هذه النسخة من موقع مؤسسة ومتحف محمود درويش هي نسخة تجريبية ويجري العمل على تطويرها

كلمة الأخ ياسر عبد ربه، رئيس مؤسسة محمود درويش في يوم الثقافة الوطنية في نابلس – 13-03-2013

تحتفي فلسطين في الثالث عشر من شهر آذار من كل عام بعيد ميلاد الشاعر الفذ محمود درويش، الذي تحّول إلى عيد للثقافة الفلسطينية، بكل ما يختزنه هذا الإدغام من معانٍ ودلالات.

ومحمود الذي سَمَا بفلسطين، وحرَّرها من دلالاتها السياسية المباشرة بكل ما تحمل من عدالة، صعد بها إلى ذرىً جمالية وثقافية، وإلى رمز ثابت وراسخ في الضمير الإنساني المقاوم لكل أشكال الاستبداد، وفي مقدمته الاحتلال وما يخلقه من بشاعات على هذه "الأرض المقدسة حجراً حجراً".
 
لقد أكمل السياسي، بشخص القائد الراحل ياسر عرفات، والثقافي، بشخص الشاعر الراحل، اسم فلسطين كأيقونة عالمية مرادفة لأنبل قيم الإنسانية وأكثرها عدالة.
وبفضل محمود أخذت فلسطين أسماء جديدة، بزعترها ولوزها ورائحة خبزها ودم شهدائها. لقد حوّل محمود درويش بلادنا إلى ذاكرة بصرية تومض في كل قصيدة أو بيت شعر. وبفضله، وبفضل أجيال ممتدة من شعرائنا ومفكرينا وأدبائنا، قرعت  فلسطين بأسمائها الجديدة جدران الضمير العالمي.
 
وبهذا الإرث والتراث الإنساني يتحصن شعبنا الفلسطيني، جيلاً بعد جيل، بسلاح يمتلك من المغزى وسطوة الرمز ما يفسر استمرار كفاحه وبقائه بالرغم من كل محاولات الاقتلاع والطمس والتبهيت والقرصنة.
واليوم، ونحن نحتفي بالمناسبتين: ميلاد درويش، ويوم الثقافة، نستذكر الإسهامات البارزة التي قدمتها الحركة الوطنية الفلسطينية في الحقل الثقافي، بكل ما يتشعب عن هذا الحقل من ألوان وأجناس أدبية وفنية وفكرية وسياسية. نستذكر هذه الإسهامات لنسائل أنفسنا اليوم: أين المشروع الثقافي الفلسطيني؟ وماذا فعلنا وسنفعل بما تركه لنا آباء الحركة الوطنية والثقافية الفلسطينية؟
 
فالثقافة حافظت على وحدة الشعب الفلسطيني رغم الشتات والمنافي، وما كان لثورتنا الفلسطينية المعاصرة أن تبقي على جذوة الكفاح مشتعلةً من دون حصن الثقافة المنيع.
ولنعترف اليوم بأن المشروع الثقافي الكبير، الذي أسس له كفاحنا الوطني الطويل، يعيش أزمة غير مسبوقة، وكأنّي بالثقافي يعيش في ظل السياسي، يتعثر به من دون أن يُقلّ عثرته. ومعظم المؤسسات الثقافية الموجودة الآن، تحت مسميات لا حصر لها، غير قادرة على إنتاج أية قيمة ثقافية أو فنية ذات معنى، وكأن الروح التي اشتعلت بالشعراء والكتاب والمثقفين والفنانين في السنوات الماضية قد انطفأت جذوتها. ومع إدراكي للعقبات الموضوعية التي تعرقل المشروع الثقافي الفلسطيني، وفي مقدمتها الاحتلال، وشح الموارد المالية اللازمة، فإن الروح البيروقراطية والشكلية قد استولت على روح المؤسسات الثقافية. وصارت الأموال على شحها تُصرَف على احتياجاتها البيروقراطية والمكتبية.
لقد ساهم هذا الوضع، وبصورة خطيرة، في تراجع القيم الوطنية والديمقراطية التي تربينا عليها لصالح خطابٍ مغرق في سطحيته وتخلفه وانغلاقه على الثقافة الإنسانية التي طبعت ثقافتنا وثورتنا على الدوام.
ومن الطبيعي جداً، وفي ظل تراجع الإنتاج الثقافي، وشكلية وبيروقراطية العديد من المؤسسات الثقافية القائمة، أن تنشأ أجيالنا الجديدة من دون حصانة وطنية وديمقراطية، وممسوحة ومغسولة الذاكرة والمعرفة بهويتها الثقافية.
إن الخسائر الفادحة، الناجمة عن ضحالة الحياة الثقافية اليوم، وعقمها عن التواصل مع تراثها الثقافي العريض، الذي خطته نخبتنا الثقافية السالفة، لا تؤدي فقط إلى إنتاج ثقافة مضادة ومعادية لروح الثقافة الديمقراطية الفلسطينية، بل وتفكك وحدة الشعب الفلسطيني وتحول تشتته الجغرافي إلى تشتت وانقسام سياسيين وحضاريين وقِيَمِيَّيْن. فقط كانت الثقافة، ولا تزال، خيط الوحدة المنيع للشعب الفلسطيني على اختلاف مشاربه التنظيمية والسياسية والفكرية وتوزعه الجغرافي.
 
إن الحياة لا تطيق الفراغ، والتحدي الماثل أمام المثقفين والثقافة الفلسطينية بكل مؤسساتها اليوم هو مصير الآلاف من أبنائنا وبناتنا، هل نتركهم لقمة سائغة للفكر التكفيري المعادي للوطنية الفلسطينية وقيمها ورموزها؟ ولعلّ الصراع الدائر اليوم في دول الربيع العربي يشير بوضوح إلى حجم المهمة التي تنتظر الثقافة الفلسطينية في معركتها ضد الإلغاء والتزييف.
فبالرغم من الوفرة المفرطة في تشكيل المؤسسات والمنتديات ذات التخصصات المختلفة، فإن الإنتاج الثقافي يكاد يكون صفراً، ما يثير التساؤل عن جدية الكثير من هذه المؤسسات، وجدوى الأموال المقدمة لها.
فقد بقيَ الفعل الثقافي الفلسطيني، على محدوديته، مقصوراً على نخبة محدودة، لم تنتفع به الفئة المستهدفة أصلاً في الأرياف والمخيمات وبقية المدن الفلسطينية.
إن تراجع مستوى التعليم ونوعيته، مقروناً بخواء الساحة من الإنتاج الجديد أو إعادة نشر الإسهامات الثقافية والفكرية والأدبية للمثقفين الفلسطينيين الذين قضوا، يقوّض مناعة المجتمع الفلسطيني أمام "ثقافات" دخيلة معادية لروح التقدم والحضارة. فكم من أبنائنا يعرفون اليوم: خليل السكاكيني، وإميل حبيبي، ومعين بسيسو، وإبراهيم أبو لغد وإدوارد سعيد... والقائمة تطول.
ومن المؤسف حقاً، وفي ظل هذا التراجع، أن ينشغل بعض المثقفين بإعادة افتعال السؤال عن العلاقة بين السياسي والمثقف. وكأن مسار الثورة الفلسطينية وتجربة الحركة الوطنية الفلسطينية في إطار منظمة التحرير الفلسطينية لم يحسما هذه العلاقة. فكل الساسة الفلسطينيين، وعلى رأسهم أبو الوطنية الفلسطينية المعاصرة ياسر عرفات، أدركوا مبكراً أهمية الثقافة في تحصين مشروعهم السياسي الوطني من الانكسار ، وفي ظلهم ازدهرت الحياة الثقافية، وتنوع إنتاجها الأدبي والفني والفكري.
 
لقد كانت الثقافة بالنسبة للسياسي الوطني العمود الفقري للثورة الفلسطينية. ولم يحدث على الإطلاق أن حاول السياسي تدجين المثقف أو إغراقه في تكتيكاته السياسية، فلم نكن يوماً، ولن نكون، نظاماً رسمياً يبني شرعيته على إنتاج ثقافة شعبوية معلّبة تُمَجِّد السياسي وتبرر له.
 
أيتها الأخوات والإخوة،
انطلاقاً من رؤيتنا هذه لحال الثقافة الفلسطينية، واستكمالاً للمشروع الذي فنى دونه مثقفونا، ومن بينهم من نحيي اليوم ذكرى ميلاده، فإن مؤسسة محمود درويش ستساهم بإمكانياتها المتاحة في إطلاق مؤتمر دولي سنوي للثقافة الفلسطينية، بالتعاون مع المؤسسات الثقافية القائمة بهدف تحفيز الإبداع الثقافي في شتى الميادين، في الرواية والشعر والمسرح والسينما والموسيقى والفن التشكيلي وشتى أنواع الفنون الأخرى، والانكشاف على الإسهامات والإنجازات العالمية الجديدة من خلال دعوة أبرز مبدعي العالم لحضور هذا المؤتمر.
كما تنوي مؤسسة محمود درويش، وفي نهاية كل مؤتمر سنوي، تسليط الضوء على مبدع فلسطيني، يختاره المؤتمر، لإعادة طباعة وتعميم إنتاجه خلال ذلك العام.
في ذكرى ميلاد المعلم، والرمز الراسخ لثقافة التنوير والتجديد الفلسطينية، والابن المخلص للثقافة العربية والانسانية، محمود درويش، نقدم لكم اليوم نتائج اعمال لجنة جائزة الثقافة الوطنية، لحرية الابداع، جائزة محمود درويش. وقد ارتأت مؤسسة محمود درويش ومجلسها التنفيذي اضافة جائزة جديدة لهذا العام هي جائزة الشرف تمنح لمثقف مبدع فلسطيني او عربي في مجال حرية الفكر والدفاع عن حق الشعوب في الديمقراطية والانطلاق وكسر قيود الديكتاتورية، ومواجهة الفكر الظلامي المتخلف. وقد منحت هذا العام الى المفكر العربي السوري الدكتور صادق جلال العظم.
نشكر حضوركم، ونشكر بلدية نابلس وجامعة النجاح الوطنية وجميع العاملين وفرقة الكمنجاتي للمساهمة في هذا العيد، وبالطبع وزارة الثقافة الفلسطينية ودولة رئيس الوزراء الذي يشارك سنوياً وبشكل منتظم في حفل جائزة محمود درويش.
 
والى اللقاء