هذه النسخة من موقع مؤسسة ومتحف محمود درويش هي نسخة تجريبية ويجري العمل على تطويرها

قراءة في كتاب.../ ذاكرة للنسيان/ للشاعر الراحل محمود درويش- د.أحمد منصو

 

محمود درويش ، الشاعر الذي تغنى الوطن العربي بشعره المقاوم والذي زار حلب وأنشد فيها لأول مرة قصيدته الخالدة " عابرون في كلام عابر" والتي تعتبر أكثر من صفعة ونبوءة مستقبلية بمصير الكيان القريب:

أيها المارون بين الكلمات العابرة‏

آن أن تنصرفوا‏

وتقيموا أينما شئتم، ولكن لاتموتوا بيننا‏

فاخرجوا من أرضنا‏

من برنا .. من بحرنا‏

من كل شيء .. واخرجوا‏

محمود درويش شاعر المقاومة الصامد في زنزانات العدو المحتل لوطنه، المتشرد في أرض الله الواسعة في الشرق والغرب والذي كان يتغنى بذكريات وطنه المسروق ويعلن أن فلسطين لن تستعاد باللقاءات ، بالمؤتمرات ، بالمباحثات، بالندوات، بمجلس الأمن فكل ذلك وهم وخداع ، وإن عودتها عربية واستعادة وجهها الجميل الذي قبحه الغزاة الهمج لايكون إلا بالمقاومة .. شعلة الحياة المقدسة .. المباركة .. المقاومة بكل ضروبها : بالشعر ، بالأدب، بالموسيقا ، بالرسم، ، بالنحت، بالسينما، بالصحافة، إلى جانب الاحتفاظ بالسلاح جاهزاً ..‏

تلك هي طرق العودة إلى بيارات الزيتون وكروم العنب وبساتين البرتقال والليمون .. وإلى تحرير الأقصى الذي طال أسره من قبضة قراصنة الدمار والقتل .. غضب الله ولعنة الأمم.‏

لقد أبدع محمود درويش أكثر من عشرين ديوان شعر ، إلى جانب مجموعتيه من نصوص الذكريات وآلام فراق الوطن والأحباب ، صدرت الأولى "ذاكرة للنسيان" عام 1987 وصدرت الثانية "في حضرة الغياب" عام 2006 ولكن "ذاكرة للنسيان" التي هي موضوع دراستنا تميزت بنزيف قلب يتمزق، أعصاب تحترق باللوعة والغربة والشوق للوطن الذي كان الشاعر يتلمس ظلاله وهو يمشي في شوارع بيروت المحاصرة من قبل قطعان يهوذا عام 1982، لقد لامست نصوص ذاكرة للنسيان قلوب محبي محمود درويش فطبعت عدة طبعات كان آخرها الطبعة الثامنة عام 2007 منذ الصفحات الأولى يطالعنا الشاعر باحباطاته التي تغلف إرادته المقموعة بوجوده في غرفة موصدة تتعرض لإطلاق الصواريخ .. إنه يحاول استعادة تفكيره بالحصول على فنجان قهوة: "أريد رائحة القهوة لأتماسك ، لأقف على قدمي ، لأتحول من زاحف إلى كائن.."‏

الانفجارات القريبة والبعيدة تمنعه من الحركة فيعاود التفكير والترقب المضني:‏

"قذائف البحر تنقض على واجهة المطبخ المطل على البحر لتنشر رائحة البارود ومذاق العدم؟ .. صرت أقيس المسافة الزمنية بين قذيفتين : ثانية واحدة .. ثانية واحدة أقصر من المسافة بين الزفير والشهيق .. أقصر من المسافة بين دقتي قلب .. ثانية واحدة لاتكفي لأن أصب الماء في الغلاية.. ثانية واحدة لاتكفي لإشعال عود الثقاب .. ولكن ثانية واحدة تكفي لأن احترق .."‏

محمود درويش باحساساته المتيقظة للخطر المجنون القادم من عدو متوحش لايأبه بحياة إنسان ، القتل عنده والتدمير طبيعة تلقاها في المدارس ليتعامل مع الفلسطيني والعربي بالعنف وإراقة الدماء.. في الصباح الباكر وعندما يكون جنود الأعداء متوقفين عن إطلاق صواريخهم ، تظهر العصافير في سماء شاحبة وحيدة مثلما هو وحيد وسط الخراب حوله.‏

"لمن تغني العصافير في زحام هذه الصواريخ ؟ لقد شقت فضاءها الخاص في دخان المدينة المحترقة .. إنها تصمت ، منذ أن هبت عاصفة الحديد الطائر .. لأن أرض سمائها لم تعد سالمة.."‏

وماذا عن هذه الأغاني التي تذيعها محطات الإذاعات العربية فتضرب عقله وضميره وهي تردد : "طلعنا عليهم طلوع المنون‏

فكانوا هباء وكانوا سدى‏

هل كانوا هباء وهم خاضوا حرب 1948 بعد أن تدربوا مع الجيش البريطاني في الحرب العالمية الثانية على استعمال أسلحة لم تعرفها الجيوش العربية وفي حرب 1967 هل كانوا هباء وقد عرفوا مواقع مطارات وحشود جيوش مصر وسورية والاردن من الخرائط التي زودتهم بها الولايات المتحدة وقالت لهم كونوا البادئين في الهجوم وأنا سأوصيهم بضبط النفس وعدم التسرع..‏

العرب يقاتلون ويعلنون انتصاراتهم عبر الإذاعات في حين العدو يدمرهم ويلتهم الأرض جميعها .."‏

أما عن حياة السجن والعذاب في معتقلات العدو الصهيوني ومعاملتهم غير الإنسانية للمعتقلين بما يقدمونه من طعام تأبى كلابهم الاقتراب منه..‏

"أما عن الطعام الذي كانوا يقدمونه في سجونهم فقد اعتدت أن أحصي أعداد السوس في صحن حساء العدس، الطبق اليومي الذي كان يقدم لنا .. واعتدت أن أتغلب على الاشمئزاز لأن الشهية تتكيف ولأن الجوع المضني أقوى من الشهية.."‏

الصواريخ والقنابل المدمرة لاتتوقف والأبنية المجاورة تنهار وأنين الجرحى لاينقطع:‏

" قد لايقتلني الصاروخ بشكل خاطف دون أن أشعر ، فقد ينهار علي حائط على مهل في عذاب لاينتهي .. قد يطحن ساقي أو ذراعي أو جمجمتي، أو قد يربض على صدري وأبقى حياً عدة أيام .. قد يختلط لحمي بالاسمنت والحديد والتراب فلا يدل شيء علي ".‏

يتطرق إلى حرب حزيران 1967 فيقول عنها إنها حرب مؤامرة وتخطيط لوقف المد القومي العربي وللخلاص من عبد الناصر وتركت الولايات المتحدة للكيان الصهيوني في البحث عن ذرائع لإعلان الحرب وتحطيم الدول العربية المقاومة كي تنطوي على جراحها ثم التفت العدو إلى رجال المقاومة يلاحقهم واستئصالهم ويتحدث محمود درويش بقلب جريح عن مصير صديق مقاوم : "حدثني والد سمير المقاوم كيف قبضوا على ولده وكيف اقتادوه إلى غرفة مجاورة ليستمع إلى تعذيب ولده وأنينه وهو يتلاشى ألماً .. إنهم قطيع من الذئاب يستفرد بغزال أسير . لقد تحطم الأب وهو يصغي إلى الموت البطيء المتصاعد من جسد ابنه : الوسيم ، المرفه ، الأنيق .‏

أما أمه فقد أيقظ ابنها في أمومتها حاسة الزهو .. ابنها سمير تحدى الكيان.‏

في عملية تبادل أسرى أطلق سراح سمير ولكن الذئاب المسعورة لدماء الفلسطينيين لاحقوه بالطائرات وهو يسير آمنا في الشارع ، فبترت ساقاه وذراعاه وبقرت بطنه وسملت عيناه (ذلك ماتفعله اسرائيل بالفلسطينيين ) ، قالوا لي : إذا كنت تحب صديقك، صل له أن يموت، الموت راحته الوحيدة .. أما أنا فدعوت : لاأريد أن أموت مشوهاً بين الأنقاض .. أتمنى أن أقصف على حين غفلة في الشارع، أتمنى أن أحترق تماماً، أن أتفحم فلا يعثر الدود علي، إذ ليس من عادته أن يأكل الفحم ."‏

المقاومة عمل مقدس يراها محمود درويش من منظور رفيع السمو والنبل ، أما المقاوم فهو شعلة إلهية لاسترداد الحقوق المغتصبة ولإبعاد الظلم عن الشعوب المسحوقة بنير المحتلين والمستوطنين لأوطان ليست لهم وهو يخاطبهم :‏

" لتتقدس أيديكم أيها القابضون على الحجر وعلى الحجر الأخير .. لتتقدس أيديكم الرافعة وحدها جبالاً من أنقاض الفكرة اليتيمة وليتحول ظلكم المحروق إلى رماد عنقاء يجددكم لتبنوا منه ومنكم مغارة لطفل يولد .. ولتنبت أسماؤكم حبقاً وريحاناً على سهل يمتد من خطاكم .. سهل لتهتدي حبة القمح إلى ترابها المسروق.‏

أيها المشرقون فينا أقماراً يعجنها دم سخي ينادي حراس القلعة الهاربين إلى صفوف الأعداء .. فلا يجيب سوى الصدى الساخر .. من آثار خطاكم ، سنلم الجزر المتطايرة المتنافرة كما يلم الشاعر البرق المتناثر من حوافر خيل على صوان.. ومن خيمة هي ما يسيل علينا من ريش الصقور سندل القبائل على حدود أسمائها.."‏

لقد وضع محمود درويش المقاوم في إطاره الذي يستحقه عن جدارة فاسمه ينبت حبقاً وريحاناً وهو بتضحية قمر يشرق نوراً في النفوس ويتابع في وصف شجاعته فيقول : "وحدكم أيها المقاومون .. البحر من ورائكم والبحر من أمامكم والبحر عن يمينكم والبحر عن يساركم ولا يابسة إلا هذه اليد الممسكة بحجر هو الأرض..‏

وحدكم أيها المقاومون .. ارفعوا مائة مدينة أخرى على هذا الزناد ، لتخرج المدن القديمة من اصطبلاتها ومن سلطة الجراد النابت في خيام الفراء الصحراوي.."‏

العدو الصهيوني المحتل لوطن الشاعر أفسد كل شيء جميل في حياته وتسبب في خروجه من مكان لآخر حتى أصبحت مسام جلده هدفاً لصواريخه تعبرها وتخرج سالمة، إن العدو في كل مكان يلاحق الشاعر.‏

"أصبح الفضاء محتلاً ، وكذلك البحر وجبل الصنوبر .. إنه السبب في تشردي الذي لاينتهي .. لم يعد لي وطن أسكنه .. لم يعد لي جسد استقر فيه .. انه يواصل القصف ، قصف أناشيد المدائح وحوارات الموت المتحركة في دم كالضوء يحرق الأسئلة الباردة.. الصواريخ تدخل في مسام جلدي وتخرج سالمة".‏

ولكن شاعراً بروح محمود درويش هل يستسلم لطغيان الصهاينة وبطشهم ..؟ لا .. لايمكن لروح مقاومة استشعرت الظلم واستلاب كل جميل في حياة الشاعر، ان يرضخ .. إنه ينتفض .. أن يتصدى حتى لتلك الطائرات المشابهة بقبحها للحشرات إنه من سلالة أصيلة لاتعرف الخوف .. لاتعرف الانحناء .. بل تعرف التقدم والتصدي : "لاأحس بالجحيم التي يوزعها الهواء مادمت أتنفس الجحيم وأتصبب جهنم .. أريد أن أنشد .. أريد أن أجد لغة تحول اللغة إلى حديد للروح .. إلى لغة مضادة لهذه الطائرات ، الحشرات الفضية اللامعة .. أريد أن أنشد ، أريد لغة تسندني وأسندها وتشهدني وأشهدها على مافينا من قوة الغلبة على هذه العزلة الكونية .. وأمشي .. أمشي لأراني ماشياً ثابت الخطوة ، حراً حتى من نفسي، وفي منتصف ، منتصف الشارع تماماً، تنبح علي الوحوش الطائرة.. تبصق نارها ولا أبالي .. لاأسمع إلا وقع خطاي على الاسفلت المحفور.."‏

الشاعر في ثورة .. في غربة نفسية .. في ضياع .. ولكنه لايستسلم .. يقاوم وحيداً العدو حاصره وسلبه كل شيء .. لاينبغي السكوت بعد اليوم .. ينبغي أن نحاصره بدورنا وأنت يا أخي المقاوم إن رأيتني أسقط مضرجاً بدمائي، التقطني واضرب عدوك بي لأن المقاومة جعلتك حراً .‏

"أشلاؤنا .. أسماؤنا .. لا .. لا مفر‏

سقط القناع عن القناع عن القناع‏

لاإخوة لك ياأخي ، لاأصدقاء‏

لا الماء عندك ، لا الهواء ، لاالدواء ، لاالشراع ، لا الأمام ، لا الوراء‏

حاصر حصارك .. لامفر‏

سقطت ذراعك فالتقطها‏

واضرب عدوك .. لا مفر‏

وسقطت قربك ، فالتقطني‏

واضرب عدوك بي ، فأنت الآن حر‏

وحر‏

وحر‏

قتلاك أو جرحاك فيك ذخيرة‏

فاضرب بها .. اضرب عدوك .. لامفر‏

محمود درويش ، مطروداً من وطنه ، لابيتاً يأويه، لاأحداً يواسيه، قومه ارتهنوا للسيد القوي.. لقد توضح كل شيء وزالت الأقنعة الخادعة التي كانوا يختفون خلفها :‏

" سقط القناع ، ولاأحد‏

إلاك في هذا المدى المفتوح للأعداء والنسيان‏

سقط القناع‏

عرب أطاعوا رومهم‏

عرب وباعوا روحهم‏

عرب وضاعوا‏

سقط القناع‏

سقط القناع"‏

سأل صحافي أميركي محمود درويش :‏

" ـ ماذا تكتب أيها الشاعر في الحرب؟‏

ـ أكتب صمتي‏

ـ هل تعني أن الكلام للمدافع؟‏

ـ نعم صوتها أعلى من أي صوت‏

ـ ماذا تفعل إذن ؟‏

ـ أدعو إلى الصمود‏

ـ وهل ستنتصرون في هذه الحرب؟‏

ـ لا .. المهم أن نبقى .. أن نقاوم .. بقاؤنا انتصار لنا‏

ـ وماذا بعد ذلك؟‏

ـ سيبدأ زمن جديد‏

ومتى تعود إلى كتابة الشعر؟‏

ـ حين تسكت المدافع .. أفجر صمتي المليء بجميع هذه الأصوات .."‏

أما عن السلام الذي زين لمصر مع اسرائيل فكان سراباً وأوهاماً .. لقد وعد السلام شعب مصر بتحرير الرغيف من ضرائب فلسطين وعودة الشهداء إلى أهلهم سالمين وبوجبة فول أفضل ولكن الذي حدث :‏

ازداد الجائعون جوعاً والأغنياء غنى، ومن تساءل أين ثمن السلام ؟ وضع في السجن .. وكان أن خرج من صفوف الشعب، من أطلق الرصاص على فرعون وعلى السلام .. السراب الوهم ..!‏

الآخرون استخلصوا العبرة وشيدوا بمنهجية ومثابرة ، سلام الأمر الواقع، المشروط بربط المعدة العربية بشروط الرضا الأميركي .. ويجيب محمود درويش على ذلك :‏

"أشهروا الحرب على المقاومة وانتظروا أن يحرق الاسرائيليون نيابة عن الجميع مسرح هذه المقاومة لأن المقاومة برأيهم تدعو إلى الضجر .. بعضهم ينصحنا بالرحيل على سفن أميركية وبعضهم يدعونا إلى الانتحار الجماعي .. كفى إلى متى يصمدون ويقاومون .. نحن في عز الإجازة والمونديال وتربية الضفادع ..؟"‏

السيد الأميركي يطلب اخراج المقاومين من بيروت ، فيتساءل الشاعر :‏

" ـ هل صحيح أننا سنخرج‏

ـ نعم سنخرج‏

ـ إلى أين ؟‏

ـ إلى أي أرض عربية تقبل بنا‏

ـ بعضهم لايقبل حتى جثثنا.."‏

ولكن أميركا تطلب رحيلهم إلى تونس البعيدة عن اسرائيل والتوقف عن المقاومة ولكن روح الشاعر تنتفض رافضة وقف المقاومة ويطوف محمود درويش مدن العالم : دمشق ، بيروت ، بغداد، موسكو، باريس ، لندن، حلب منشداً أن نصر المقاومة هو الطريق إلى القدس:‏

" فدائيون من حبق وحرية‏

ومنذورون للجمرة‏

على اسطورة حرة‏

هي الثورة‏

خنادقهم هواء البحر‏

وظلهم يشق الصخر‏

نشيد نشيدهم واحد‏

فإما النصر‏