هذه النسخة من موقع مؤسسة ومتحف محمود درويش هي نسخة تجريبية ويجري العمل على تطويرها

أربعون يوماً على مصرع الوردة الأخيرة: درويش في زجاجة عطر - فاتن صدرالشيخ

أربعون يوماً على مصرع الوردة الأخيرة 

درويش في زجاجة عطر متبخرة

فاتن صدرالشيخ
(سوريا/النمسا)

عندما التقيته في آيندهوزن في الريف النمساوي، كان يحمل في عينيه صفاء الجدارية التي لم يكن قد كتبها بعد. لم يخطئ أفلوطرخس عندما قال أن عيون الشعراء تحتبل بالقصائد قبل ألسنتهم، وأن الحاجب، لا القلب، يحوي سر القافية المستعصية. سألته يومها عن اللوز المحمّل على أجنحة أشيلوس، وعن فاكهة الخطيئة في أطلنطس الغريقة، كيف استطاع أن يجبل تلك الصور العطرة بعنصرين لا يقلان تواضعاً عن الحبر والورق. نظر إلي يعينين تلتمعان براءة واكتفى بابتسامة لطلما أجادت شفاهه التكنية بها عن كلام كثير. أخبرته ساعتها أن شعره ليس أكثر من امتداد مخطوط لتلك الابتسامة الساحرة، والآن، وبعد رحيله الكفكاوي المفاجئ، أقلب في دواوينه، فأرى التماعة نواجذه بين القصيدة والقصيدة، وغمازه الغائر بين القوافي وكأن الورق اختلس بضعةً من وجهه الجميل.

سيمضي زمن طويل قبل أن تعرف العرب أي شاعر خسرت في التاسع من آب من عامٍ لم يخلع بعد بردته السوداء، وحينها، فإن الناس ستدلف إلى رام الله لتعيد دفن شاعر يستحق ورداً أكثر ورثاءً أقل. في صومعته الجديدة برام الله، حيث الأفق يطل على اللا-أفق، لا يمكن لي أن أتخيل محمود آبهاً بالرثاء، ولا منشغلاً ببكاء المحبين ونحيب العاشقات، ولأجل ذلك تحديداً، فإن من الأجدر أن يكون الكلام رهناً لأبنائه الباقين من خلفه، دواوينه السبع الكبرى وقصائده التي بعدد زوجات ميخالوس أو شعيرات الذهب النامية على إبط إنغيدو بعد أن استرد رجولته وصار يمشي على قدمين ويذرع المسافة بين بابل وأور في نهارٍ واحد.

منذ التماعة درويش في قصيدته الأولى غير المنشورة "تابوت العاج"، كانت القناعة قد ترسخت لدى نخبة من نقاد المهجر أن شيئاً ما يحدث في العالم العربي. لم يكن من المنطقي أن يستمر الشلل الشعري عند العرب والناجم عن جلطة كبرى في المخيلة الموسيقية إلى الأبد. كان لابد لشاعر يحمل عبقرية الجرّاح وتواضع الإسكافي أن يعبر المتر الأخير المفضي إلى القصيدة العربية الحديثة، وأن يستخرج من رحم نفسه شعراً مفارقاً للعامود بعملية قيصرية ذاتية في غياب للقابلة الفراهيدية التي لا تعترف أصلاً بشرعية الجنين. وعندما ترجمت دار نمساوية صغيرة مجموعة قصائد لمحمود، لم تفلح الهوّة الثقافية الفاصلة بين ضفتي بحرٍ ينعت بالبياض ويوصف بالتوسط أن تجعل ناقدة نمساوية بوزن أفليخا دربزي أن تعلن في أسبوعية بيكندم الثقافية: "منذ جياكومو كازانوفا، لم تعرف النمسا نصاً أكثر إشعالاً لدفائن المرء وشهواته الجامحة. إن سمعة النمسا كموطن التهتك الأوروبي الأول لم تكتمل إلا بنسخة نمساوية عن درويش. ابنوا تمثالاً لهذا الرجل." وليس الحديث هنا عن شهوانية بهائمية بل عمّا أسمته أفليخا في ذاتِ المقال "إيروتيكا الأرواح وجنس القيم". وهو بغير شك أعلى مراتب التصعيد الفرويدي، حيث يتحوّل الجموح الشهواني لفائض إبداعي سرعان ما يجد في الورق سريراً مجازياً يمارس على وسادته كل أصناف الشعر.

لكن الأمر لا يقف عند هذا الحد. إن نمو درويش البنائي في مشروعه الشعري يستحيل أن يطوّع في رؤية نقدية واحدة. بل إني أجرؤ فأقول إن أي مقاربة نقدية لدرويش خارج إطار السطر الواحد لقصيدة مفردة في ديوان معزول لا يمكن أن تفلت من عقال التناقضات الصارخة. وللأسف، فإن العجز عن توليف التركيبة النقدية التي تواتي الخيمياء الدرويشية عبّر عن نفسه بسلسلة مطوّلة من الكتابات البحثية المرتبكة، والتي كانت تستعين بالبنائية كلما أعوزها التفكيك، وترتد على عقب التفسيرات النفسية لطفولة فرويدية مفقودة إذا ما وجدت نفسها هائمة في متاهات التناص والتناص المضاد. إنني لأجرؤ على القول بأن إليوت قدّم في غابته المقدّسة عن محمود درويش ما لم يستطع ناقد عربي أن يقدم حتى الساعة، رغم أن إليوت لم يسمع بالبروة يوماًً ولا يعرف عن الشرق إلا بقدر ما أتاحت له رباعيّات الخيّام. فمفاهيم المعادل الموضوعي والتواتر السرخسي (بلغة إليوت) لم تجد ميلادها العربي إلا في القصيدة الدرويشية. تكفي تلك المتتاليات الاسمية الفاتنة التي طالما برع فيها درويش دليلاً على المسافة التي لا تزال تفصل صاحب الجدارية عن نقاده وقارئيه على السواء.

سيبقى صوت الأنا التي تحملها القصيدة الدرويشية وساماً على صدر المتواضعين، ولن تبقى من كل تلك الأصوات الذابلة الظلامية التي شككت في مشروعية زهر اللوز النابت على السفح الأبعد "سوى الصدى، ولسوف تعلم يا أبي أنـّا دلفنا من فضا..". فلينعم بك لوز الجنة، محمود.

عن ( كيكا)