفا)) !.
من الواضح ، أن أحداً لا يحاول التخفيف من قبضة الذهول ، وتفتح الجراح الجديدة ، والجراح القديمة التي تحفر مرتين أو ثلاث مرات . وأنا شخصياً ، وأنا قابع في السجن ، تعطلت أعصابي . وبعد خروجي لم أجرؤ على القيام بمحاولة الكتابة ، لأن التشنج والرؤية الغارقة في الدم والحروق لم تتح لي بلورة المدخل الذي سأنفذ منه إلى مثل هذا الموضوع المهلك . والصعوبة الفنية في مثل هذه المواضيع ، هي العثور على فتحة ضيقة تتمكن من السيطرة عليها والتطلع إلى ساحة الموضوع وآفاقها . ويبدو لي ، أن سخونة الوجدان الزائدة عن الحد المعقول
تفسد العملية الإبداعية ، بقدر ما تفسدها برودة العقل الزائدة عن الحد المعقول .
بعد شهور وجدت نفسي أكتب بهدوء ظاهري هذه القصائد التي يحتويها ديوان ((آخر الليل)) . وقد سهل علي العملية ، إلى حد ما ، إدراكي أنه لم يتبق لي شيء.. إلا العقيدة والكلمة ، فلماذا تسقطان ؟ وهما وسيلتاي للصداقة مع الحياة ، والتعويض الباقي .
لقد استطعت في هذه القصائد وأقول ذلك بنبرة فخر أن أنقذ إنسانيتي من الموت في تلك الفترة العنيفة ، التي هددت إنسانية الإنسان بأفدح الأخطار . عندما انفجر الحلم وجدت أني ما زلت متشبثاً بأنبل تراث : إنسانيتي .

شعر المقاومة : احتجاج وتغيير

* إن شعرك وشعر زملائك يعتبر جزء من شعر المقاومة العربي والعالمي.. حدثنا عن مفهومك أنت لشعر المقاومة .
ـ شعر المقاومة ، كما أفهمه ، تعبير عن رفض الأمر الواقع.. معبأ بإحساس ووعي عميقين بلا معقولية استمرار هذا وبضرورة تغييره والإيمان بإمكانية التغيير قد يبدأ هذا الشعر ، غالباً ، بالتعبير عن الألم والظلم ، ثم الاحتجاج والغضب والرفض . ولكن لكي يفعل هذا الشعر مفعوله عليه ان يكون عملية للتغيير ، فيتسلح بنظرية ثورية ذات محتوى اجتماعي ، وهكذا يجد نفسه شعراً جماهيرياً . إن شعر المقاومة ، بطبيعته ، شعر ثوري . وكون هذا الشعر جماهيرياً قد يهلك أشباه الشعراء فنياً ، عندما تصبح النية الطيبة والمباشرة والخطابة الرنانة هي العناصر الأساسية في شعرهم . إن ((اللعبة)) الفنية في شعر المقاومة تصبح أكثر انفضاحاً . وعلى الشاعر أن يتداخل مع الواقع وينسفه بكلمات متحررة من الهجاء والخطابة المباشرين .
وأرى أن من أنقى ميزات شعر المقاومة ، عادة ، الصفاء الإنساني الشامل فصرخة الإنسان المضطهد المقاوم في أي مكان هي صرخة إنسانية تخص كل إنسان . والظلم والسجن والقتل والاضطهاد وقائع معادية للإنسانية غير منحصرة في حدود جغرافية ، ومقاومة الإنسان لها هي عملية إنسانية نبيلة . ويتمتع شعر المقاومة ، عادة ، بحساسية شديدة بالتاريخ كجزء من تمسكه بجذور عميقة تعينه على الصمود وعلى تبرير هذا الصمود ، واحتقار هذا الظلم الطارئ أمام جبروت التاريخ .
وأنا أعتبر نفسي امتداداً نحيلاً ، بملامح فلسطينية ، لتراث شعراء الاحتجاج والمقاومة ، الذين هضمت تجاربهم في الشعر والحياة ، وأمدوني بوقود معنوي ضخم .

عن الرمز والشجر الذي صار بلون الدم

* في شعرك كثير من الرمز ، وذكر لأشياء الطبيعة (الزيتون والبرتقال والتراب) لها عدة أبعاد رمزية وإيحاءات . يُقال : إن هذه الوسائل الرمزية ((تبعد)) الشاعر الواقعي عن واقعيته.. ما رأيك في هذا ، ومن خلال تجربتك الشعرية نفسها ؟
ـ أشياء الطبيعة هذه ، هي التي غالباً ما تتحول إلى الرمز عندي ، فالبرتقال والزيتون ، مثلاً ، هما من أقوى معالم الطبيعة في بلادي ، ولكنهما ليسا طبيعة مجردة . وبالمناسبة – أنا لا أتحمس لشعر الطبيعة الوضعي الذي يمجد الطبيعة على اعتبار أنها لوحة جميلة . إن هذه الطبيعة تستمد حيويتها ومدلولها وقيمتها من خلال تعامل الإنسان معها . إن اهتمامي بالبرتقال والزيتون مستوحى من واقع الإنسان الذي غرس هاتين الشجرتين ، وسقاهما العرق والأمل ، منتظراً ثمار ما أعطى . هذه العلاقة بين الزارع والشجرة تحمل مدلول استمرار الحياة والأمل والوطنية التلقائية . ولكن ، وبشكل مأساوي ، فُصمت هذه العلاقة بعسف وبكثير من الدم الذي لم يعد يبرر لي المحافظة على حرفية لون الشجرة مثلاً ، بعدما اختلطت أوراقها الخضراء باحمرار الدم وسواد الليل . والمزارع لاقى أحد ثلاثة مصائر : إما الموت عند الشجرة ، وإما الهجرة الإجبارية عنها ، فالتصقت بذاكرته وأصبحت رمزاً للوطن وانتظار العودة ، وإما بقي أمامها دون أن يملك القدرة على احتضانها واستمرار العلاقة بها ، فتحولت لديه إلى نبع من الظمأ أو إلى امرأة تغتصب أمام عينيه .
هكذا ، لم يبق من الشجرة إلا مدلولاتها ، أي أن الواقع تحول إلى رمز أو إيحاء . هذا الرمز أيضاً ليس جامداً.. ليس أمراً مفروغاً منه . إنه يتحرك مع تطور قضية هذا الإنسان بما يفرزه هذا التطور من حالات نفسية . ولكن الرمز الذي يحافظ على ((حقيقته)) في كل حركات الزيتون ، في نهاية المطاف ، هو التشبث بالتراب والقدرة على مواجهة الزمن ، وطول النفس ، والخضرة الدائمة أخيراً..
من الواضح ، أن هذه الصورة لم تأخذ أبعادها الحالية عندي منذ أول الطريق . وقد توصلت إليها بعد إحساس بضرورة التخلص من تفصيل الصورة الشعرية والاكتفاء بما يشبه الرمز للتدليل على الواقع الحسي دون الاستغناء عنه كلياً . الرمز عندي ، كما تراه ، ليس مبهماً إنه يكتشف بسرعة ، وهو في أول الأمر وآخره بديل للتعبير المباشر .
هنالك تبرير آخر ، لعله قادر على إعطاء جواب آخر على عضوية الترابط بين الصيغة والموضوع . كان من دوافع لجوئي إلى الرمز ، في البداية ، محاولة تخطي الواقع الذي يتيح لي إمكانية الحديث بشكل مباشر ، لأسباب سياسية ، فكان لا بد لي من ممارسة ((الاحتيال)) الفني لعكس واقعي . وهكذا ترون أن الرمز كان ضرورة وحاجة ثم تحولت إلى طريقة تعبير .
لماذا الرمز وأنا واقعي ؟! لعل ما قلته عن توصلي إلى الرمز يعطي الجواب . ثم إن استخدامي الرمز جاء لإغناء واقعيتي ولخدمتها . والواقعية ، كما أفهمها ، هي طريقة في فهم الحياة وعكسها وإعادة خلقها ، وليست وسيلة تعبير ميكانيكي جاهز . ولذلك ، لا أرى تناقضاً بين التزامي بقضية وعقيدة وبين سعيي إلى ما يبدو لي أنه طريقتي الذاتية في التعبير .
* كيف يتم التوفيق ، عملياً ، بين الشكل الجديد للشعر وبين الضرورة التي تواجهونها باستمرار لإلقاء الشعر بين الجماهير العربية داخل إسرائيل؟.. حدثنا عن تجاربكم في هذا المجال .
ـ بودي القول : إن مهرجانات الشعر العربي في إسرائيل قد تحولت ، ذات مرة إلى احتفالات شعبية ينتظر الناس مواسمها . وأنا أذكر تلك الفترة بفرح حقيقي . كانت ساحة القرية أو المدينة أو دار السينما تزدحم بالناس من جميع الفئات والأعمار للاستماع إلى الشعر بحيوية وتجاوب واضح ، حتى ضاقت السلطات ذرعاً بهذه الظاهرة ((الخطرة)) وقاومتها بمختلف الوسائل . ولجأت أخيراً إلى منع الشعراء من الانتقال من أمكنة سكناهم .
لم يكن المستمعون يفكرون ببناء القصيدة ، بقدر اهتمامهم بما تحمله ، من الصور
والمعاني والإيحاءات . وأذكر أن القصيدة الأولى المنتمية إلى الشعر الجديد التي سمعتها تلقى في مهرجان شعري كانت للشاعر حنا أبو حنا ، وقد استقبلت بحماس منقطع النظير ، لرشاقتها الفنية وبساطتها العميقة ومحتواها الثوري . إن أنصار ((الشعر القديم)) في بلادنا متشددون حين تكون القصيدة مطبوعة ، ومتساهلون أشد التساهل حين تكون مسموعة . وهذا يؤكد لي أن إحدى صعوبات الشعر الجديد بالنسبة لكثيرين من القراء ، هي طريقة قراءته العسيرة ، فلا يعرفون متى تبدأ الفقرة الجديدة ومتى تنتهي الصورة الأولى... نتيجة تجارب عديدة أدركت أن القصيدة الإنسانية ، مهما كان بناؤها ، يمكن أن تلقى أمام الجماهير ، بدون أي حرج . ثم إن القصيدة الطنانة تنشر ، بسرعة غريبة ، جواً من الذهول الذي يحبه الشاعر في مستمعيه . ولا أقول إن كل المستمعين يفهمون ، دفعة واحدة ، كل ما في القصيدة ، ولكنهم يعيشون جوها ويفكرون بها . وأعتقد أن على الشعراء الجدد لكي يعززوا مكانة الشعر الجديد ، أن يزيدوا من إلقاء الشعر للجماهير لكي تعتاد عليه وتتحرر آذانها من النبرة الضخمة القديمة التي اعتادت عليها وتوارثتها جيلاً بعد جيل .
* ورد محمود درويش على سؤال عن أوضاع وتيارات الحركة الفكرية والأدبية للكتّاب العرب داخل إسرائيل ، فأكد على أن التيار التقدمي هو التيار الحاسم في حركتنا الثقافية .
ورداً على سؤال : ما هو الشعر ، بالنسبة لك ؟ قال محمود درويش : بصراحة ، لا أعرف !
ورد على مجموعة من الأسئلة تتعلق بمطالعاته ، وعن تجاربه في العمل الأدبي غير الشعر ، وعما يكتبه ، وعن مشروعاته .
وكان آخر الأسئلة ، هذا السؤال : أي دور تطمح أن تؤديه ، في الشعر وبواسطة الشعر ؟
وكان الجواب : .. أن أنقل قضية شعبي ، بكل أبعادها ، إلى الصفحات التي تستحقها في ديوان الشعر الإنساني، فهذه القضية حلقة من صراع الإنسان المسحوق
ليأخذ دوره الذي يستحق في الحياة وفي نشاط البشرية .
ومن الظلم أن أطالب غيري بتأدية هذا الدور . ومهما يكن حجم الآلة التي أعزف عليها صغيراً ، فإن لها مكانها في النشيد الإنساني الشامل .
إن أصوات الشعراء القادمة من أنحاء العالم ، مجتمعة ، هي التي تؤلف هذا النشيد وتمسكي بهذه الآلة الفلسطينية لا يتنافى مع وعيي لشمولية الكفاح الإنساني . ومجموعة الأشجار هي التي تصنع الغابة !.
وموقف الإنسان فيه تحول إلى ((شيء)) ، وقلمه تحول إلى سلعة ، منذ شحنوه في طائرة حربية ، وأرسلوه إلى فيتنام ليفرز من هناك أسوأ عمل كتابي يمكن أن يرتكبه قلم شخص كان ذات يوم أديباً عظيماً !. في تلك الأيام التعيسة ، عرف العالم كله أن شتاينبك مات كإنسان ، وكفنان .
لماذا ماتت إنسانية شتاينبك ؟ هذا كما قلنا موضوع مأساوي آخر يكشف جانباً آخر من قروح النظام الرأسمالي .
أما إنه مات كفنان ، فإن ((نتاج)) شتاينبك نفسه ، في فترة موته الفني هذه ، يؤكد ما نقول :
• فقد وصف شتاينبك الطيارين الأميركان ، وهم يقذفون الشعب الفيتنامي بقوله : ((أولئك الرجال الذين يشعر المرء بوميض الفخر وهو يحس أنه ينتمي إلى هذه الفصيلة من الرجال)) !!
• وانحدر إلى أسفل دركات الذوق ، والابتذال ، عندما شبه أصابع الطيار الأميركي ، وهي تضغط على أزرار إلقاء القنابل فوق الفيتناميين ، بأصابع عازف البيانو ترسل أنغاماً موسيقية على العالم !!
• ووصل به الابتذال ، والاندماج في مصلحة الإمبريالية الأميركية وطغمة مصانع الأسلحة ، إلى حد وصف قنابل الطائرات الأميركية المنهمرة فوق رؤوس الأطفال الفيتناميين ، بأنها ((مطر الحضارة)) الأميركية ينهمر فوق الناس المتوحشين لينشر ((الثقافة والمدنية)) وسط هؤلاء الناس ((غير المتحضرين)) !!.
هذه نماذج من ((النتاج الفني)) الذي أفرزه قلم شتاينبك بعد موته كإنسان وتحوله إلى سلعة.. وهي نماذج تؤكد أن الفنان هنا قد مات وفقد أي قدرة على الإبداع الفني ، وأي صلة بنتاجه الماضي .
فالفن ، كما نعلم ، ليس في تشبيه أصابع الطيار بأصابع العازف ، أو تشبيه انهمار القنابل بانهمار المطر...
إن سحر الفن يكمن في الروح التي تسري خلال مجموع التشابيه والعلاقات التركيبية للعمل الفني ، وحين تفقد هذه الروح موقفها الإنساني الأصيل ، يتحول كل تشبيه ((بارع)) إلى ابتذال وضيع ، ومقرف .. ، ويموت ذلك النبض السحري
الذي يطلق عليه اسم ((الفن)) .
* * *
وإذا كان شتاينبك ، في موته الأول ، قد تنكر لكل ما أبدعه من تراث فني إنساني.. فإن هذا التراث لا يزال ، وسيبقى ، جزءاً عزيزاً ومجيداً من كنز الإبداع الفني الإنساني عبر العصور .
وستبقى مأساة الموت الفني لشتاينبك ، شاهداً مفزعاً على شراسة العلاقات الرأسمالية ، وعلى أن الفن لا يكون ، إلا حيث يكون الإنسان والموقف الإنساني... فبين زهور الإبداع الإنساني لا توجد ، كما يقول ماركس ، زهرة سوداء .

 


الحوار الثاني

حديث صحفي : مع محمود درويش

نشرت صحيفة ((زو هديرخ)) الأسبوعية الناطقة بلسان الحزب الشيوعي الإسرائيلي باللغة العبرية ، حديثاً صحفياً طويلاً مع محرر مجلة ((الجديد)) الشاعر محمود درويش ، في عددها الصادر في 19-11-69 . كان الحديث أول لقاء مباشر بين محمود درويش والقارئ العبري ، وقد تناول عدة جوانب من حياة الشاعر وقضيته ، وخاصة ما يتعلق بالعلاقات العربية-اليهودية .
أجرى الحديث الصحفي المحرر في ((زو هديرخ)) يوسي ألغازي ، ونشره بطريقة ((مونولوج)) . وفيما يلي ننشر ترجمة هذا الحديث :
ـــــــ ـــــــ ـــــــ
تعرفت على محمود درويش ، لأول مرة ، عندما كان يلقي من شعره أمام الجمهور . آنئذ كان يلقي قصيدته التي تحولت ، في نظري ، إلى بطاقته الشخصية ((سجّل : أنا عربي)) . لقد هز محمود النحيل جمهور المستمعين وأثاره ، وحوله إلى موجة عارمة تحطم السدود . أي تناقض بين الاثنين : القصيدة والمبدع !. لقد جاء التناقض من الكلمات التي خرجت من فم محمود . آنئذ أصبح محمود درويش شاعر الشعب العربي الفلسطيني . تُرجمت قصائده إلى اللغات : الفرنسية ، والانجليزية والروسية ، والإيطالية ، والبلغارية . ولكنها لم تترجم إلى اللغة العبرية . وأصبحت مجموعاته الشعرية من أكثر الكتب مبيعاً ، لا في إسرائيل فحسب ، بل في البلدان العربية أيضاً .
قبل عدة أيام أطلق سراحه من سجنه الرابع . لماذا اعتقل وسجن ؟ إن محمود درويش وشعره شوكة في عيون السلطة لقد قررت تقديم محمود درويش إلى القارئ العبري بكلماته . ولذلك، فإني أنشر بصورة مونولوج ، الأشياء التي قالها في حوار
_______________
* الجديد ، العدد 11 ، 1969 .
ليلي جرى بيننا بعد إطلاق سراحه من السجن بثلاثة أيام .
هذا هو محمود درويش :
• أذكر نفسي عندما كان عمري ست سنوات . كنت أقيم في قرية جميلة وهادئة هي قرية البروة الواقعة على هضبة خضراء ، ينبسط أمامها سهل عكا . وكنت أبنا لأسرة متوسطة الحال عاشت من الزراعة .
عندما بلغت السابعة ، توقفت ألعاب الطفولة . وإني أذكر كيف حدث ذلك.. أذكر ذلك تماماً : في إحدى ليالي الصيف ، التي اعتاد فيها القرويون أن يناموا على سطوح المنازل ، أيقظتني أمي من نومي فجأة ، فوجدت نفسي مع مئات سكان القرية أعدو في الغابة . كان الرصاص يتطاير من على رؤوسنا ، ولم أفهم شيئاً مما يجري . بعد ليلة من التشرد والهروب وصلت مع أحد أقاربي الضائعين في كل الجهات ، إلى قرية غريبة ذات أطفال آخرين . تساءلت بسذاجة : أين أنا ؟ وسمعت للمرة الأولى كلمة ((لبنان)) .
يخيل لي أن تلك الليلة وضعت حداً لطفولتي بمنتهى العنف . فالطفولة الخالية من المتاعب – انتهت . وأحسست فجأة أني أنتمي إلى الكبار . توقفت مطالبي وفُرضت عليّ المتاعب . منذ تلك الأيام التي عشت فيها في لبنان لم أنس ، ولن أنسى إلى الأبد ، تعرفي على الجبنة الصفراء.. هذا ((المصطلح)) الذي عرفني على كلمة الوطن . فلأول مرة وبدون استعداد سابق كنت أقف في طابور طويل لأحصل على الغذاء الذي توزعه وكالة الغوث . كانت الوجبة الرئيسية هي الجبنة الصفراء . وهنا استمعت ، لأول مرة ، إلى كلمات جديدة..
• لماذا أكره الجبنة الصفراء ، ولماذا انصرفت عن الرسم.. إلى الشعر ؟
فتحت أمامي نافذة إلى عالم جديد : الوطن ، الحرب ، الأخبار ، اللاجئون الجيش ، الحدود ، وبواسطة هذه الكلمات بدأت أدرس وأفهم وأتعرف على عالم جديد ، على وضع جديد.. حرمني طفولتي .
بعد أكثر من سنة ، عشت خلالها حياة لاجئ ، أبلغوني ذات ليلة أننا سنعود غداً إلى البيت . أذكر جيداً أني لم أنم في تلك الليلة.. لم أنم من شدة الفرح . فالعودة إلى
البيت تعني – بالنسبة لي – نهاية الجبنة الصفراء ، نهاية تحرشات الأولاد اللبنانيين
الذين كانوا يشتمونني بكلمة ((لاجئ)) المهينة .
..وخرجت إلى رحلة العودة . كان الظلام مخيماً على كل شيء . وكنا ثلاثة : أنا وعمي والدليل الذي كان يعرف مجاهل الدروب في الجبال وفي الوديان . إني أذكر الزحف على البطون لكي لا يرانا أحد . وبعد رحلة مضنية ، وجدت نفسي في إحدى القرى . ولكن ما أشد خيبة أملي : لقد وصلنا إلى قرية دير الأسد ، وهي ليست قريتي . لا بيتي هناك ولا زقاقي . سألت متى نعود إلى قريتنا.. إلى منزلنا . ولم تكن الأجوبة مقنعة . ولم أفهم شيئاً.. لم أفهم معنى أن تكون القرية مهدمة.. لم أفهم.. معنى أن يكون عالمي الخاص قد انتهى إلى غير رجعة . لم أفهم لماذا هدموا هذا العالم.. ولماذا هدموه.. ومن هم أولئك الذين هدموه !.
ورويداً رويداً اعتدت على حياة الكبار ، وقضايا الكبار . واتضح لي – بمنتهى خيبة الأمل ، أني لم أعد إلى منبع الأحلام ، لم أعد إلى زقاق الطفولة . كل ما في الأمر هو أن اللاجئ قد استبدل عنوانه بعنوان جديد . كنت لاجئاً في لبنان ، وأنا الآن لاجئ في بلادي . والآن ، عندما أتحدث إليك ، وأنا في الثامنة والعشرين من العمر ، فإنني قادر على تقويم تلك الفترة . إذا أجرينا مقارنة بين أن تكون لاجئاً في المنفى وبين أن تكون لاجئاً في الوطن ، وقد خبرت النوعين من اللجوء ، فإننا نجد أن اللجوء في الوطن أكثر وحشية . العذاب في المنفى ، والأشواق وانتظار يوم العودة الموعود – شيء له ما يبرره.. شيء طبيعي . ولكن أن تكون لاجئاً في وطنك – فلا مبرر لذلك ، ولا منطق فيه . وعندما نتقدم قليلاً في السن نتخلص من الغصة ، ونشعر أن الوجود هنا أكثر تبريراً . عندها يتدخل عنصر التحدي وعامل الوعي والبحث عن حل . وقد عثرت على الحل في سن لاحقة ، عندما انتهى الصبا وأدركت أن ثمة حاجة إلى الانتماء ، لا الانتماء السلبي العادي ، بل الانتماء الفعال.. الانتماء الملموس والسياسي .
ومن الطبيعي ، أن السياسة تقضي على الحساسية المفرطة وعلى التمسك المتواصل
ببقايا الذكريات ، وبوسعي أن أقول الآن إن وضعي الراهن أسهل . ولكن المواجهة
النفسانية الداخلية تثور فيّ عندما أجلس لكتابة الشعر . عندها يجري الحوار بين إحساس الفنان وبين الوعي السياسي . وأنا أعتقد أن الفنان يجب أن يكون عارياً أمام نفسه .
* * *
* عندما عدت إلى دير الأسد ، كنت في الصف الثاني . كان مدير المدرسة إنساناً طيباً . وأنا أذكر عندما كان يزور المدرسة مفتش وزارة المعارف ، كيف كان المدير يستدعيني ويخبئني في غرفة ضيقة . فقد كانت السلطات تعتبرني ((متسللاً)) وكان المعلمون يرغبون بالدفاع عني . لقد أضاف ذلك الحادث كلمة أخرى إلى قاموسي الخاص ، إلى قاموس الحياة : كلمة ((متسلل)) . وكلما كانت الشرطة تأتي إلى القرية ، كانوا يخبئوني في خزانة أو في إحدى الزوايا ، لأنه من المحظور عليّ أن أعيش هنا.. في وطني . لقد منعوني من الإدلاء بهذا الاعتراف : ((كنت في لبنان)) . وعلموني القول إني كنت لدى إحدى القبائل البدوية في الشمال . وهكذا فعلت لكي أحصل على بطاقة الهوية الإسرائيلية . ولكني لا أزال – حتى اليوم – محروماً من الجنسية في وطني !.
واعتبرت تلميذاً متفوقاً . كنت أكثر من مطالعة الأدب العربي . وقلدت الشعر الجاهلي في محاولاتي الشعرية الأولى .
واليوم ، يبدو من المستهجن أن أكشف النقاب لأول مرة : أني كنت موهوباً آنئذ في الرسم . ربما كنت في ظروف وملابسات أخرى أتطور كرسام لا كشاعر . وقد تضحك عندما تعرف لماذا توقفت عن الرسم . السبب في منتهى البساطة : لم يملك والدي قدراً من المال يتيح له إمكانية أن يشتري ما أحتاجه من أدوات الرسم . لقد زودني بدفاتر الكتابة بشق النفس . آلمني ذلك كثيراً ، فبكيت وتوقفت عن الرسم . وعندها حاولت التعويض عن الرسم بكتابة الشعر . وكتابة الشعر لا تتطلب نفقات مالية !
كانت مواضيع محاولاتي الشعرية الأولى هي مشاعر الطفولة . وكنت أحاول الكتابة أحياناً ، عن مواضيع ذات وزن ، كانت أكبر من طاقتي في تلك السن . شجعني المعلمون على الكتابة . ولا أزال حتى اليوم مديناً لبعضهم – ومن بينهم معلم شيوعي هو نمر مرقس – قاموا بتوجيهي وساعدوا خطواتي الأولى في الشعر.
* * *
* اليهودي الأول الذي.. قابلته وتحدثت معه هو.. الحاكم العسكري !
* لقد خلق لي شعري المتاعب منذ البداية . ودفعني إلى الصدام مع الحكم العسكري . وإذا أردت مثلاً على ذلك : كنت طالباً في الصف الثامن عندما احتفلوا بمناسبة إقامة دولة إسرائيل . وقد نظموا مهرجانات كبيرة في القرى العربية باشتراك تلامذة المدارس في هذه المناسبة . طلب مني مدير المدرسة أن أشترك في مهرجان عقد في قرية دير الأسد . وعندها ، ولأول مرة في حياتي ، وقفت أمام الميكرفون وبالبنطلون القصير ، وقرأت قصيدة كانت صرخة من طفل عربي إلى طفل يهودي . لا أذكر القصيدة ولكني أذكر فكرتها : يا صديقي ! بوسعك أن تلعب تحت الشمس كما تشاء . بوسعك أن تصنع ألعاباً . ولكني لا أستطيع . أنا لا أملك ما تملكه . لك بيت ، وليس لي بيت ، فأنا لاجئ . لك أعياد وأفراح ، وأنا بلا عيد وفرح . ولماذا لا نلعب معاً ؟!
وفي اليوم التالي استدعيت إلى مكتب الحاكم العسكري في قرية مجد الكروم . هددني وشتمني ، فاحترت . لم أعرف كيف أرد عليه . وعندما خرجت من مكتبه بكيت بمرارة لأنه أنهى تهديده بقوله : إذا استمررت في كتابة مثل هذه الأشعار فلن نسمح لأبيك بالعمل في المحجر !. يؤلمني أن أذكر الآن أن تهديدات ذلك الحاكم العسكري أثرت عليّ تأثيراً سلبياً . وبمنطق الصبي قلت لنفسي : سأحصل على القصاص . ولن أكتب . وبالمنطق ذاته عجزت عن فهم السبب الذي يجعل مثل تلك القصيدة تثير حاكماً عسكرياً . وأسجل الآن أن ذلك الحاكم العسكري كان أول يهودي أقابله وأتحدث إليه ! لقد ضايقني سلوكه : إذا كان الأمر كذلك ، فلماذا أتحدث إلى الطفل اليهودي ؟ لقد تحول الحاكم العسكري إلى رمز الشر الذي يؤذي العلاقات بين الشعبين . ومن الواضح ، الآن فقط أستطيع الإجابة على الأسئلة التي ضايقتني آنئذ .
* * *
* ومن حسن حظي ظهرت في حياتي صورة أخرى مناقضة للحاكم العسكري . بعد ذلك الحادث ببضعة شهور انتقلت إلى الدراسة في مدرسة كفرياسيف الثانوية . هناك التقيت بشخصية يهودية أخرى تختلف تمام الاختلاف ، هي المعلمة شوشنة التي لا أمل الحديث عنها . لم تكن معلمة . كانت أما . لقد أنقذتني من جحيم الكراهية . كانت – بالنسبة لي – رمزاً للخدمة المخلصة التي يقدمها يهودي طيب لشعبه . لقد علمتني شوشنة أن أفهم التوراة كعمل أدبي ، وعلمتني دراسة بياليك بعيداً عن التحمس لانتمائه السياسي ، وإنما لحرارته الشعرية . لم تحاول أن تعبئنا بسموم البرامج الدراسية الرسمية التي ترمي إلى دفعنا للتنكر لتراثنا . لقد أنقذتني شوشنة من الحقد الذي ملأني به الحاكم العسكري . لقد حطمت الجدران التي أقامها ذلك الحاكم .
* * *
* قبل عدة أسابيع ، عقدنا – نحن محرري الصحف الشيوعية العربية – مؤتمراً صحفياً في حيفا . تصرف بعض الصحفيين بدون لياقة إذا استخدمت الكلمة اللينة وبدون فهم لمشاعرنا وقضايانا . وفي مجرى الحديث قلت لأحد الصحفيين إن صحيفة ((عل همشمار)) نشرت في ذلك الصباح خبراً بارزاً عن الاحتفالات بمرور عشرين سنة على إنشاء كيبوتس ((يسعور)) . جاء في الخبر أن الفرح بهذه المناسبة لم يكن له مثيل . وقلت للصحفي : يؤسفني أن أقول لك الحقيقة – أنا أفهم فرحك ولكنني عاجز عن مشاركتك فيه . لماذا ؟ لأن هذا الفرح قائم على أطلالي . فإن كيبوتس ((يسعور)) ومستوطنة ((أحيهود)) مبنيان على أنقاض قريتي.. على أنقاض حارتي وبيتي . ذلك ينتمي إلى الماضي ؟ ولكنه محفور في أعماقي !.
عندما عدت من لبنان ، حذرني أهلي من ((خطورة)) رغبتي في زيارة المكان الذي ولدت فيه وقضيت طفولتي ، فإذا ألقي القبض عليّ هناك ، سأطرد إلى لبنان . وهكذا لم أزر المكان إلا عام 1963 . كانت زيارة سرية لأن دخول تلك المنطقة ممنوع . ولم أجد من كل القرية إلا مبنى الكنيسة الذي تحول إلى اصطبل . إن ما رأيته في ذلك المكان المهجور يفسر لك لماذا كانت هذه هي زيارتي الأولى والأخيرة . فتشت عن مرتع طفولتي فلم أجد إلا الأشواك ، لا منزل ولا شيء إلا الشوك . لن أعود إلى ذلك المكان . وكانت الزيارة بمثابة حج . قمت بتأدية هذه الفريضة مع مجموعة من الأصدقاء ، من أبناء القرية . خلدنا إلى الصمت التام طيلة تلك الزيارة وبعدها . التقينا هناك براعي أغنام من اليمن يقيم في مستوطنة ((أحيهود)) . قلت له : لقد أصبحنا أبناء قرية واحدة !. لم يفهم ما أعنيه ، ولم تكن بي رغبة في التفسير .
* * *
* لماذا لا يعرف الأديب اليهودي في إسرائيل شيئاً عن زميله العربي ؟
* أنا أفهم سوء فهم ذلك الراعي.. الشاب البسيط . ولكن يشق عليّ أن أفهم الأغلبية الساحقة من المثقفين اليهود المقيمين في إسرائيل . ويزيد من صعوبة فهمي كونهم شديدي الحساسية تجاه أي سوء يتعرض له أي مثقف يهودي في أية ناحية من أنحاء المعمورة . ولكنهم لا يحاولون إجراء أي اتصال من الفهم مع زملائهم العرب في إسرائيل . إني أذكر مشاعر الإحراج التي داهمتني في أوروبا ، عندما سألني عدد كبير من أدباء العالم عن التأثير المتبادل بين الشعر العربي والشعر العبري في إسرائيل . وأولئك الأدباء الذين سمعوا عن الملاحقات التي يتعرض لها الشاعر العربي في إسرائيل ، كانوا معنيين بمعرفة الجبهة المشتركة بين هؤلاء المضطهدين وبين أكثرية زملائهم العبريين . أجد لزاماً عليّ أن أؤكد هنا أني واجهت – بهذه الأسئلة – قضية جادة جديرة بالاهتمام والملاحقة ، لم تطرح في إسرائيل من قبل . وكان جوابي : ((لا شيء)) . ويؤسفني أن أمثال الأديب المناضل مردخاي أبي شاؤول هم قلائل في إسرائيل . وبوحي من هذه الأسئلة كتبت افتتاحية في مجلة ((الجديد)) طرحت فيها هذه القضية التي تتطلب الإجابة . أريد أن أؤمن بأننا سنحصل على الإجابة . إنني لا أطمح إلى التماثل والفهم التام من جانب زملائنا الشعراء والأدباء اليهود . إنني أدعو – بكل بساطة – إلى التعارف . أدعو إلى آذان صاغية ، ولا أدعو إلى الموافقة المسبقة . من المخجل أننا لا نعرف شيئاً عن بعضنا البعض . إن ما جرى في مؤتمر للكتّاب عقد مؤخراً في فرنسا ، بين الوفد الإسرائيلي الرسمي (حاييم غوري وأهرون ميغد) وبين كاتب لبناني قام بتوزيع بيان احتجاج على ملاحقة الشعراء العرب في إسرائيل ، هو بمثابة دعوة جديدة وملحة إلى النظر بجدية إلى قضية العلاقات بين حملة الأقلام العبرية والعربية في إسرائيل . وإني أحتج هنا على الحلول السهلة التي يقترحها قسم من الصحافة الإسرائيلية باختراعها أسماء غير معروفة وعديمة القيمة لتمثل بها حركة الأدب العربي في إسرائيل . وأريد أن أحتج أيضاً على ظاهرة أخرى هي الطريقة التي يقدمون بها الممثلين الحقيقيين للشعر العربي بصورة ((حملة شعارات)) و ((معادين لليهود)) !
إن الجهل التام بالأدب العربي في إسرائيل ينبع من اعتبارات وحسابات سياسية بحتة ، مع أنه ليس من المقبول الحديث عن السياسة والشعر في سياق واحد !! . إن أولئك الذين يسيطرون على أدوات الدعاية والنشر لا يريدون أن يقدموا للقارئ العبري حقيقة الأدب العربي في البلاد . إنهم يخافون مضمون هذا الأدب . ويدركون أن وصول هذا الأدب إلى الجمهور اليهودي سيحطم حواجز . فالأدب العربي هنا هو أدب احتجاج على وضع غير عادل ، كأي أدب احتجاج آخر في العالم . وإذا كان من المتاح لي أن أستعير مثلاً من أدب الاحتجاج العالمي المعاصر فسأذكر اسم ((جيمس بلودوين)) الزنجي الأمريكي ، صاحب الكتاب المثير ((لا أحد يعرف اسمي)) ، وأعرف أن رنين هذا الكتاب ليس عذباً للأذن الإسرائيلية بسبب تشابه الواقعين ، ولكن القلائل.. القلائل جداً في المجتمع الإسرائيلي هم الذين يعرفون أسماءنا وقضايانا . بيد أني أريد أن أفترض وجود شعراء مبدعين ، مثل يهودا عميحاي ودالية ريبكوفتش ، ذوي استعداد أولي لفهم أمثالنا . عندما ألتقي بالحيرة النفسية لدى هذين الشاعرين وغيرهما ، أحصل على حقنة من الأمل ، في أنه لا يزال في هذه البلاد من يحافظ على حاسة فهم الآخرين !.
وينبغي عليّ أن أضيف أنه بالإضافة إلى كل المتاعب والعقبات ، هناك عقبة اللغة
إني أفهم لماذا يحصل عدد كبير من الأدباء اليهود على انطباع خاطئ عنا . إنهم لا
يعرفوننا . لا يقرأوننا بلغتنا الأصلية . وبهذا الصدد أجد نفسي عاجزاً !. ولكن لماذا لا نتعارف على الأقل ؟ لا أطلب منهم أن يحكموا على إنتاجنا ، فالشرط الأول لهذا الحكم هو المعرفة ، وهم لا يعرفون . هذه القضية تشغل بالي . وأنا لا أمل تكرار دعوة الأدباء اليهود إلى التعرف على زملائهم العرب . وفي هذه المناسبة ، بودي أن ألفت نظر القارئ العبري – وليس بدافع السخرية – إلى حقيقة أن الكثيرين في إسرائيل يعرفون أسماء الشعراء العرب الذين يعيشون تحت الحكم الإسرائيلي منذ ما يزيد عن 21 سنة ! إن هذا السؤال موجع وخبيث . أعترف بذلك . ولكن حاولوا أن تفهموني . وأنا لا أعاتب الأدباء اليهود المتعصبين ، إني أعاتب الأدباء الذين يريدون أن نسميهم أدباء تقدميين . من هؤلاء أطلب : تعالوا نتعارف ونتناقش !.
* * *
* أنا لا أعتبر نفسي شاعراً ناضجاً ، ولا أشعر بالرضا الفني..
بدأ تعرفي على الأدب الثوري والشيوعي ، خلال دراستي الثانوية . قرأت ((الاتحاد)) و ((الجديد)) وغوركي ولينين . تحسست طريقي . وظهرت نقطة ضوء في حياتي . في سنوات دراستي الأخيرة شغلتني كثيراً مسألة الحيرة الأدبية . كيف أعبّر عن نفسي . أنا شاب أنتمي إلى قومية معينة ، ولي قضايا معينة . وفي الوقت ذاته أعيش في دولة إسرائيل . أريد العثور على حل لهذا السؤال : ((هل من حكم القدر وجود تناقض بين هذين الانتمائين)) ؟ لا أخفي عليك أن هذا السؤال يتراءى أمام النظرة السطحية ، بالغ السهولة . ولكنه سؤال شاق وخاصة للشباب . وأنا لم أعثر على الجواب بسهولة . حللته على النحو التالي : ((لا تناقض جوهري بين الشعوب ، إذا قامت العلاقات بين الشعوب على أساس المساواة)) . أنت مدعو لأن تكون بطلاً ، من ناحية نفسية ، لكي تتغلب على هذا السؤال في ظروف بلادنا . وأنا لا أدعي البطولة النفسية إذا قلت لك إني وجدت الحل ، فالتناقض ليس قدراً على الرغم من أننا يجب أن نفهم أولئك الذين يعتبرونه كذلك .
إني أحاول ، رغم الآلام والعذاب الناجمة عن الظلم ، المحافظة على أهم عناصر الإنسان : أن أكون إنساناً ، وأن أنجو من التعصب القومي . لا أقول ذلك نفاقاً ، ولا
لأني أتحدث إليك ، وإلى القارئ العبري بواسطتك . لأتحدث بسذاجة : أنا لا أعادي اليهود . وأقول لك بإدراك تام إن الإنسان – مهما كان لونه ومهما كانت قوميته – هو كنزي .
وأريد أن أتباهى بإنسانيتي ، بأنني أول شاعر عربي عرض جندياً إسرائيلياً حتى بعد حرب حزيران ، بجوهره الإنساني . كيف حدث ذلك ؟ بعد حرب حزيران التي أعادت قتلي حافظت على انتمائي الإنساني . كتبت قصيدة ((جندي يحلم بالزنابق البيضاء)) . والقصيدة هي حوار مع جندي إسرائيلي عاد من الحرب خائباً لأنه فقد انتماءه الإنساني . شربت معه أربع كؤوس خلال حديثنا عن الحرب وعن حبه الأول وعن همومه اليومية ، بدون ظل من الكراهية القومية . لقد وضع الجندي قلبه أمامي ، وأنا استقبلته كصديق قبل الحرب . هاجمني أديب سوري ، بشدة ، على هذه القصيدة . اتهمني بأنني أضلل الرأي العام العربي والعالمي . وقال إن هذا الجندي موهوم . ولكنني سررت عندما قرأت كتاب أحد النقاد الشباب البارزين هو رجاء النقاش . في كتابه عني رد على الكاتب السوري بأن الصراع في المنطقة ليس مع اليهود كبشر ، ولكنه صراع بين العرب والصهيونية . وقال رجاء النقاش إن العالم لم يفهم عداء العرب لإسرائيل ، ولمح إلى أن العقبة بين تفاهم العرب واليهود هي الصهيونية والاستعمار . وأنا أستغرب لماذا لا يستخلص الضمير اليهودي النتائج الحقيقية من تأثير الأدب العربي الإنساني في إسرائيل . إننا نشهد في الآونة الأخيرة ، ملاحقة إيجابية من العالم العربي للشعر العربي في إسرائيل . صحيح ، أن أغلبية الإسرائيليين تنظر إلى هذه الحقيقة بريبة وترى فيها دليلاً على موقف العرب السلبي . ولكنني أنظر إلى الأمر من زاوية أخرى . إن هذا الاهتمام علامة على التغييرات الإيجابية الجارية في النفسية العربية . العالم العربي يرى في الشعر العربي في إسرائيل رمزاً للصمود ، رمزاً لعدم الاستسلام ، ورمزاً للأمل . وقد كنا شهوداً على النقد الذي تعرض له شعر القضية الفلسطينية المكتوب في البلدان العربية . كان النقد يقول إن أغلبية هذا الشعر تتميز برفع الشعارات المتعصبة ، ولم تعرف كيف تجد السبيل إلى القلب الأوروبي وإلى حاسة العدل الإنساني . وقد وجد هؤلاء النقاد حلاً لهذه المسألة في الشعر العربي المكتوب في إسرائيل . رأوا فيه شعراً إنسانياً يسمو على مشاعر الحقد والمزاج النفسي البدائي . وعبّر عن ذلك بمستوى فني عال . وأنا ، كشاعر عربي يحافظ على طابعه القومي العربي والإنساني ، أرى في هذه الظاهرة كسباً للعقل السليم والإحساس المعافى وانتصاراً للإنسانية . لا يعني ذلك أني صرت عدمياً قومياً ، ولا يعني ذلك أني أسلم بأي شكل من أشكال الغبن والظلم ، ولكن ذلك يعني أنني قادر على التمييز بين الإنسان والسياسة .
يجري حوار بين الأدباء والنقاد في العالم العربي حول تسمية حركة الشعر العربي في إسرائيل التي يمثلها بشكل بارز : سميح القاسم ، توفيق زياد ، وسالم جبران وأنا . هناك من يسميها : شعر المقاومة . وكتب أحد النقاد البارزين في القاهرة غالي شكري : يمكن أن نسمي هذا الشعر شعر مقاومة ، ولكن علينا أن نذكر أن نقطة انطلاق هؤلاء الشعراء هي الاعتراف بحق اليهود والعرب في العيش في فلسطين ولذلك من الأصح أن نطلق عليهم اسم : شعراء الاحتجاج والمعارضة .
* * *
* لا . أنا لا أعتبر نفسي شاعراً ناضجاً . لا أشعر بالرضا الفني . وأنا أحد الذين يعتقدون بأن الفنان الذي يتوصل إلى الرضا عن نفسه يفقد مبررات استمراره . صحيح أنني نجحت في تحسين أدواتي الفنية ، ونجحت في قهر تناقضاتي ، ولكنني لا أشعر بالرضا الفني . إذا كان يشغلني في كل تجاربي الأدبية قضية الحقيقة والعدل في حياتنا . إنها تصبح قضية أكثر تعقيداً وتركيباً في هذا العصر المركب . ولكنني أتشبث بكل نقطة ضوء وسعادة في بحثي عن الأشياء التي تبرر قدرة الإنسان على الصمود أمام العذاب .
ليس من حقي القول إني سعيد . من السخف أن أدعي بأنني سعيد . ولكن مطاردتي للسعادة تمنحني السعادة . هذا هو – في رأيي – مبرر وجود الشاعر منذ قيام الإنسان بالتعبير عن نفسه .
أحاول المزج بين انتمائي القومي وانتمائي العالمي والإنساني . وأحاول أيضاً أن
أعمق حاضري بخيرة العناصر الكامنة في الماضي ، وبأجمل ما يظهر لي من المستقبل .
من الطبيعي أن تحترم شاعراً وتعجب بشاعر وتحب آخر . كلنا نقدّر شكسبير على سبيل المثال . وكلنا نعجب بحكمت ونيرودا اودن . ولكن رغم إعجابي البالغ بالكثيرين من الشعراء ، إلا أنني أحب لوركا.. نعم ، أنا أحب لوركا حباً . لا أعتبر لوركا شاعراً مبدعاً فحسب ، ولكنني أعتبره أيضاً صديقي .
* * *
* الكثيرون من أصدقائي يتألمون من أجلي . هذه الملاحقات.. الاعتقالات وأوامر الإقامة الجبرية التي تحدد حرية تجولي في وطني ، أصبحت جزءاً من حياتي اليومية ولكنني أنظر إليها باستهتار يكاد يكون خبيثاً . لست متوتراً ولست مندهشاً . أجلس في غرفتي ، كل مساء ويطربني أن ارتبط بالشمس ، لأني أمنع من مغادرة البيت بعد غروب الشمس . منحوني شرفاً كبيراً عندما ربطوا خطواتي بالشمس . اجلس في الغرفة ، أقرأ ، أسمع موسيقى ، وأنتظر البوليس . وفي الساعة الرابعة بعد كل يوم أثبت وجودي في محطة الشرطة بابتسامة حقيقية غير لئيمة دائماً . وأنا أنظر إلى ذلك برؤية شعرية : لقد تقاسمنا اليوم : لهم الليل ، والنهار لي . لا يحق لي الخروج في الليل ، وهم دائمو التجوال في الليل . وكل واحد منا يعرف النهار أجمل من الليل ، وضوء الشمس أحلى من الظلام . فمن انتصر.. أنا أم البوليس ؟
* * *
* لا أنام قبل الاستماع إلى ألحان ميكيس ثيودوراكيس . بيني وبينه حكاية : قبل ثلاثة أسابيع قرأت في الصحف الإسرائيلية أن ميكيس قد اعتقل . كتبت قصيدة من وحي هذا الاعتقال ، عنوانه ((ريتا.. أحبيني)) . كتبت في مقدمة القصيدة أن سبب اعتقال ميكيس ثيودوراكيس هو أنه ((خطر على أمن الجمهور)) . أضحكني أن الصحف الإسرائيلية وضعت هذه الجملة ضمن أقواس تعبيراً عن سخريتها من هذا الإدعاء : ((خطر على أمن الجمهور)) . ضحكت ، لأن هذه الصحف تنظر إلى هذا الإدعاء كأمر بعيد عنها وبعيد عن حدود إسرائيل ! إني أستمع إلى ألحان ميكيس كل مساء وأحس أننا صديقان . أنا أيضاً ((خطر على أمن الجمهور)) . ولكنني لم أتصور أن مصيري ، ذلك الأسبوع ، سيكون كمصيره . فعندما نشرت القصيدة في ((الاتحاد)) كنت أنا في الاعتقال لأنني ((خطر على أمن الجمهور)) !



الحوار الثالث
مقابلة أدبية مع : محمود درويش

وجهت ((الآداب)) إلى شاعر الأرض المحتلة محمود درويش مجموعة من الأسئلة أجاب عليها بما يلي :
1- في مقال لك شهير بعنوان ((أنقذونا من هذا الحب القاسي !)) أدنت محاولات الإطراء والثناء الكاسحة التي قوبل بها أدب المقاومة في إسرائيل ، فما كان أثر هذا النداء في النقد العربي وفي أدب المقاومة بالذات ؟
* لم أتوقع لندائي مثل هذا الصدى . ولعل لهجتي لا تعبر عن شكوى إذا قلت لك إن ندائي يعاقب بالشهرة ، كنت أحاول ، مخلصاً ، حماية شعرنا من مظاهر الحب الحماسي ، فإذا بتعبيري عن محاولتي يقع أسيراً لهذا الحب مرة أخرى . أعني.. أن ذلك النداء الذي رجوت ، من خلاله ، تحريرنا من الدلال لم يحقق من أهدافه إلا إعلان نيتي الطيبة التي ظنها زملائي مجرد لعبة ذكاء . وأرجو ألا يفسر حديثي الآن عن ذلك الموضوع بأنه رغبة جديدة مني في تكرار النداء . لا... سأكون وقحاً لو استقبلت كل مظاهر الحب بالرفض . وسأكون ساذجاً أيضاً لو وقعت أسيراً في قبضة هذا الحب . وأصارحك القول إني أتجنب ، بأقصى ما أوتيت من حيلة ، إبداء ملاحظاتي وانطباعاتي حول الشعر الذي يكتب في بلادي . وفي حقيقة الأمر ، لم يكن ندائي المذكور موجهاً إلى النقاد العرب وحدهم . لقد كان موجهاً أيضاً إلى الذين يكتبون الشعر في بلادنا ، وربما كان – بالإضافة إلى ذلك – نوعاً من الحوار الداخلي مع نفسي . وماذا كانت النتيجة ؟ من الصعب أن نتوقع نتيجة لمقال . ولكن بعض زملائي أصيب بالدهشة ، وقال البعض : كيف ترفض هدية ثمينة بمثل هذه الفظاظة ؟ ولاحظت من ردود الفعل لدى الأوساط الأدبية العربية ، التي أتيحت لي

_______________
* الآداب ، العدد 9 ، أيلول (سبتمبر) 1970 . وقد نشرت الجديد أجزاء مطولة من هذه المقابلة في العدد
المزدوج 11و12 ، 1970 ، ص12-16 ، 44 .
فرصة الإطلاع عليها – وهي قليلة – أن هناك أساساً قوياً للأفكار والمبررات التي قام عليها ندائي ، وأن شيئاً يشبه قدسية القضية كان يضع الماء في أفواه الذين كانوا يوشكون على إبداء آرائهم بمعركة الحب الدائرة ولكنهم يخشون أن تكون أصواتهم نشازاً . هذا من ناحية..
ولكن ، هل نستطيع القول ، من الناحية الأخرى ، إن ردود الفعل التي اتخذت جانب العداء كانت استجابة مباشرة وبريئة لندائي ؟ كلا . إن مجلة ((شعر)) مثلاً لم تكن تنتظر دعوتي قبل إعلانها بأكثر من سنة ، عندما قدمت أقسى هجاء لحركتنا الشعرية بإصدارها عدداً خاصاً عن شعرنا تضمن أسوأ ما كتب في تاريخ الأدب العربي من شعر . إني أعترف هنا ، وبصوت مسموع ، بأن مجلة ((شعر)) كانت جارحة الذكاء . إنها لم تكتب كلمة واحدة في طعن شعرنا ، وقد تظاهرت بأنها تنسجم مع حركة الاهتمام العربية فأصدرت عدداً خاصاً عن هذا الشعر يخرج القارئ الواعي منه بموقف شديد السخرية .
ماذا أريد أن أقول ؟
أريد القول أن ندائي المذكور لم يغير مواقف ولم يخلق مواقف . ربما كان حافزاً لبلورة مواقف . وأنا لم أكن ساذجاً إلى الحد الذي يصوّر لي أن بوسع مقالي أن يغير شيئاً ، ولكنني أردت التعبير عن هواجسي وإعلان موقفي . ونلاحظ الآن أن الجميع متفقون على ضرورة تخليص شعرنا من المداعبة ووضعه في مكانه الصحيح من حركة الشعر العربي المعاصرة . ومع ذلك ، فإننا نتحدث ولا نفعل . أي أن النقد ينقد النقد ولا ينقد الشعر .
ثم..
دعني أعتقد أن الإجابة على السؤال المطروح تستدعي تناول بعض الأفكار الجديدة – ولعلها جادة – حول الشعر العربي الذي يكتب في بلادي :
ثمة رأي يقول إن هذا الشعر لا يمكن اعتباره شعر مقاومة . إنه شعر معارضة . وأنا لا أعتبر هذا التحديد إهانة ، وإنما أعتبره اجتهاداً ، ولكنه يعاني من هواية التلاعب بالألفاظ أو الأفكار . إن صاحب هذه المقولة – وهو كاتب جاد – يختار من مصطلح ((أدب المقومة)) المعنى الواسع للكلمة بمعالجته ما يبدو له أنه أدب مقاومة في شتى البلدان وفي شتى الأزمنة ، ولكنه يتنازل عن هذا المعنى الواسع ويتشبث بأضيق معاني المصطلح عندما يصل إلى بلد ما في منطقة الشرق الأوسط فيصبح الموقع الجغرافي هو معيار تقويم المواقف ، لأنه هو الذي حدد ، موضوعياً موقفاً سياسياً تفصيلياً لهذا الشاعر أو ذاك فتصبح فدوى طوقان – على سبيل المثال – شاعرة مقاومة لأنها لا تعترف بوجود إسرائيل . ولو عاش معين بسيسو – على سبيل المثال أيضاً – في مدينة عكا لما كان شاعر مقاومة لأنه لن يكرّس شعره للتصريح بأنه لا يعترف بوجود إسرائيل . أما محمود درويش – على سبيل المثال للمرة الثالثة – فلو هاجر إلى الكويت لكان شاعر مقاومة ، لأن واقعه هناك لن يدفعه إلى محاورة اليهود .
هل أنا شاعر مقاومة ؟
لا أدري . ولا يهمني هذا السؤال كثيراً . إن ما يهمني – كشاعر – هو ممارسة مهمتي دون أن أعرف رتبتي . ولكنني أفهم عن شعر المقاومة أنه ملتحم بقضية دفاع عن وطن أمام قوى تقهر هذا الوطن . وأنا أدافع عن وطني ، ولعل كل ما أكتبه – في نهاية الأمر – يتلخص في كشف نفسية الإنسان الذي يدافع عن وطنه بمختلف الأشكال والأزياء . وأنا أقاوم من يأخذ حقي وأرضي . والأرض عندي ليست مجرد أرض ، والشجرة ليست شجرة ، والمساء ليس مساء . وأنا لست شاعر طبيعة . أنا شاعر وطن . ومعارضتي ليست معارضة جزء من كل . إنها معارضة الضد . وأنا أحاور سجاني لأني أريد أن أتكلم ، وأشعر بالملل !. وإذا كنت لا أكره زوجة سجاني ، فإن ذلك لا يعني أني أنسجم مع سجاني .
هل أنا شاعر مقاومة فقط ؟
ليس كل شعر مقاومة – بالمعنى الشائع للمصطلح – شعراً ثورياً ، لأن المقاومة بمعناها الظاهري تعني الرفض . والموقف من عدو أو ظاهرة لا يصلح دائماً – وإلى مدى بعيد – مقياساً للثورية . هنا.. نحتاج إلى تعميق مفهوم المقاومة ليشمل ما هو أعمق من الرفض الآني ورد الفعل الميكانيكي . وهنا – من حقنا أن نبدي بعض التردد إزاء نماذج شعرية معينة خلقها رد الفعل المباشر غير الواعي . على هذا الأساس نطرح السؤال : هل شعرنا هو مجرد ردود فعل ساذجة ؟ إن هذا السؤال ليس بسيطاً بالشكل الذي يتظاهر به . الإجابة عليه قد تساعدنا على التكهن بمستقبله هل تكمن أهميته في كونه رداً ساخناً يفتر بانتهاء حركة الحدث الذي خلقه ، أم يحمل أهميته في ذاته.. في القيم التي خلقها ؟ وهل استطعنا أن نضفي على الحدث الذي نتعامل معه أبعاداً مأساوية مثلاً ؟ وهل استطعنا أن نمسك بلحظة شعرية لامعة من سنوات الظلم ؟. لقد انصرفنا إلى حديث الفن ، ولكننا نتحدث عن ضرورة تعميق مفهوم المقاومة ليشمل أكثر من الصمود والانتقام والرفض ، ليشمل الثورية الحقيقية.. التسلح بالعلم والممارسة لتغيير الواقع تغييراً جذرياً.. تغييراً ثورياً . أو لنقل – لتكن المقاومة مقاومة ثورية تشمل المعنى القومي والمعنى الاجتماعي في جوهرها . ولقد انصرفنا إلى حديث الفكر ، ونحن نتحدث عن الشعر (والغلطة هنا ذات دلالة) مهمة الشاعر تصبح مزدوجة . إن ثوريته يحددها نشاطه داخل حركة الفعل.. داخل الشعر نفسه . والثوري – إذا كان شاعراً موهوباً – لا يكون رجعياً داخل الشعر وثورياً خارجه . والشاعر – إذا كان ثورياً حقيقياً – لا يكون ثورياً داخل الشعر ورجعياً خارجه . وماذا نعني بالثورية داخل الشعر ؟ الموقف من التراث والتجديد الدائم للعلاقات القائمة في القصيدة وتغيير هذه العلاقات . لا أعني بالتغيير التدمير أو الإبادة أعني التطوير . إن المحافظة على ما هو حيوي في القديم هي المحافظة على المقدمات لمتابعة الحركة . والجديد – كما نعلم – لا ينفي القديم كله . إننا نصادف موقفين خطيرين من هذه المسألة : موقف العبادة للقديم – وهو موقف متحجر ورجعي ، وموقف الكفر المطلق بالقديم – وهو موقف فوضوي .
هل استطعنا الإجابة على السؤال : هل الشعر العربي الذي يكتب في إسرائيل هو شعر ثوري من هذه الزاوية ؟ صحيح أن بعض نماذجه وهي تقاوم الاضطهاد الإسرائيلي تجد في الماضي – كل الماضي سنداً تاريخياً لها ، فتقع أحياناً في أخطاء التغني بكل ما في الماضي وعندها يبدو أن بعض نقاط ارتكازها غير ثورية ولكن الناقد مدعو إلى تفسير هذا الميل لدى الشعوب المضطهَدة ، التي تستنجد بتاريخها لمقاومة من يعتدي عليه . إنه نوع من الدفاع . ولكن الاتجاه العام لهذا الشعر لا ينحو هذا المنحى . وأرجو ألا يفهم من كلامي أني أقدم دفاعاً شاملاً عن ((المنجزات)) الفنية التي حققتها حركة شعرنا . ما زلت أعتقد أن هذه الحركة لم تبلور بعد ولم تبلغ النضج الفني . وسيرتكب أصحابها أخطاء غبية لو اطمأنوا إلى أذواقهم الفنية ، وكفوا عن السعي نحو تحسينها . ومع ذلك ، فإننا نحاول أن نكون ثوريين في الحياة وفي الشعر..
2- هل تعتقد أن الشعر العربي الذي نشر بعد هزيمة حزيران استطاع أن يعبر تعبيراً كافياً عن آثار هذه الهزيمة في النفوس وأن يرهص بميلاد الإنسان العربي الجديد ؟
* دعنا نتفق ، أولاً ، على أن القول لا يساوي الفعل . على هذا الأساس دعنا نحرر أنفسنا من رياضة المقاربة . إن طرح السؤال على هذا النحو ينطوي ، منذ البداية ، على اتهام الكلمة . استطاع حزيران أن يقنع الناس ، للوهلة الأولى ، بأن الحقيقة الوحيدة الباقية في الشرق الأوسط هي حقيقة الدم المسفوك . كان الدم – ولعله لا يزال – هو اللغة الأقوى ، فأي أدب يملك القدرة على الكلام في حضرة الدم ؟!. إن اللحم البشري الذائب في رمال سيناء ، لمن يراه أو يتخيله ، هو اللغة الوحيدة القادرة على التعبير عن مرارة المأساة.. أليس كذلك ؟ نحن مدعوون ، إذن لكي نعطي الأدب حق الكلام إلى إنقاذه من حرج المقارنة .
إذن . أنت تسألني عن الشعر العربي الذي نشر بعد هزيمة حزيران . كان يترتب عليّ الامتناع عن الإجابة لعدم اطلاعي المقنع على الكثير من هذا الشعر . سيبقى رأيي مجرد انطباعات تركتها النماذج القليلة التي أتيح لي الإطلاع عليها . وما دامت كذلك فهي قابلة للتغير أمام نماذج أخرى تمنحني المزيد من المعرفة .
يبدو لي أن بوسعنا الحديث عما تمكن تسميته بفترة الصدمة الأولى . الشاعر العربي ، كأي مواطن ، أصيب بمفاجأة مذهلة ، ولذلك كان صوته يصرخ في كل الاتجاهات . كان الشعر لا يعرف لأنه لا يعي شيئاً ، وكان يشتم أول من يصادفه وقد صادف وجهه أولاً . ومن هنا نرى أن هجاء النفس كان يسم الكثير من قصائد تلك الفترة : هجاء الكلمة ، هجاء التراث ، واللغة ، والأمة ، والحاكم . وكانت حرارة العاطفة الجريحة والمهانة حتى الموت وشدة الانفعال تحرق ألسنة الشعراء فتضطرب أصواتهم بسبب اختلال التوازن والموقف . وباختصار ، كانت الفوضى تعم كل شيء . وأكاد أشك كثيراً في قدرة أكثرية قصائد تلك الفترة على البقاء .
ولو نظرنا إلى الموضوع من النافذة السياسية استطعنا القول إن ما كتب في تلك الفترة من شعر ، أو أكثره ، كان شعراً مهزوماً . وكان ، دون أن يدري ، جزءاً من السلاح المصوّب إلى صدر قضية التحرر العربي لأنه شارك أعداءها حملة التشكيك في قيمها وتاريخها ، وأشاع اليأس القاتل في صفوف أبنائها . وهذا ما يفسر اهتمام المراقبين الإسرائيليين للأدب العربي بهذه النماذج وترجمتها السريعة إلى اللغة العبرية في أوسع الصحف اليومية انتشاراً ، وبعض هؤلاء المراقبين ((الأدبيين)) من الجنرالات !.
من هنا ، نخلص إلى التقدير بأن شعر الفترة الأولى بدلاً من أن يكون إنقاذاً للأمل الذي تعرض للاغتيال ، كان شعر يأس . وبدلاً من أن يكون شعر مقاومة.. مقاومة للهزيمة وأسبابها وقواها كان شعر هزيمة ، وبدلاً من أن يكون شعر صمود وإصرار على التمسك بأسباب التحدي التي دفعت الإمبريالية إلى التحرك لضرب آفاق تطور حركة التحرر العربية كان شعر استسلام ، ولم يسهم في تفجير قوى المقاومة والطاقات القادرة على الصمود .
ولعل هذه المسألة تنطوي على أهمية بالغة فيما يتعلق بفهم الشاعر لدوره ومكانه عندما فقد الشاعر الإيمان بطاقات شعبه فقد الشعر . وبوسعنا أن نجد إضافة جديدة إلى هذه المسألة في تغير الاتجاه العام للشعر في فترة لاحقة ، عندما أخذ الشعر الثوري والمقاوم يتبلور اعتماداً على الإيمان بطاقات الشعب التي لا تهزم . إننا نشعر الآن بالفرح لأن بعض الشعراء العرب البارزين انعطفوا نحو الاتجاه الذي نعتقد أنه الأصح . إنهم ، باختصار ، وجدوا ينابيعهم .
وبماذا تتميز القصائد اللاحقة التي أتيحت لي فرص الاطلاع عليها ؟ بالوعي الثوري أو الحدس الثوري . إنها تحاسب مجتمعها وأنظمة حكمها وتراثها محاسبة تقدمية لا محاسبة فوضوية أو انتهازية . وفي الوقت نفسه تحاسب نفسها دون أن تنتحر . إنها تنزل إلى الشارع لتجد الجواب . وهي ليست بدون أبعاد . ليس حزيران آخر الدنيا . شهور قبله وشهور بعده . والنموذج الآن ليس الإنسان الغريب غير المتجانس مع الآخرين ، وليس المسحوق بلا تمرد ، أو الملعون بالكسل . النموذج الآن هو ذلك الذي يستأنف الموت برغبة دموية في الحياة .
وهل أرهصت بميلاد الإنسان العربي الجديد ؟
هذا السؤال صعب ، لست مؤهلاً للإجابة عليه . ولكن المهم أنها تستشف ولادة هذا الإنسان . ويبدو لي أن حزيران (على الرغم من أنه ليس بداية تاريخ جديد فالبداية ابتدأت قبل حزيران) يضيف برهاناً على حتمية انتماء الشاعر النقي إلى التقدم والمستقبل ، ويأخذ مواهب ثمينة في الشعر العربي إلى هذا الميل . وحزيران – هذا العجيب – يزيح الغموض الذي اكتنف كثيراً من المفاهيم عن الحياة والفن . إنه شهر لا حياد فيه ولا من قائل : أبعد هذا الكأس عني ! وسنعرف الآن أن الشعر هو رؤية ثورية للحاضر ورؤيا للمستقبل . ولماذا نكتب ؟ لأننا جديرون بانتمائنا إلى الحياة ومحتاجون إلى الإحساس الدائم بهذه الجدارة .
3- ماذا تقول عن مجموعتك الشعرية الأخيرة ((العصافير تموت في الجليل)) وهل تعتقد أنها تثير بعض الأسئلة والتساؤلات عن تجربتك الشعرية ؟.
* لعلك لا تعرف أن سوء التفاهم – الذي أريده أن يكون ودياً – بين القراء في بلادي وبيني ، آخذ في التحول إلى خلاف قد يأخذ شكل القطيعة . وذلك أمر خطير يسبب لي أحزاناً حقيقية . الكثيرون من القراء قالوا لي إنهم كفوا عن قراءتي . وعلى الصفحة الأدبية لجريدة ((الاتحاد)) دارت مناقشة أسبوعية استغرقت أكثر من ثلاثة شهور كانت قصائدي الأخيرة محور الاتهام فيها . لم أقرأ من آلاف الكلمات التي كتبها القراء كلمة واحدة تدافع عني . لن أروي هنا كل الآراء الخطيرة والمهينة أحياناً المطروحة في تلك المناقشة الهامة والحيوية – على الرغم من سطحيتها – إنها تعكس حاجة القراء إلى الإحساس بأنهم مسؤولون عن شعرائهم وبأن هؤلاء الشعراء ، خاضعون لمراقبتهم الصارمة . دعنا نعتبر الأمر – في آخر
المطاف – علامة عافية ودليلاً على العروة الوثقى بين مبدع الكلمة ومتلقيها . ولكن
خلاصة البحث تواجهك بأسئلة صارمة تهزك حتى النخاع .
هل أنا شاعر رمزي ؟ لا أعتقد . إن قصائدي الأخيرة تزيد اعتمادها على الرمز أو تستخدم الرمز ، بمعنى أن الرمز يخضع للقصيدة وينصهر فيها . وليست القصيدة هي التي تخضع للرمز وتذوب فيه . وكنت أشرت كثيراً إلى أن الرمز يخدم واقعيتي ويغنيها ، ومن هنا فأنا لست شاعراً رمزياً بالمعنى التاريخي لمدرسة الرمزية . وكما أن الشاعر الثوري يزاوج بين وعيه الثوري والغناء الرومانتيكي فإنه قادر أيضاً على استخدام الرمز دون أن يفقد جوهره الثوري . إن الرمز في الشعر – كما نعرف – يضيف أبعاداً أخرى للقصيدة أو يمنح أجنحتها مزيداً من الريش ، ولعل الرمز هو من أهم ميزات الشعر العربي الحديث ومن أكبر القيم الفنية التي حققها . ثم إن الأسطورة – في جوهر الأمر – تلعب دور الرمز في القصيدة الحديثة . من هنا ، أعتقد أن حملة القراء عليّ منشأها سوء الفهم ، إذ انطلقت أغلبيتهم من التسليم المطلق بأني غيرت انتمائي وانتقلت من الواقعية إلى الرمزية .
وهل أنا شاعر غامض ؟
إن الرمز هو الذي يخلق مثل هذا الانطباع الأولي ، فالقصيدة الحديثة لا تستسلم للقارئ من أول لقاء . كان القاموس قادراً – إلى حد بعيد – على فك أسرار وأزرار القصيدة القديمة ، أما القصيدة الحديثة فهي أكثر تعقيداً وتركيباً وتشكيلاً نتيجة تعقد الحياة نفسها . الحياة المعاصرة لا تسمح لنا بأخذ أي مظهر من مظاهرها بكل بساطة وسذاجة . والتناقضات صارت أكثر انفجاراً وتداخلاً . وأن ما يعوزنا في هذا العصر لعله اليقين . لقد كتب الصديق ((ابن خلدون)) في ((الاتحاد)) في معرض التعليق على المناقشة : ((تشتد الحاجة إلى أساليب فنية جديدة ، ألف مرة ، إذا أصيبت الحقيقة بما يشبه الانقلاب.. بحيث تغيرت صورتها بدون أن تغير ماهيتها الجوهرية)) .
ولكن ، هل يكون الغموض ، هو أحد هذه الأساليب الفنية الجديدة ، كلا . إنه ينتج
عنها . وهنا ، يجب أن نميز بين شكلين : الغموض الذي يشبه السحابة الرقيقة الناتجة عن علاقة الشمس بالأرض ، والغموض الناتج عن وداع الشمس للأرض وهو ما تتميز به مدرسة شعرية عربية حديثة تحترف الغموض احترافاً .
وهل أنا شاعر متشائم ؟
إني شديد الإحساس بإنسانيتي . وأنا أقرأ العالم وأراه . بوسع العالم أن يكون أجمل ، أو بوسعنا أن نجعل العالم أجمل . كل ما نصادفه أمامنا.. كل حجر ، كل بناية ، كل مصنع ، كل مدينة ، كل نشيد ، وكل آلة كما نراها الآن ذات تاريخ دموي . لقد قطعت الإنسانية طريقاً طويلاً من العذاب لتحقق أبسط نجاح ، ولكن ملايين من الناس ما زالوا جياعاً وملايين ما زالوا عبيداً . وأن المهندس الفرنسي الذي قضى أربعين عاماً من حياته يبني واحدة من أعظم كاتدرائيات العالم في بطرسبرغ لم تنفذ وصيته ، لم تسمح السلطة القيصرية بدفنه في الكاتدرائية التي بناها لأنه كاثوليكي وهي أرثوذكسية !.
نعرف الآن أن للعمال السوفييت العاملين في البناء أولوية الحصول على الثقة . هل تغير العالم ؟. نعم . ولكننا لا نطمئن إلى هذا الجواب لأن الظلام والجوع والعبودية وكل الأشكال المنافية لجوهر الإنسانية ما زالت تسيطر على أجزاء واسعة من العالم . العدل ما زال ناقصاً ، والحرية ما تزال ناقصة لأن بيتنا المشترك – الكرة الأرضية – ليست حرة كلها . لقد عرفنا الخلاص أو طريق الخلاص ، وذلك مصدر تفاؤل تاريخي ، وكل خطوة على هذا الطريق هي بمثابة برهان جديد على شرعية هذا التفاؤل . من هنا – من وجهة النظر الجوهرية – أنا متفائل .
ولكن تفاؤلي ليس غبياً . أنا لا أقرأ العالم بفرح . فإن مسيرة تفاؤلنا التاريخي ليست آمنة بدون حدود . إن أعظم ما حققته الطاقة البشرية من تقدم تكنولوجي لا يكرس كله لخدمة الإنسان – وبوسعه أن يحيل الكرة الأرضية إلى جنة . إنه يهدد الإنسان ويهرس أعصابه ، لأن دولة كبرى مثل أميركا تملك حظ الثروة الطبيعية والعلمية ولكن أيديها حمقاء وهي بلا روح وبلا إنسانية ، وهذه هي آفتها وآفتنا معها وهيروشيما ليست مجرد ذكرى . عندما أقبل حبيبتي تطلع لي من الحائط صورة هيروشيما . هل أقول إن ما يفسد لذتي مع حبيبتي هو الحمق الأميركي ؟ وهل أستطيع الهروب من هذه العلاقة المتناقضة ؟ لا ، إني أعترف بالقلق والحزن والخوف على مصير العالم ، وحين ألتقي بالعامل السوفييتي أشعر بالأمان . وجهان لعالمنا ، من الوجه المضيء أستمد تفاؤلي التاريخي ، ومن الوجه الأسود يأتيني القلق من الحرب والإصرار على الرفض . وهكذا فتفاؤلي ليس وردياً وليس بمنجى من المحاذير .
ومن أين يبدأ العالم ؟
إنه يبدأ من بيتي . وكانت علاقتي الأولى بالعالم عدائية ، لأني أنتمي إلى بيت يحوي أهلاً . لا بيت الآن ولا أهل . شعب كامل يعيش بلا وطن في هذا العالم الذي يجعل القمر وطناً آخر . كيف أحاور الحقيقة.. وما هي الحقيقة ؟ العالم يطلب من الضحية البرهنة على أنها ليست القاتل والقاتل الحقيقي يتظاهر بالبكاء . والقضاة ؟ من هم القضاة المخوّلون بإصدار الحكم ؟. دم على كل الطرقات وفي كل الحدائق.. وعلى مرايا العالم ، والحقيقة تأخذ شكل المذبحة . والضحية مطالبة بإثبات براءتها ولا قاض إلا الموت . هل استطاع وطني أن يملك إلا حريته ، في أن يموت كما يشاء ؟ الموت هو البطاقة التي يقدم بها وطني نفسه إلى العالم . فاتخذ لك موقفاً من الموت الاختياري . إن مجموعة ((العصافير تموت في الجليل)) غارقة في التعامل مع الموت الذي ليس موتاً في جوهره ، فهل يعني ذلك أني متشائم ؟
وهل أنا شاعر ذاتي ؟
يجب أن نقيم فاصلاً بين معنيين لهذا المفهوم . على المستوى الفلسفي وعلى المستوى الفني ، أظن أن ما يميز الشعر عن سائر أشكال الوعي الاجتماعي هو أن الذات تشكل محوره . ولكنها ليست معزولة عن الآخرين مهما تظاهرت بالاستقلال النسبي . وهي – بهذا الاستقلال – تتفرد بصفات خاصة هي التي تحدد الطابع الفني المستقل لكل شاعر . وأنا أحب أن أعتقد أن السمة المميزة لشعري تتمثل بالخصوصية ، لأني على الرغم من كل عيوبي شاعر صادق . ومفهومي للشعر يقنعني بأن الصدق هو جوهر الشعر. ولكن من أين تشكلت ذاتي ؟ الجواب الواضح
على هذا السؤال يحل ما يبدو أنه تناقض .
وإني متشرب حتى النخاع بالإحساس بالحصار . والحصار ليس فكرة ذاتية اخترعتها وليس وهماً يأمرني . إنه واقع يعيشه شعبي ، وعندما أكشف نفسيتي المحاصرة أكشف ، في الوقت ذاته ، نفسية شعبي .
وبعد.. إني أتكلم على هامش الشعر ، على هامش تجربتي في ((العصافير تموت في الجليل)) ، ولا أتكلم عن الشعر نفسه .
4- هل تشرح لنا خلفية الحوار الذي يجري بينكم وبين الأدباء اليهود في إسرائيل والذي كان لك فيه نشاط واضح ؟
* قد لا أرتكب خطأ فادحاً إذا تصورت أن هذا الحوار سيتحول إلى ظاهرة . وقد لا أرتكب خطأ آخر إذا لاحظت واقعين مختلفين – لا متناقضين – لتحريك هذا الحوار . هل تم نتيجة رغبة متبادلة في ممارسة رياضة فكرية ؟ كلا . إن الكاتب العربي في إسرائيل حريص على إجراء الحوار لأنه حريص على طرح قضيته وإنقاذها من ركام الزيف الذي أهالته عليها الدعاية الصهيونية ، وحريص على إنقاذ الحقيقة من التعذيب اليومي . وهو يريد أن يهز الكاتب العبري ((المحايد)) ويضعه في الاختبار ، ويريد ألا تكون المناقشة همساً . إنه يحاور ، من خلال الكتّاب أوساطاً واسعة من الرأي العام .
ولماذا يريد الكاتب العبري الحوار ؟ نحن نتحدث عن الفترة التي أعقبت حرب حزيران . ومع ذلك ، يجب أن نتابع أشكال الشخصية العربية ومكانتها في الأدب العبري .
كانت هذه الشخصية متأخرة ولا تشكل موضع اهتمام ، ثم أصبحت عند بعض الأدباء الذين جاءوا إلى فلسطين يحملون بعض الأفكار الاشتراكية الديمقراطية تشكل مسألة أخلاقية ، فنلاحظ عندهم ملامح من العطف الإنساني على مصيرها ولكنه لا يصل إلى حد تأنيب الضمير لأن تحقيق القيم الصهيونية هو المسألة الأولى والصدام ليس بين حقين ، بل تحقيق الحق الأوحد مع الحد الأدنى من إيذاء الغير . ويمكن التعايش مع العربي الفلسطيني في إطار إذابته ، لأن بقاءه يحمل صفة من طبيعة الشرق (القهوة السوداء ، الكوفية والعقال ، المرأة المحجبة ، الدبكة) وكان هذا العربي يعمل في مزارع اليهود . ونلاحظ في بعض الروايات العبرية – مع تطور الصراع فيما بعد – موقفاً باهتاً يقول : لو أحسنا معاملته لكان الوضع أفضل وعلى كل حال ، فالمسألة تبقى في حدود النظرة الأخلاقية . ثم تأتي فترة حرب السويس بما سبقها وما أعقبها ، فيأخذ العربي شكل العدو الذي يعكر المزاج . ولكنه لم يتحول بعد إلى هم حقيقي لأن الانتصار عليه مضمون دائماً . ثم.. نصل إلى حرب حزيران.. ونلاحظ بهجة النصر والإحساس بتوقف التاريخ . كان حزيران بالنسبة للرأي العام الإسرائيلي ، هو خاتمة الحروب ، والسلام بعده على قاب قوسين أو أدنى . وجلس الناس مع وزير دفاعهم ينتظرون المكالمة التليفونية العاجلة من القاهرة لتعلن : استسلام العرب وحلول السلام . وفوجئ الناس ، بعد طويل انتظار ، بأن الخط التليفوني معطل . وبدلاً منه خطوط دفاعية قوية على امتداد قناة السويس . وصارت الأطر السوداء في الصحف تزاحم الخرافات وتخرج لسانها لتصريحات الجنرالات ووزير الدفاع . وتسطر الرأي العام الإسرائيلي الآن علامات بارزة من التساؤل والقلق . مرت مرحلة الطمأنينة كالبرق وامتدت الأيام الستة إلى مئات الأيام . وماذا بعد ؟ هذا هو السؤال.. وأين الأمن وأين السلام ؟ وهذا الشعب العربي الجريح يقف على قدميه ويحاربنا ويقتلنا.. والأدهى من ذلك أنه يسقط الفانتوم على الرغم من أنها تحمل نجمة داوود !
لقد وصف أحد النقاد اليهود شخصية العربي في الأدب العربي بعد حزيران بأنها تطورت إلى كابوس.. وناقش المواقف الأخلاقية السابقة الموحية بأن كل شيء يتوقف علينا ولو عاملناه بشكل أحسن لكان الوضع أفضل ، قائلاً إنها مواقف ساذجة. لا . ((المسألة ليست بمثل هذه السهولة . إن الصراع قدر ولا مفر)) . وكتب لي روائي بارز ترجمت إحدى قصصه : ((إنك ، يا محمود درويش ، قد تخدع قراءك وشعبك إذا حاولت الاستفادة من القلق الذي نعانيه ، وترتكب خطئاً إذا حاولت برصدك مظاهر القلق والتشاؤم في أدبنا ، البرهنة على تفكك مجتمعنا . ولكني أريد أن أقول لك : حذار من دفعنا إلى اليأس ، لأن اليأس يجعلنا أكثر عناداً وخطراً)) ! إن ما يعنيه هذا الكاتب الموهوب هو النشاط الذي قمت به في الآونة الأخيرة لرصد اتجاهين متعاكسين في الأدب والفكر الإسرائيلي : الأول ، علامات التساؤل والقلق وإعادة النظر على اختلاف منطلقاتها ، فبعضها مثالي وبعضها حريص على طهارة الصهيونية وبعضها حائر وبعضها واقعي . ولكنها تتفق على إبداء التشكك ومحاولة البحث عن مخرج آخر ، وتتفق على أن طريق السياسة الرسمية الحاكمة لا تؤدي إلى أي سلام وإلى أي أمن ولا تحقق إلا الحرب الدائمة . والاتجاه الآخر ، القائل إن الصهيونية وإسرائيل ليستا مسؤولتين عن سفك الدم وإن العرب هم المسؤولون ، وإن هذا الوضع المأساوي قدر لا مفر منه !
هذه هي الخلفية التي قام عليها الحوار بين الكتّاب العرب واليهود . ومن الصعب تلخيص موقف موحد للجانب العبري من الحوار ، فهو ليس متجانساً إلا بالقلق ومراجعة الحساب (حساب النفس هو الذي يميز الآن مجموعة ملحوظة من الأدباء والمفكرين اليهود في إسرائيل) . ولكن الجميع يطرح هذا السؤال : ما هو البديل الذي تعطيني إياه حركة التحرر العربية ؟. وأعتقد أن المفكر العربي مدعو إلى مراقبة التغير الجاري لدى هذه المجموعة وإلى قراءة حساب النفس هذا وتطويره نحو الخلاصة الصحيحة . ليس المجتمع الإسرائيلي مجتمعاً متجانساً ، والقبول بفكرة أن كل الإسرائيليين وحدة سياسية واجتماعية هو ما تريده الصهيونية وقيادة إسرائيل . من المفيد أن يصغي الرأي العام العربي إلى نواقيس التحذير التي تدق في إسرائيل مهما كان صوتها خافتاً . وتزداد الحاجة إلى ذلك إزاء ارتفاع موجة العسكرية والإرهاب الفكري في المجتمع الإسرائيلي . فلا ينبغي أن تبقى الأصوات الصحية معزولة . من الضروري أن تشعر بسند أخلاقي وأدبي وربما سياسي لها من الجانب العربي ، لتعميق التناقض والبرهنة للناس في إسرائيل حقيقة الصهيونية وأخطارها عليهم هم أنفسهم .
وأحب أن أشير إلى أن حوارنا القاسي لم ينته بنتائج عملية ذات أثر ، ولكن صاحب القضية العادلة لا يخشى المناقشة . نحن لا نحاول ابتزاز موقف إنساني من أحد ، ولا ندفع ثمن الحوار التنازل عن حقوقنا ومبادئنا. وأظن أن هذا الحوار ، كما
قلت في البداية ، سيتطور إلى ظاهرة يتوقف حجمها على شعور الإسرائيلي المتزايد
بأنه لم يربح الحرب .
5- عن جائزة اللوتس ؟
* لا أعرف إذا كنت أستحق جائزة ((اللوتس)) فعلاً . ولكني أرحب بها بامتنان وفرح . إني أرى فيها عطفاً أدبياً على قضيتي ، وتشجيعاً على الاستمرار في طريقي . إن ما يبهجني في الجائزة هو أنها تفتح نافذة صغيرة في الحصار المضروب علينا . ولعل صوتي وصوت زملائي قادر الآن على الوصول إلى مزيد من الآذان الآسيوية – الأفريقية ، وإن ما يخيفني في الجائزة هو المسؤولية الجديدة التي تلقيها علي .
6- عن المشاريع المنتظرة ؟
* لست شاعراً محترفاً . والشعر لا يحتل من وقتي إلا ساعات معدودة . وأنا كثير الصمت . يحدث ألا أكتب قصيدة واحدة طيلة عام كامل . إن للشعر عندي مواسم ، وهكذا بعد صمت طويل أراني أكتب بغزارة ثم أتوقف . لا أكتب إلا إذا عشت تجربة جديدة . ونفسي كثيراً ما تصاب بالركود وبما يشبه العقم . ومن هنا لا أخطط لمشاريع . الآن مثلاً ، لا أكتب شيئاً.. ولا أعرف ماذا سأكتب ، ولكنني أهجس بكتابة قصيدة عن عبد الرحيم محمود.. الشاعر والمقاتل . وقد بدأت عدة أعمال.. وتوقفت فجأة . ولا أعرف متى سأنهيها .
7- عن نشر كتبي في بيروت ؟
* لست متحمساً للطريقة التي تنشر فيها كتبي في بيروت . إني أسمع عن صدور كتب لم أصدرها (*) . لماذا ؟ لم أمت بعد . عندما أموت افعلوا بي ما تشاؤون . ولكن الآن دعوني أعمل على مهلي . دعوني أكتب في الظل ، واتركوا لي أن أقرر متى أخرج إلى الضوء . وأرجو أن يكون لي الحق في مطالبة النقاد بألا يحاسبوني إلا على ما أصدره أنا . ولذلك ، من الضروري أن أقول إني لم أصدر منذ مجموعة ((آخر الليل)) (الصادرة في كانون أول 1967) إلا مجموعة واحدة هي ((العصافير تموت في الجليل)) . ومع ذلك ، أريد أن أشكر الناشرين ، الذين يهتمون
بأعمالي ، ولكنه شكر مشوب بالعتاب الودي !.
(*) تعليق ((الآداب)) : أصبح معروفاً أن في بيروت داراً جديدة للنشر تستولي على كل ما يصدر في الأرض المحتلة فتعيد نشر ما كان مجموعاً في كتب وتجمع على هواها ما كان منشوراً في الصحف دون إذن من المؤلفين . والألم الذي يعبر عنه محمود درويش هنا يشبه الألم الذي يعبر عنه سميح القاسم إذ يقول في رسالة خاصة : ((إنني لا أخفي عنك امتعاضي من محاولة بعض دور النشر الطارئة وغير الجدية الاتجار بشيء نريده فوق التجارة والأسواق التجارية . ولعلك توافقني على أن إسراع بعض الناشرين إلى جمع ثلاث أو أربع قصائد لشاعر ما ونشرها في ((ديوان)) هو عملية تجارية بحتة ليست من النشاط الأدبي في كثير أو قليل)) !

الإهداء
إلى روح فقيدنا الغالي
المأسوف على شبابه
عنان ياسر خليل
صدر للمؤلف

1. ألوان – مقالات في النقد والأدب ، مطبعة النهضة ، الناصرة ، 1996 .
2. الطريق إلى طرعان ، الشرق العربية ، القدس ، 1997 .
3. طرعان وأخواتها ، العيش والملح ، الشرق العربية ، القدس ، 1999 .
4. النقد الأدبي في فلسطين-48 في نصف قرن 1948-1998، ط1 ، الشرق العربية ، 2004 . ط2 ، دار الهدى-كريم 2001 ، كفر قرع ، 2007 .
5. نقد على نقد ، دار الهدى-كريم 2001 ، كفر قرع، 2007 .
6. القصة القصيرة في فلسطين 48 - جيل الرواد ، تحت الطبع .
7. ريحان وياسمين ، دار الهدى-كريم 2001، كفر قرع، 2007 (للأطفال) .
8. الهزار يغرد من جديد، دار الهدى-كريم 2001، كفر قرع،2007 (للأطفال) .
9. أسرة أرنوب ، دار الهدى-كريم 2001 ، كفر قرع ، 2007 (للأطفال) .
10. نشيد الوطن ، دار الهدى-كريم 2001 ، كفر قرع ، 2007 (للأطفال) .



د. محمد خليل


محمود درويش مقالات وحوارات (1961-1970)


2009