هذه النسخة من موقع مؤسسة ومتحف محمود درويش هي نسخة تجريبية ويجري العمل على تطويرها

لـم يعد سراً - غسان زقطان

لـم يعد سراً

 

غسان زقطان

 

 

كان يجلس في المقعد الأمامي وكان يمكن تأمل وجهه من النافذة الجانبية مستغرقاً في قراءة الصحيفة، حينما توقفت السيارة السوداء بانتظار مرور موكب صاخب لعرس قادم من ريف رام الله، ذلك ما كانت تشي به باصات الفورد الصفراء المغبرة والمتعجلة أبداً وسيارات النقل الصغيرة وحافلة ممتلئة حتى الحافة بالأولاد الذين تبرق عيونهم خلف الزجاج، والنساء المخطوفات في غناء كأنه حيلة أو سلم نجاة.
سمح لي ذلك التوقف بأن ألمح من مكاني على الرصيف القريب من زجاج نافذته عنوان المقال الذي يقرأه، وياقة المعطف الكحلي والانسياب الجانبي لوجهه وباقة زهر أصفر ملقاة على المقعد الخلفي.

في ذلك اليوم المبكر من آذار قبل عيد ميلاده بأيام قبل سنتين او ثلاث كان مستغرقاً تماماً في قراءة الصحيفة، بينما عرس ريفي يطلق أبواقه في أحد منعطفات رام الله، قبل أن يواصل طريقه مبتعداً نحو شارع "السهل".
لم أطرق على زجاج النافذة ولم ينتبه لوقوفي، بقيت الحادثة بالنسبة لي مثل سر شخصي لا مبرر له، وكأن مجرد سرده أو افشائه سيفسد المشهد برمته! ولكنه كان كافياً وضرورياً لأن أهتدي فجأة الى أننا نعيش في مدينة يمكن أن تصادف فيها محمود درويش في عبور سريع نحو منزله، أو وهو يصعد متمهلاً الدرجات المؤدية الى مكتبه في الطابق الثاني من مركز السكاكيني، او دخوله المتردد الى مائدته على المقهى وكأنما فاجأ نفسه هناك، أو وهو يتكئ متعباً ومبتهجاً على المنبر في قصر رام الله وخلف ظهره تتراكم العتمة على التلة التي سيصلها بعد أيام محمولاً وخجولاً إلى أبعد حد..!

المطر الخفيف الذي بلل الرصيف والمارة وسيارات العرس والرجل الواقف على الرصيف، محا كل شيء سوى "البروفيل" المستغرق خلف الزجاج الذي واصل مروره الاستثنائي في تلك الصبيحة، كأنما ليؤكد حدوثها، بينما تتبعه في الهواء النظيف باقة مبللة من الزهر الأصفر المشرب بالبياض!