هذه النسخة من موقع مؤسسة ومتحف محمود درويش هي نسخة تجريبية ويجري العمل على تطويرها

وضع الشعر العربي في أفق العالمية
 

كتب محمود درويش في مجموعته الشعرية "لماذا تركت الحصان وحيدا" (1997) أن "... من يكتب حكايته يرث/ أرض الكلام، ويملك المعنى تماما!". ويمكن أن نلخص تجربة درويش بأنها تطمح إلى كتابة الحكاية الشخصية المعجونة بالحكاية الجماعية الفلسطينية، وإضفاء معنى على هذه الحكاية من خلال تصعيد التجربة الفلسطينية وأسطرتها والكشف عن البعد الملحمي فيها، بالشخوص والحيوات وحشد الاستعارات والصور المركبة التي تزدحم في قصائده بدءا من "أوراق الزيتون" (1964) وصولا إلى "أثر الفراشة" (2008).

لقد تبلورت خيارات درويش الشعرية في سياق هذا الطموح، ولكنه ظل مشدودا، في مراحل تطور تجربته ونضجها، إلى حالة المخاض التي مرّ بها الشعر العربي منذ نهاية الأربعينيات من القرن الماضي، وإلى الانتهاكات الشكلية التي أوصلت شعرنا المعاصر إلى ما تحقق على يدي درويش وأقرانه من الشعراء العرب الكبار خلال النصف الثاني من القرن العشرين. لكن اللافت في قصائده الأولى هو تلك القدرة على تطويع هذه التأثيرات للتعبير عن التراجيديا الفلسطينية التي طمح شعر درويش إلى إعادة تركيب عناصرها ليبلغ بها مصافَّ التراجيديات الكبرى في التاريخ، ولعل الرغبة في صنع أسطورة الفلسطينيين المعاصرين.

يكتب درويش شعرا – يزاوج فيه بين الغنائيين والدراما التي تتصاعد في قصيدة مثل "سرحان يشرب القهوة في الكافيتيريا". وهو، من ثمّ يفتح عالمه الشعري على الملحمي والحواري ممسرحا قصيدته التي تغادر صوتها الغنائي لتحتفل بما يدور في أغعماق الشخصيات التي تحكي أو يحكى عنها في القصائد. ففي الوقت الذي كانت قصيدة درويش تصدر، في أعماقه الأولى، عن صوت فردي يعيد تسمية العالم والأشياء من حوله، فإنه يتجه في مرحلة "سرحان..."، و "محاولة رقم 7" بعامة، إلى كتابة قصيدة تحتشد فيها الذوات المكتملة. وعلينا أن ننتبه في هذا السياق إلى أن النقد العربي قد أخطأ عندما صنف قصائد الشاعر بأنها غنائية خالصة، إذ إن درويش يمسرح شعره ويحاول في معظم هذا الشعر صوغ ملاحم عامرة بالشخوص والمتكلمين، وعالمه الشعري يستمد غناه وتعدد معناه من هذه الملحمة المأمولة التي تتحقق في "أحمد الزعتر" و "قصيدة الأرض" (أعراس 1977) و"مديح الظل العالي" (1983) وعدد آخر من قصائد درويش التي كتبها خلال العقود الثلاثة الأخيرة.

من الضروريّ الإشارة لدى الحديث عن هذه المرحلة من تطور تجربة درويش الشعرية إلى الصفاء التعبيري الذي بدأ يميز قصائده. ففي هذه المرحلة تصبح قصائد الشاعر أكثر صفاءً، وتتخلص، إلى حد كبير من تراكم الصور الشعرية وفائض اللغة الذي نقع عليه في القصيدة العربية المعاصرة. وهو ما يهيئ الشاعر لانعطافة حاسمة في شكل قصيدته وصوره الشعرية وطبيعة بناء قصيته بعامة: وتتحقق هذه الانعطافة في مجموعتيه: "هي أغنية، هي أغنية" (1986)، و"ورد أقل" (1987) حيث تصبح القصيدة أكثر كثافة واختزالا، وأكثر التفاتا إلى ما هو كوني في التجربة. ثمة في قصائد هاتين المجموعتين اشتغال على ثيمات صغيرة كانت مهملة ومقصاة في شعر درويش السابق، ومحاولة لأنسنة الهزيمة والخسارات التي يحولها الشاعر إلى أغانٍ للعادي والبسيط والمشترك الإنساني في لحظات الهزائم الشخصية والجماعية.

لقد سعى درويش بدءا من "أرى ما أريد" (1990)، وصولا إلى كتابه الأخير "أثر الفراشة" (2008)، إلى تطعيم عالمه بمشاغل شعرية ذات طموح كوني. بهذا المعنى لم تعد عناصر التجربة الفلسطينية تحتل بؤرة شعر درويش، بل إن عناصر هذه التجربة أصبحت تتخايل عبر الأساطير التي ينسجها الشاعر أو يعيد موضوعة عناصرها التي يقوم باستعارتها من كايات الآخرين، ومن ثم يجدلها بحكاية شعبه وحكايته الشخصية كذلك.

أصبح دروي في هذه المرحلة صانع أساطير، يولّد حكايات من حكايات ويبني عالما أسطوريا تتمازج فيه حكايات الشعوب وأحلامها في أرض القصيدة التي تسعى إلى وضع حكاية الفلسطينيين في أفقها الكوني وتخليصها من محليتها ومباشريتها. وقد انعكس ذلك غموضا فاتنا على صوره وعالمه الشعري الذي ظل يحاول، لفترة زمنية طويلة، التخلص من حمولته السياسية المباشرة لمصلحة إنجاز قصائد كبيرة قادرة على أن تجدل الراهن بالعابر للتاريخ والمتجدد عبر الزمن.

المستوى الآخر في عملية التخليق الأسطوري حققه درويش في قصائد "هدنة مع المغول أمام غابة السنديان"، و"مأساة النرجس ملهة الفضة"، و"الهدهد"، وهي تمثل في مجموعها تأوج تجربة درويش وبلوغها مرحلة مدهشة من النضج الشعلري وخصوبة الدلالة والقدرة على جدل الحكاية الفلسطينية بحكايات التاريخ المستعادة. في هذه القصائد تتداخل الحكايات. ويصبح من الصعب على القارئ أن يفصل عناصر حكايتنا عن عناصر حكايتهم؛ وهو ما يرقى بشعر درويش، في هذه المرحلة، ليصبح شعرا إنسانيا خالدا قادرا على التعبير عن حكاية البشر، لا حكاية بعض البشر. وهذا ما تقوم به، خير قيام، الأسطورة التي تعمل على تمثيل الأنماط الكونية من خلال شخوصها الرمزيين ولغتها الرمزية الشاملة.

ينتقل درويش في مجموعته "أحد عشر كوكبا" (1992)، التي لا يزايلها هاجس الأسطرة التخليق الأسطوري، إلى رواية الحكاية الفلسطينية من خلال رواية حكايات الآخرين مبددا بذلك شبهة المباشرة، والعاطفية المفرطة، وموفرا كذلك محورا كونيا للتجربة الفلسطينية ببعديها المزي والواقعي. في هذا السياق تحضر الأندلس وحكايات الهنود الحمر وحكاية الشاعر وريتا وسوفوكليس والكنعانيين، ليشكل الشاعر من هذه المادة التاريخية – الشخصية صيغة التعبير غير المباشر عن حكاية الفلسطينيين الخارجين "من الأندلس" إن شعر درويش يعبر عن الروح الفلسطينية اللائبة المعذبة الباحثة عن خلاص فردي – جماعي من ضغط التاريخ وانسحاب الجغرافيا، لكنه في "أحد عشر كوكبا " يقدم أمثولات تاريخية صالحة للتعبير عن التجربة الفلسطينية، من بين تجارب أخرى. إن صورة العرب الخارجين من الأندلس في قصيدة "أحد عشر كوكبا على آخر المشهد الأندلسي"، وصورة الهنود الحمر في "خطبة الهندي الأحمر – ما قبل الأخيرة – أمام الرجل الأبيض"، تمثل كل منهما استعارة بدئية _نمطية) Archetype تتطابق مع صورة الفلسطيني المشرد المرتحل بعيدا من أرضه؛ ومحمود يكشف عن سر استعارته حين يضع عبارة "الهندي الأحمر" بين مزدوجين مومئا الى هندي أحر معاصر، هندي أحمر فلسطيني يعرض في "خطبنه" مفارقة انتصار الآخر وهزيمته هو.

لكن درويش تحول خلال العقد الماضي بدءا من "لماذا تركت الحصان وحيدا" (1995) و "سرير الغريبة" (1999)، إلى كتابة شبه سيرة ذاتية، إلى توليف عناصر من عيشه الشخصي مع عناصر من التاريخ الفلسطيني الجماععي والشخصي. لكن الانشغال هنا بحكاية السيرة، بتفتح الوعي على هذا العالم، لا يخفف من الشعور الملازم بالغربة والمنفى. كما أن انتصار الحاضر على مشهد الولادة، بتأزم أفق الصراع وثقل الواقع الضاغط، يدفع القصيدة إلى التلون برؤيا الغريب المنفي، ويصبح اليأس والإحباط، من التجرة الجماعية التاريخية، مهيمنين في معظم قصائده في المرحلة الأخيرة.

وهو بهذا المعنى لم يبتعد من جوهر شعره الأول، بل نقله إلى عتبة جديدة كان لا بد لتجربة شاعر مبدع مثله من أن يصلها شعره، عندما يتخفف من ثقل الواقعية التاريخية، ويعيد إدراج هذه الواقعة التاريخية في سياق التجربة البشرية الكبرى، كاتبا ذاته بكل تلويناتها: الوطنية والقومية والإنسانية، وملتفتا في الوقت نفسه إلى سيرته الشخصية وذاته الجوانية التي لايمكن الشعر أن يكون من دون التفتيش عنها والكشف عنها في القصيدة.

لكننا خسرنا بموته مشروعا طموحا لتحويل مسار الشعرية العربية، كان محمود قد خطط للقيام به من خلال فتح قصيدته على مسارا ت وآفاق شعرية، وتأثيرات مجتلبة من شعريات عالمية وأشكال تعبيرية أخرى.